خلال تشييع لأحد رجال وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في اشتباك مع مجموعة مسلحة في الأردن
خلال تشييع لأحد رجال وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في اشتباك مع مجموعة مسلحة في الأردن

بقلم مالك العثامنة/

كان تزامن المواعيد مصادفة محملة بالمفارقات نهار الأحد، حين بدأت نهاري بزيارة صباحية إلى منزل الأستاذ عدنان أبو عودة، بناء على طلب كريم منه، ليكون الموعد التالي جلسة مغلقة حضرتها "مدعوا أيضا" مع الأمير حسن بن طلال، ولي عهد الملك الراحل حسين بن طلال لأكثر من ثلاثين سنة قبل عزله في الأيام الأخيرة للملك الراحل.

في لحظة ما، فكرت بدلالات الجلستين، فوجدتني في زيارة "تاريخية" إلى الدولة الأردنية في عهد مضى، أغلب رجاله ورموزه (من تبقى منهم على قيد الحياة) لا يخفون احتجاجهم على كل ما يحدث، وبالمطلق (طبعا مع استثناء من تم إعادة إنتاجهم ليعبروا نحو العهد الجديد رجال دولة فيه).

معركة حسم قادمة ربما يكون ملمحها الأوضح بين دولة مدنية وتيار محافظ متشظ بحد ذاته

​​كان نهارا ملتهبا في صيف عمان الساخن أصلا. فعلى خلفية ذلك النهار كان الأردن يضج بتداعيات محاولة إرهابية جديدة ضربت مدينة الفحيص الأردنية (وهي مدينة ذات أغلبية مسيحية)، ليتبعها عمليات أمنية في مدينة السلط الجبلية، أسفرت عن اشتباكات مع خلايا إرهابية تفاجأ الأمن الأردني بجاهزيتها العالية فخسر من صفوفه في المعركة الدموية أفرادا ذهبوا ضحية ذلك الإرهاب الكامن في الأردن يتربص الفرصة للتخريب.

في كل أجواء الاستنفار الأمني تلك، كان عدنان أبو عودة يحدثني، بذاكرة "ثمانينية" متقدة وحادة، عن تفاصيل فيها مقارنات ومقاربات لأحداث سياسية في عهد الملك الراحل حسين. لم يكن الحديث كله مجرد سرد ذكريات، بقدر ما كان التفاتة ذكية من سياسي أردني معتق، بحديث بين سطوره مقارنات عن "مرجعية" واحدة للدولة الأردنية مقابل "مرجعيات" متعددة ومتصارعة على المصالح في الدولة الأردنية اليوم!

اقرأ للكاتب أيضا: الملك عاد.. حقا عاد

الحديث "الممتع والذكي" مع واحد من أقدم رجال الملك الراحل، أدركه الوقت لأنتقل إلى منتدى الفكر العربي، في لقاء محدود العدد واسع الوقت مع الأمير حسن بن طلال، وقد تم تنبيهنا بتهذيب شديد بأن الأمير لن يتطرق للحديث عن "الأحداث المؤسفة" التي تجري في الأردن اليوم.

حديث الأمير كان عميقا فكريا، وقد حلق بالحاضرين في آفاق بعيدة عن المشهد المحلي الراهن، لكنه لم يخل من تعريجات محددة استذكر فيها الأمير شيئا من الدولة "الراحلة"، منتقدا بدبلوماسية شديدة التحفظ كثيرا من سياسات الدولة الأردنية اليوم.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

حديث الذاكرة عن الدولة (التي كانت)، كان مهما لي لأحاول لملمة شيء من المنطق في ظل كل هذا التشظي في الدولة الأردنية.

وكان ملاحظا الهجوم الخالي من أي برنامج إصلاحي أو نقد موضوعي ومستهدفا مطالبي الإصلاح على مختلف رؤاهم المتنوعة، ولم تتأخر موجات الهجمة في الصحف والمواقع الأردنية المدعومة من الطرف المتضرر. ولن يعجز أي إعلامي أردني أو متخصص بالإعلام الأردني أن يكتشف خلفيات تلك المواقع والصحف المرتبطة بشكل أو بآخر بالتعليمات الأمنية، ومن بينها مقال لكاتب حاول فيه النيل من "الأجندة الوطنية" مثلا، وهي الأجندة المتطابقة بالمحتوى مع الورقة السادسة من الأوراق النقاشية للملك عبدالله الثاني، وهي ذاتها أيضا الأجندة التي كلف الملك عام 2006 نخبة من رجال الدولة لصياغتها ضمن لجنة ملكية أنجزت عملها وتم وضع الأجندة على الرف بعد ذلك!

