تظاهرة نسائية في لبنان تطالب بحق النساء في إعطاء أبنائهن الجنسية (أرشيف)
تظاهرة نسائية في لبنان تطالب بحق النساء في إعطاء أبنائهن الجنسية (أرشيف)

بقلم منى فياض/

في مطلع حزيران/يونيو الماضي انشغل الرأي العام اللبناني ذات صبيحة بخبر صدور مرسوم تجنيس مفاجئ لأكثر من 350 شخصا عربيا وأجنبيا. في ظل المشاكل العالقة التي يغرق فيها لبنان، تضاف واحدة جديدة. فاشتعلت وسائط الاتصال والصحافة ونشرات الأخبار بما سمي "فضيحة مرسوم التجنيس". وغدا التجنيس ومرسومه حديث البلد. في حين استقطب الحدث الغامض الاهتمام الوطني، تكتمت الجهات المعنية حوله. ثم نشر النائب السابق وليد جنبلاط عددا من صور الشخصيات المقربة من النظام السوري، والذين بحسب التسريبات، سيكونون هم أو أفراد من عائلاتهم من غانمي جنسية بلاد الأرز!

ليس من قانون أو شروط لمنح الجنسية في لبنان. إنها هبة من رئيس الجمهورية! حصلت سوابق تمثلت بمنح الجنسية لبعض المحظوظين في نهاية عهود بعض الرؤساء وأثارت أيضا الكثير من الضجة والاعتراضات. لأنها تصدر من دون حيثيات أو إيضاح لسبب منحها. أما الآن فلقد منح الرئيس الجنسية في مطلع عهده! وفي ظروف غامضة. وبعض "عناوين الصحف الحرفية" توضح ذلك:

ليس من قانون أو شروط لمنح الجنسية في لبنان. إنها هبة من رئيس الجمهورية!

​​"مرسوم التجنيس يتفاعل: 3 كتل نيابية تتحضر للطعن.. وهذه الخطوات القانونية..". ثم "لماذا أحيل التدقيق بأسماء المجنسين إلى الأمن العام؟". و"احتجاجات على "التجنيس" تتسع والرئاسة تعتبره "ملفات شخصية". إلى اعتبار أنه مرر بغفلة: "من أخفى عن رئيس الجمهورية المعلومات الحقيقية عن بعض المجنسين؟"، وصولا إلى التحذير من خطر تعرض لبنان للمحاسبة: "عقوبات دولية قد تتقدم صفقة التجنيس هل يبادر عون إلى إلغاء المرسوم الملتبس؟". في حين بدا الأمر كأنه تجنيس طبقي: "تجنيس الأغنياء يفيد لبنان أم خطر عليه؟ حتى عنوان: "شريك رامي مخلوف أصبح لبنانيا". وأخيرا مرسوم التجنيس ـ الفضيحة يُنَفَّذ... بالتهريب أيضا".

لا يزال هذا الموضوع عالقا ولا توضيحات حتى الآن لتلك الملابسات. لكن "من ضرب ضرب ومن هرب هرب" كما يقول المثل الشعبي، وسينعم من تجنس بوطنه الجديد.

اقرأ للكاتبة أيضا: المواطنة وخدمة البلدية بين مونتريال وبيروت

ما يجعلني أعلق على هذا الموضوع الآن، حضوري حفل منح الجنسية الكندية في مونتريال لـ 275 مواطنا من حوالي 55 بلدا من مختلف أنحاء العالم، سمر وملونين، بيض وسود ومن أعراق وثقافات شتى.

أدمعت عيناي عدة مرات، فيما أعاين انهماكهم وفرحتهم وملابس الأعياد الملونة التي ارتداها البعض منهم مع أطفالهم إذ امتزج الأخضر والأحمر والبرتقالي، إلى جانب البدلات السوداء الرسمية للبعض الآخر أو ملابس عادية أيضا. تفسر كلمات القاضية عن مسيرتهم الصعبة للحصول على الجنسية الكندية هربا من قمع أو اضطهاد أو حروب أو لحاجة اقتصادية، فرحتهم الكبيرة. حرصت على التشديد أنهم اختاروا كندا بلد التعدد والحقوق وطنا لهم حيث سيتمتعون بالحرية والديموقراطية، قابلين التسامح والتشارك مع الآخرين على قدم المساواة. وسيخدمون كندا وسيكون لها ولاؤهم وسيتسنى لهم المساهمة في بنائها.

آتين من مختلف أصقاع الارض، وبعد مسيرة متعرجة تختلف بظروفها وحيثياتها، اصطفوا بصفوف طويلة بمنتهى الهدوء والانتظام. احترموا التعليمات بحذافيرها وهم القادمون من بلدان على الأغلب فقيرة أو تعاني العنف والحروب. الجامع بينها أنها نبذتهم فتركوها بحثا عن الأمن، مهما كان عنوانه: الأمن السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. بدوا وكأنهم نشأوا وانتموا إلى ثقافة واحدة متجانسة وعرفوا هذه العادات وعاشوها دائما.

