أسعى لإيجاد مخرج لأصحاب البشرة السوداء الذين يتعرضون للتمييز بسبب ألوانهم
أسعى لإيجاد مخرج لأصحاب البشرة السوداء الذين يتعرضون للتمييز بسبب ألوانهم

بقلم منصور الحاج/

في الجزء الأول من هذا المقال تحدثت عن ضرورة أن يتصدى السود في العالم العربي للتمييز الممنهج ضدهم؛ واقترحت البدء بالتعرف على أنفسهم واحترام تراثهم وقراءة تاريخهم والاعتزاز بلون بشرتهم ونوعية الشعر الذي يغطي رؤوسهم وشكل أنوفهم والتوقف عن محاولة إنكار أن ألوانهم لا تلعب دورا بارزا في كل تفاصيل حياتهم اليومية، وتحدد مسار حياتهم وسقف طموحاتهم. وتطرقت أيضا إلى ظاهرة "الانسلاخ" من الهوية السوداء ومحاولات الانتماء إلى هويات أخرى وتقبل الظلم والاضطهاد والسعي الحثيث من أجل "تبييض" النسل.

ولكن قبل أن أفصّل الحديث في الموضوع وأتعمق في تفكيك أهمية تبني أصحاب البشرة السوداء لهذا الطرح، فوجئت بمقال للزميل حسن منيمنة، الذي يعترف بالعنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء لكنه يرى أن الحل لا يكمن في تمسك السود بالوعي العرقي بقدر الحاجة إلى رفع الوعي الحقوقي للجميع والعمل على مواجهة "كافة أشكال التمييز والسعي إلى تأسيس ثقافة الاعتزاز بالاختلاف".

سأواصل تأصيل خيار التمسك بالهوية اللونية وقلب الطاولة على العنصريين

​​مع احترامي البالغ للزميل حسن منيمنة، إلا أنني اختلف معه وأرى أنه مجانب للصواب في هذه النقطة لعدة أسباب، أهمها أن تأسيس ثقافة الاعتزاز بالاختلاف تقتضي أن تدرك الشرائح المكونة لأي مجتمع أن عليها أولا الاقتناع أن أولئك الذين يُعتبرون ـ بحسب الثقافة السائدة ـ أقل شأنا وأدنى منزلة ليسوا كذلك، وهذا أمر لن يتحقق ما لم تعمل الأقليات بوعي على إبراز اعتزازها بأصلها العرقي وتاريخها وتراثها وكل ما رسخته الثقافة الجمعية واعتبرته بمثابة عيب أو منقصة.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية

أتفق مع الزميل حسن أن واقع السود في العالم العربي يختلف تماما عن واقع الأميركيين من أصول أفريقية في الولايات المتحدة، وأن تجربتهم لا يجب أن تستنسخ نسبة لاختلاف الظروف والملابسات وتعدد الهويات. في الواقع، أنا لا أطالب بإعادة تطبيق التجربة الأميركية في العالم العربي بقدر ما أحاول التأسيس لثقافة جديدة تقوم على تصحيح مفاهيم تاريخية مغلوطة نشأ عليها السود في ما يتعلق بلون بشرتهم وتراثهم، الأمر الذي أوصلهم لهذا الواقع المزري بحيث باتوا يرون أن السبيل الوحيد لارتقائهم في السلم الاجتماعي يكمن في تماهيهم في هويات أخرى والتخلص من لون بشرتهم باستخدام مساحيق "التجميل" أو "التبييض" التدريجي عن طريق التناسل مع أصحاب البشرة البيضاء وهو ما بات يعرف بـ"تحسين النسل".

وبعكس ما افترضه الزميل حسن عن المعيار المحدد للسواد واستحالة إيجاد مقياس علمي للحد الفاصل بين السواد والبياض، فإن ما أطرحه لا يتعلق بدرجة لون البشرة بقدر ما يهتم بالحالة النفسية والمعنوية للأفراد بغض النظر عن درجة اللون. فكل من يواجه عنصرية وتمييز بسبب لون البشرة بإمكانه تغيير واقعه عن طريق الاعتزاز بلون البشرة بدلا من السعي الحثيث لإنكار الواقع عبر الاستماتة في الالتصاق بهويات أخرى.

لون البشرة الذي يعتبره الآخرون منقصة فيهم هو عامل قوة بإمكانهم استغلاله والافتخار

​​أسعى، ببساطة، لإيجاد مخرج لأصحاب البشرة السوداء الذين يتعرضون للتمييز بسبب ألوانهم، والتأكيد على أن ليس هناك ما يعيب في البشرة الداكنة، وأن هناك تاريخا مشرفا للسود يمكنهم الاستناد عليه وهوية يمكنهم الانتماء إليها وتراثا غنيا يجب عليهم التعرف عليه والافتخار به.

إن تعدد الهويات في العالم العربي الذي تطرق إليه الزميل حسن هو أمر إيجابي بل ومهم أيضا، حيث أنه يقدم للسود مخارج إضافية، إلا أن الإشكال يكمن في أن السود عادة يلجؤون إلى تلك الهويات هربا من ألوان بشرتهم وما يتعرضون له بسبب ذلك، بل إن السود أنفسهم الذين ينتمون إلى هويات أخرى يمارسون نفس العنصرية على أشباههم السود الذين لا ينتمون لنفس الهوية القبلية أو لا يحظون بنفس المكانة الاجتماعية.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة في الجدل بشأن هوية لاعبي منتخب فرنسا

لا أسعى إلى تأصيل العصبية كما فهم الزميل حسن، وإنما كما ذكرت سابقا أسعى إلى تذكيرهم بأن لون البشرة الذي يعتبره الآخرون منقصة فيهم هو عامل قوة بإمكانهم استغلاله والافتخار به وتنشئة أبنائهم على ثقافة لطالما تم تجاهلها بل واحتقارها والتقليل من شأنها.

في المقالات القادمة، سأواصل تأصيل خيار التمسك بالهوية اللونية وقلب الطاولة على العنصريين وفتح كوة ليعرف السود من خلالها أنهم رقم مهم في التاريخ الإنساني والحضارة البشرية، وهو ما ينبغي لكل من يتعرض للتمييز بسبب لون البشرة استلهامه واستحضاره والفخر به وليس التبرؤ منه ومحاولة التخلص منه.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!