استذكر الكاتب حكاية أتخمها بمعلومات في غالبيتها صحيحة حدثت مجرياتها في البحر الميت (حيث ذكر أن اللجنة اجتمعت هناك بمعية فريق علاقات عامة لبناني)، لكن المشكلة الوحيدة في مقاله الناقد والمعلوماتي والسردي، أن كل ما جرى وكتب عنه كان يتعلق باجتماعات هيئة أخرى، هي هيئة شباب "كلنا الأردن"، المؤسسة الغريبة والعجيبة التي أنتجها فريق "الليبراليين الجدد" في عهد الملك عبدالله وبدعم منه وفي ذلك تتسع المفارقات، وقد وصف البعض هذه الهيئة بتشكيل "طلائع البعث" لكن دون أيدولوجيا حقيقية أو فكر جاد في حشوته. وهي أحد أهم إنجازات عهد الدكتور باسم عوض الله في رؤيته للدولة الخالية من أي برنامج إصلاح حقيقي!

وفي سياق ذات الحملة على مطالبي الإصلاح، هاجم وزير وسياسي أردني مثلا فكرة الدولة المدنية والإصلاح بنقد شرس ربط فيه تلك المطالبات بأجندات خارجية ومراكز بحث أميركية! موسعا فكرة الهجوم إلى إدانة المطالبين بالدولة المدنية بـ"تهمة" التعامل الخارجي (وهي تهمة سهلة ومجانية ومتاحة في بلد معجون بالإشاعات الملفقة)، وهو الوزير ذاته الذي خرج من حكومة الدكتور هاني الملقي بكتاب طبي حكومي يثبت عجزه الطبي الجسيم، لغاية الحصول على راتب تقاعدي إضافي من غير وجه حق!

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ليس من السهل تفكيك القوى المتصارعة في المشهد السياسي الأردني. التشظيات مستمرة في حالة تداعيات متتابعة تنبئ بوضوح عن معركة حسم قادمة ربما يكون ملمحها الأوضح بين دولة مدنية (متعددة الرؤى حتى الآن)، وتيار محافظ متشظ بحد ذاته.

التصفيات المستمرة مؤجلة إلى حين انتهاء تداعيات الحادث الإرهابي، الذي جمع وجدان الأردنيين

​​تتطلب عملية الفرز في هذا التيار المحافظ، تتبع المصالح التي تشكلت في سنوات العشر الماضية، وهو متحالف ضمنيا مع الدولة العميقة التي يديرها المفهوم الأمني، وتيار أكثر خطورة وكمونا يتمثل بقوى شبحية قدمت نفسها ذات تجلي بصفة "الليبراليين الجدد"، لكنها سرعان ما اختفت في مفاصل وجيوب أنشأتها هي نفسها في الدولة ومؤسساتها بدءا من الديوان وليس انتهاء بالهيئات المستقلة.

(تحدثني وزيرة سابقة عن حكاية تتعلق بأحد موظفي الديوان الملكي الذي اتصل بها في أول أيامها في الوزارة، ليعرف نفسه بأنه "نظيرها" في الديوان! واجهته الوزيرة بشجاعة حين صدت محاولاته للتدخل في شؤون وزارتها، التي لم تدم طويلا بواقع الحال، مشيرة له في حوارها المقتضب معه على الهاتف بأنه لو كان هو المطلوب لإدارة الوزارة فلماذا لم يتم استدعاؤه لأداء القسم الدستوري أمام الملك؟).

اقرأ للكاتب أيضا: المملكة بين شاشتين..

التصفيات المستمرة، مؤجلة الآن إلى حين انتهاء تداعيات الحادث الإرهابي، والذي جمع وجدان الأردنيين، وقدم خدمة مجانية في توفير متنفس من الوقت للتموضع في معركة وشيكة تحاول فيها جميع الأطراف خطف الملك إلى معسكرها.. مع أن الملك الأردني وخلال سنوات مضت قد أرسل إشارات عديدة تتعلق برؤيته المتعلقة بدولة المؤسسات، وهي الرؤية التي تطرق لها بحسم ووضوح في ورقته السادسة من أوراق نقاشية طرحها للنقاش. لكن سرعان ما تم ابتلاع صد هذه الورقة في تفاصيل الحياة اليومية ببراعة من قبل كل متضرر من الإصلاح في دولة تقف على مفترق طرق بين وضع راهن لا يحتمل أي بديل، أو الخروج بدولة مؤسسات وقانون يحكمها دستور، تحاول حكومة عمر الرزاز أن تعيد صياغته بشكل غير مباشر عبر طرح فكرة "العقد الاجتماعي" في بلد لم ينتج بعد نماذج لوك أو هوبز أو روسو للحديث عن "عقد اجتماعي"، وقد فتت سياسيوه فكرة مونتسكيو كلها في فصل السلطات بدمجها وخلطها بوصفة عجيبة لا تحدث إلا في الأردن فقط.

تنويه على ضفاف السياق كله:

حاول كاتب المقال التواصل المباشر مع رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز لطرح أسئلة قد تكون في إجاباتها قيمة مضافة للمقال، ورغم كل الرسائل المباشرة الموجهة لرئيس الحكومة عبر هاتفه النقال إلا أن الطلب قوبل بالصمت.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.