دخلوا القاعة واختاروا مقاعدهم. من سوف يحصلون على الجنسية ومرافقوهم من أقارب وأصدقاء. عند بدء الاحتفال كان التصفيق الحاد يرتفع من وقت لآخر عند مقاطع من الكلمات ألقيت بالمناسبة. يقسمون الولاء لوطنهم الجديد لكي يتمتعوا بالحقوق والواجبات المترافقة مع المواطنة الكندية: يردد كل واحد منهم أمام القاضية:

"أقسم (وأؤكد رسميا) أنني سأكون أمينا وسوف أحمل ولائي لجلالة الملكة إليزابيث الثانية ملكة كندا وورثتها. وأنني سأحترم القوانين الكندية بأمانة وسأملأ واجباتي كمواطن كندي".

القسم يعني للمواطن الكندي الجديد أن: تقوم بوعد قاطع باحترام قوانين كندا وبالقيام بواجباتك كمواطن. والدولة الكندية، أي التاج، تضمن أو تكفل بالمقابل حماية حقوقك وحرياتك.

تكفل القوانين والواجبات الكندية المرتبطة بالمواطنة للمواطنين الكنديين الحقوق والواجبات المتأتية عن تاريخهم. هذه الحقوق والحريات مكرسة في التشريعات الكندية وتعكس الهوية والقيم المشتركة. وهي تضمن للكنديين تراثا من الحرية المكفولة والتي تعود إلى 800 سنة حين توقيع الماغنا كارتا في عام 1215 (وتسمى أيضا شرعة الحريات الكبرى) في إنكلترا. إن مثالات الحرية التاريخية للشرعة الكبرى تطورت مع الوقت وهي ملخصة في الشرعة الكندية للحقوق والحريات، التي أضيفت إلى الدستور في عام 1982. وهي من ضمن أخرى:

  • حرية المعتقد والحرية الدينية.
  • حرية الفكر والتعبير والصحافة.
  • حرية الاجتماع السلمي.
  • حرية تشكيل الجمعيات.

احترام القوانين، والاستجابة لتأمين حقوقك الشخصية وحقوق أسرتك واحترام حقوق وحريات الآخرين هي واجبات المواطن الأساسية. الخدمة الطوعية، في البحرية أو الجيش أو القوى الجوية، تشكل التعبير الأسمى عن المواطنة الكندية.

ما لفتني أن أول حركة طلبتها منهم القاضية كمواطنين كنديين، هي القيام بفعل مشاركة ومحبة عبر الالتفات إلى الجالس بقربهم أو خلفهم للسلام والتحية. دار العناق بحرارة ما أضفى طابع الألفة على الجو. بدا الأمر كأنه مشهد في فيلم سينمائي.

الجنسية اللبنانية تمنح من دون شروط لمن يدفع ثمنها على ما يبدو وليس لمن يستحقها بالضرورة

​​يعلم جميعنا أن التزام الدولة الكندية تجاه مواطنيها ليس حبرا على ورق، فيكفي أن يتعرض أي مواطن في أي بقعة لأي حادث كي تبحث عن الوسائل التي تؤمن حمايته وحقوقه. ونحن أكثر من يعلم أن أول ما فعلته الدولة الكندية في حرب عام 2006 كان تأمين عودة جميع المواطنين الكنديين ـ اللبنانيين من لبنان إلى كندا.

فماذا تعني الجنسية اللبنانية في المقابل؟ أن تهمل حكومتهم حقوق جميع اللبنانيين الأساسية، أو مواطنا كاللبناني نزار زكا المخطوف علنا في طهران دون أن تحرك ساكنا كي لا تغضب نظام الملالي. تترك المهمة للولايات المتحدة كي تطالب بمن يحمل مجرد غرين كارد (الإقامة الدائمة) من سلطاتها.

اقرأ للكاتبة أيضا: بين مونتريال مدينة الفرح وبيروت المعتقل ذي الرائحة الكريهة

فالجنسية اللبنانية تمنح من دون شروط لمن يدفع ثمنها على ما يبدو وليس لمن يستحقها بالضرورة، أو يحلف يمينا لاحترامها أو يعرف ما يترب عليه من حقوق وواجبات. ربما ليس عليه سوى تقديم الولاء لمانحها!

لكن أغرب ما رافق الخبر تداول فيديو لإحدى المذيعات في تلفزيون "أو تي في" التابع للتيار الوطني الحر (وهو حزب رئيس الجمهورية) تتحدث فيه عن الجنسية اللبنانية بطريقة استفزت كثيرين، إذ قالت: "لشو هالضجة ما هي "جنسية محدودة" وكأنها جنسية بلد يا لطيف!" هل كان زكا أو المسجونون في سورية أو على لوائح القتلى السورية على بالها؟

كتب أحد الأصدقاء على موقع "فيسبوك": لو كان محمود درويش حيا، ماذا كان ليكتب في هذا اليوم بالذات؟ (في ذكرى أسبوع رحيله).

فكرت أن أجيبه: احمل نعشك وابحث لك عن مقبرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…
أليات عسكرية تابعة لحكومة الوفاق تتجه إلى جبهة مصراتة

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة