توم كروز خلال العرض الأولي لفيلم "المهمة المستحيلة: السقوط"
توم كروز خلال العرض الأولي لفيلم "المهمة المستحيلة: السقوط"

بقلم رياض عصمت/

ربما كانت مهمة إنتاج الفيلم السادس من سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" هي المستحيلة بعد أن طرقت الأفلام الخمسة السابقة كل ما يدهش ويثير الخيال، بدءا من اختراق مبنى الاستخبارات المركزية الأميركية، إلى القفز من طائرة دون مظلة، إلى الانتقال في الهواء بين برجين في شنغهاي، إلى اختراق حواجز تفتيش الكرملين، إلى تسلق برج شاهق في دبي بقفازات مطاطية. لكن كريستوفر ماكواري، مؤلف ومخرج فيلم "مهمة مستحيلة: السقطة" (2018)، نجح رغم كل ما سبق في صنع فيلم نال تقديرا استثنائيا عاليا بين أفلام السلسلة الستة حتى الآن، وضع الفيلم في مصاف أكثر الأفلام التجارية نجاحا، إذ نال 8.3 درجة في حين لم يتجاوز تقييم أفضل فيلمين آخرين 7.4.

في الواقع، طرق كريستوفر ماكواري باب المستحيل في أنه حظي لوحده هذه المرة بشرف كتابة سيناريو الفيلم السادس، كما أصبح أول مخرج على الإطلاق يكلف بإخراج فيلمين من السلسلة السينمائية الشهيرة التي تناوب على إخراج أفلامها مخرجون متنوعون.

هذه المرة تضاعفت الخطورة لتصل إلى احتمال تفجير ثلاثة رؤوس نووية في منطقة كشمير بحيث تغرق العالم بالمياه وتفني ثلث سكانه

​​عندما انطلق المسلسل التلفزيوني "مهمة مستحيلة" (1966 ـ 1973)، كانت المستحيلات في عالم الواقع كثيرة آنذاك. لم يكن هناك موبايل أو إنترنت أو فضائيات، وكانت الحيل التقنية لشخصيات المسلسل مذهلة بحيث استطاع خيال مبدع المسلسل بروس غيلير، أن يجذب اهتمام المشاهدين في العالم أجمع مثلما فعلت أفلام جيمس بوند الأولى.

حفظ المشاهدون أسماء أبطال المسلسل في سبعة مواسم: بيتر غريفز، مارتن لاندو، كريغ موريس وسواهم. ما لبث منتجو التلفزيون أن عادوا لإنتاج موسمين جديدين (1988 ـ 1990) مبقين على بيتر غريفز وكريغ موريس، مع تغيير بقية الممثلين. لكن سرعان ما بدا واضحا أن منابع الخيال الجامح بدأت بالنضوب عند كتاب السيناريو أمام تضاؤل المستحيلات مع التقدم التكنولوجي السريع، وأن ما طرحه المسلسل من خدع وحيل وأقنعة مطاطية بدأ يفقد صلاحيته لأن كثيرا من الأشياء صارت متوفرة في الواقع، وتتناقل أخبارها الدعايات والوكالات وأجهزة الإعلام.

لذا، شكل إنتاج سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" في عام 1996 مغامرة وتحديا، واختير النجم توم كروز لبطولة السلسلة دعما لفرص النجاح. حمل الفيلم الأول توقيع المخرج القدير المعروف بريان دو بالما، فنال 7.1 درجة، وضم ممثلين مخضرمين مثل جون فويت وجان رينو وفانيسا ريدغريف.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما ينقلب السحر على الساحر

تلاه الفيلم الثاني في عام 2000 بتوقيع مخرج أفلام الحركة جون وو، فنال 6.1 درجة فقط، وشارك فيه دوغراي سكوت وثاندي نيوتن. لكن، بالرغم من الإثارة والتشويق فيه، إلا أنه لاح أن بريق السلسلة بدأ يخبو مبكرا. كان على المحاولة الثالثة لإنتاج جزء ثالث أن تنتظر ست سنوات حتى عام 2006، وكلف ج. ج. أبرامز بإخراج الفيلم عساه يستعيد بعض النجاح المنشود، فنال تقديرا أفضل نسبيا قدره 6.9 درجات، ربما بفضل استقطاب فيليب سيمور هوفمان وجوناثان ريس مايرز ولورنس فيشبورن وميشيل مونغاهان.

لكن الإحساس عاد ليتأكد من جديد، سواء عند المنتجين أم الجمهور، أن أشرار الماضي من مهربي السلاح وجواسيس العدو والجنرالات المستبدين ورجال الأعمال الفاسدين ومروجي الصفقات المشبوهة لم يعودوا يستقطبون اهتمام المشاهدين ويثيرون أعصابهم ويدفعونهم لترقب عقابهم العادل كما كان الأمر في الماضي، لأن أرض الواقع المعاصر تحفل بأمثالهم ممن يرتعون بيننا، ويغض النظر عن انتهاكهم للقيم الإنسانية حتى من القوى المتحضرة حفاظا على المصالح المتبادلة.

بالتالي، انتظر إنتاج الفيلم الرابع "مهمة مستحيلة: برتوكول الشبح" حتى عام 2011، وحمل توقيع المخرج براد بارد، وشارك توم كروز في بطولته جيريمي رينر وباولا بيتون وليا سيدو. لعب سيناريو الفيلم، الذي اشترك عدة أشخاص بكتابته، على وتر الحرب الباردة من جديد، إذ تخلله اختراق العميل إيثان هانت مع زميل له أسوار الكرملين المحصنة في قلب موسكو بمهمة مستحيلة، وتبع ذلك وقوع ما هو ليس بالحسبان، إذ تم تفجير الكرملين وأسندت التهمة إليهما ظلما. نال الفيلم تقديرا قدره 7.4 درجة، وقوي الأمل باستمرار السلسلة.

هذه المرة، لم يطل الانتظار طويلا، فكلف المخرج كريستوفر ماكواري بالمشاركة في كتابة سيناريو الفيلم الخامس "مهمة مستحيلة: أمة الشر" وإخراجه في عام 2015، فنال الفيلم أيضا تقديرا قدره 7.4 درجة. كما تم إشراك مزيد من النجوم مع جيريمي رينر وربيكا فيرغسون، مثل سيمون ماكبارني، إلك بولدوين وشون هاريس، فضلا عن التواجد الثابت لممثلين في فريق المهمة المستحيلة ـ كما كان الأمر في المسلسل التلفزيوني القديم ـ كالممثل الملون فينج رهاميس والممثل الظريف سيمون بيغ، وكلا الشخصيتين تتمتع بمهارات تكنولوجية فائقة، بينما تبدل ممثلون وممثلات آخرون بين فيلم وآخر.

الحق يقال، استطاع الكاتب/المخرج كريستوفر ماكواري أن ينجز مهمة مستحيلة في "السقطة" (2018)، بحيث ربما يكون الفيلم ـ كما تم في الدعاية والإعلان له ـ آخر أفلام السلسلة، رغم أن نجمها توم كروز لم ينف إمكانية الإقدام على إنتاج وبطولة فيلم سابع إذا نال السادس نجاحا.

لعبت عدة عوامل دورا في نجاح الفيلم الساحق، منها تصوير روب هاردي، ومونتاج إيدي هاملتون، وموسيقا لورن بالف، فضلا عن الحيل الفنية الخارقة في تصوير المشاهد الأخيرة لسقوط طائرتي هيلوكوبتر في جرف صخري شاهق في أحد جبال كشمير.

من العوامل الأخرى للنجاح إجادة التمثيل بشكل تفوق فيه الممثلون على أنفسهم في الأفلام السابقة، ومنهم ربيكا فيرغسون، ميشيل مونغاهان، إلك بولدوين، شون هاريس (في دور الإرهابي لين)، فانيسا كيري (في دور الأرملة البيضاء)، فضلا عن مشاركة النجم هنري كافيل في دور محوري خصما لتوم كروز.

لا شك أن فيلم "مهمة مستحيلة: السقطة" نجح في تجنب سقوط هذه السلسلة من الأفلام

​​يعزا نجاح الفيلم السادس من سلسلة "مهمة مستحيلة" قبل كل شيء إلى القصة والسيناريو، اللذين أبدعهما شخص واحد هو مخرج الفيلم نفسه، صاحب التاريخ الحافل في كتابة سيناريوهات "المشبوهون المعتادون"، "المومياء"، "حافة الغد"، "جاك ريشر"، "السائح"، ونلاحظ أن توم كروز لعب بطولة عدد كبير منها. النقطة الأخرى هي هضم الكاتب/المخرج لعناصر وصفة سلسلة "مهمة مستحيلة"، وتطويرها لتصل إلى أقصى فعاليتها.

أول تلك العناصر هو زيادة حجم الخطر. هذه المرة تضاعفت الخطورة لتصل إلى احتمال تفجير ثلاثة رؤوس نووية في منطقة كشمير بحيث تغرق العالم بالمياه وتفني ثلث سكانه. تلك كارثة تفوق مخاطر الأجزاء السابقة، بل تماثل ما ابتدعه خيال المؤلف الشهير دان براون في "الجحيم" عن وباء يفتك بعدد وفير من سكان العالم. بالتالي، أدرك الكاتب أن خطر الإرهاب هو أكبر خطر مثير للبشرية في عصر فاق فيه الشر خيال الإنسان العادي.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا كان إرنست همنغواي ليفعل في زماننا؟

أما النقطة الثانية التي دأبت أفلام سلسلة "مهمة مستحيلة" من قبل على استخدامها، فهي وجود اختراق أو خيانة ضمن جهاز الاستخبارات الوطني، سواء الأميركي أو البريطاني، وهو أمر وصل هنا إلى الذروة مع قاتل محترف يريد توريط إيثان هانت زورا وبهتانا بتواطؤ مع زعيم إرهابي أبيض يحمل شيئا من ملامح أسامة بن لادن، وضعته الحبكة في كشمير ليقوم بالحركة المدمرة الأخيرة لولا بطولة إيثان هانت الخارقة التي تحبس الأنفاس، علما بأن توم كروز معروف بقيامه بأداء المخاطرات دون الاستعانة ببديل، مما أدى إلى إصابته برضوض والتواء في الكاحل.

ختاما، لا شك أن فيلم "مهمة مستحيلة: السقطة" نجح في تجنب سقوط هذه السلسلة من الأفلام، وفي تحديثها لتلائم العصر وترضي ذوق جمهوره الذي يتابع كل يوم عبر نشرات الأخبار جرائم إرهاب وإبادة جماعية تبعث القشعريرة في الجسد.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!