آثار الدمار في مدينة درعا في الجنوب السوري
الدمار في مدينة درعا في الجنوب السوري

بقلم دارا عبدالله/

لا يشير الظرفان، الدولي والإقليمي، بأي إمكانية لإجراء تحول نوعي في مسارات الأزمة السورية، سواء السياسية أو العسكرية، لصالح المعارضة السورية. التحالف الإماراتي ـ السعودي يحاول إعادة ترتيب المنطقة في شكل نستطيع أن نسميه بمرحلة "بعد الربيع العربي". تركيا اختصرت كل الأزمة السورية بالملف الكردي واللاجئين. والولايات المتحدة الأميركية مهجوسة بتقليص النفوذ الإيراني أكثر من تحقيق أي تحول سياسي وديموقراطي في سورية.

مفاوضات جنيف معطلة، وصارت تكاليف فنادق المعارضة عالية على الجميع. جرعة الوطنية السورية في الخطاب العسكري المعارض، تكاد تصبح معدومة لصالح الخطاب الإسلامي العسكري بأنواعه السلفية والجهادية والقاعدية والداعشية. كما أن الحديث عن "إرادة الشعب السوري"، و"تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"، صار ضربا من ضروب الشعبوية الدامية. أسميها الدامية، لأنها تهجر المزيد من الناس، وتهرق المزيد من الدماء، وتشكل كميات متزايدة من الضحايا واللاجئين والأيتام والمعوقين.

بشار الأسد صار رجل حرب، ومن الصعب أن يتحول إلى رجل استقرار

​​لذلك، أزعم بأنه يجب تسليم سورية، بالكامل، إلى نظام بشار حافظ الأسد، حتى يتحمل النظام السوري بنفسه مسؤولية هذه المناطق، اقتصاديا وأمنيا وخدماتيا وعمرانيا. أتواصل مع كثير من الناس في القامشلي على سبيل المثال، المدينة التي كبرت فيها، وغالبيتهم أصيبوا بالإحباط والغضب من سلطة كل التشكيلات العسكرية والسياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)، ويريدون عودة النظام السوري، ليس حبا بعيون بشار الأسد، بل لأن النظام السوري له جهاز شرطة على الأقل، ودورة بيروقراطية مندرجة في النظام البيروقراطي العالمي، ونظام تعليمي أفضل من كتب جماعة "الإدارة الذاتية" وخطابات "جبهة النصرة"، وأعتقد بأن الوضع ليس مختلفا في مناطق سورية الأخرى. السؤال اليومي يأتي قبل السؤال السياسي، والسياسة تنطلق من اليومي.

اقرأ للكاتب أيضا: عالم بدون 'روح سياسية'

يجب الاعتراف بفشل كل تجارب سلطات الأمر الواقع في كل المناطق التي خرجت عن سيطرة آل الأسد. لم تتحول سلطة واحدة منها إلى كيان يشبه الدولة، ولو بنسبة واحد في المئة، قادرة على الربط بين المسألة اليومية والمسألة الحقوقية.

بشار الأسد صار رجل حرب، ومن الصعب أن يتحول إلى رجل استقرار. الاستقرار، باعتقادي، سيفتح ثلاثة أسئلة وقضايا أساسية. آل الأسد غير قادرين على الإجابة عليها:

أولا: النزاع الروسي ـ الإيراني؛ أعتقد بأن التحالف الروسي ـ الإيراني، ليس تطابقا كاملا، وثمة تناقض لا بد أن يظهر إلى العلن. وسيكون من الصعوبة لنظام بشار الأسد اتخاذ القرار بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك في لحظة الحسم. تمتلك روسيا علاقة ممتازة مع إسرائيل التي ترفض وجود أي قوات إيرانية على غرار "حزب الله" في سورية. دفعت إيران عشرات المليارات في سورية، وتغلغلت في النسيج الاجتماعي والبنية الاقتصادية والعسكرية السورية، واجتثاثها هو مثل "فك الشوك عن الصوف"، كما أن إزالة الاحتلال الروسي هو ضرب من ضروب المستحيل. الحرب العسكرية مع الكتائب الجهادية تؤجل، حتى الآن، هذا التناقض الذي سينفجر بلا شك.

ثانيا: الميليشيات المتكاثرة المؤيدة للنظام؛ ثمة عدد كبير من الميليشيات غير النظامية وغير المندرجة في الجيش السوري النظامي بيروقراطيا، وهذه الميليشيات لديها سلاح ومصالح ومناطق نفوذ وحواجز واقتصاد داخلي ورموز عسكرية وامتدادات إقليمية ودولية (بعضها تابع لروسيا وبعضها تابع لإيران وبعضها طائفي بحت لا يتبع أحد)، وليس من السهل على نظام بشار الأسد نزع سلاحها وضبط سلطتها.

جرعة الوطنية السورية في الخطاب العسكري المعارض، تكاد تصبح معدومة لصالح الخطاب الإسلامي العسكري

​​ثالثا: إعادة الإعمار؛ تشير كل التقارير بأنه لا روسيا ولا إيران (تواجه تظاهرات مستمرة ذات مطالب اقتصادية منذ أشهر)، قادرتان إلى إعادة إعمار سورية، البلد الذي يعاني من دمار أكثر من 65 في المئة من بنيته التحتية كما أشارت تقارير الأمم المتحدة. كما أن الدول الأوربية وأميركا وحتى الصين، لن تقومان بإعادة إعمار سورية لنظام بشار الأسد، ليس حبا بالشعب السوري وتقديرا لتضحياته، وإنما منعا من تحول هذه البقعة الجغرافية المهمة إلى نفوذ سياسي صرف لروسيا. أوروبا لن تقدم سورية معمرة على طبق من ذهب إلى بوتين، ولن يدخل الأوروبيون إلى عملية إعادة الإعمار بدون وجود تركيبة سياسية واضحة تحفظ مصالحهم.

اقرأ للكاتب أيضا: في عالم السجن

كثير من المنظرين الفلسطينيين ندموا على اتفاقية أوسلو، لأنها حولت "منظمة التحرير" إلى سلطة موجهة للداخل، بدون دولة فلسطينية عربية لها اعتراف خارجي. هذا أسوأ وضع، أن تكون سلطة بدون دولة. وخرجت آراء بين الفلسطينيين تنادي بتسليم كل فلسطين لإسرائيل لتتحمل مسؤولية قطاع غزة والضفة الغربية، مع نضال فلسطيني داخل إسرائيل يركز على المواطنة الفلسطينية الكاملة، هذا كان رأي، وطبعا رفضته إسرائيل لأنها تدرك الوزن الديموغرافي والسياسي للعرب وتداعيات هذا الأمر مستقبلا.

فشلت هذه الجولة في سورية، والمزايدة دامية. على الناس أن تأخذ نفسا، وليذهب الجيل الجديد إلى المدارس، ومهمتنا أن نروي الحكاية وما حصل بالضبط، حتى تكون درسا للجولة القادمة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة