إن التدخل السافر لرجال الدين في أمور علمية لا يفقهون فيها يعكس حالة الغيبوبة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية
إن التدخل السافر لرجال الدين في أمور علمية لا يفقهون فيها يعكس حالة الغيبوبة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية

بقلم بابكر فيصل بابكر/

أصدر عميد معهد إعداد الأئمة والدعاة بجامعة القرآن الكريم السودانية ناجي مصطفى بدوي، مؤخرا فتوى بحرمة تناول السكر شرعا، معللا ذلك بقوله: "طالما أثبتت الأبحاث العلمية أن ضرره أكبر من نفعه فهو حرام كالخمر وغيره مما فيه ضرر أكبر من النفع".

وقال بدوي في فتواه إن نسبة 20 بالمئة من السودانيين مصابون بداء السكري الذي يسبب لهم أمراض الكلى والنوبات القلبية، مشيرا إلى أن تكلفة علاج 6 ملايين مريض عالية جدا ويدفعها المواطن والحكومة.

وأوضح ناجي أن مزارع قصب السكر في السودان تشغل مساحة قدرها 140 ألف هكتار في أفضل مناطق الري بالغمر إلى جانب استهلاكها أكثر من نصف مياه الري بالسودان لافتا إلى أن السودان ينتج 800 ألف طن من السكر ويستورد 400 ألف طن في العام وأن جملة الاستهلاك السنوي يبلغ مليون و200 ألف طن.

تأهيل رجل الدين في نهاية المطاف محدود ولا يجعله متخصصا في جميع المعارف والعلوم وبالتالي فإنه غير مؤهل للإفتاء في كل شيء

​​ازدادت في الآونة الأخيرة مساحات إصدار الفتاوى من قبل رجال الدين لخدمة أغراض متعددة يجيء في مقدمتها الأجندة السياسية لهؤلاء الشيوخ والتيارات التي ينتمون إليها. كذلك لا يخلو موضوع إصدار الفتاوى من السعي لتحقيق مكاسب شخصية من بينها الشهرة والتوظيف في أجهزة الإعلام ومراكمة الثروات عبر المشاريع التجارية.

وقد أدى الارتفاع الكبير في أعداد شيوخ الدين المتعهدين إصدار الفتاوى، بالإضافة إلى عدم وجود ضوابط ومعايير تحكم نوع الفتاوى والأشخاص المؤهلين لإصدارها، إلى حدوث حالة من الفوضى والتضارب. جعلت هذه الحالة هؤلاء الشيوخ يتجرؤون على تناول جميع المجالات الخارجة عن نطاق معرفتهم بما في ذلك التخصصات العلمية الدقيقة ومنها علوم التغذية والطب مدار الفتوى التي نتناولها في هذا المقال.

اقرأ للكاتب أيضا: الإخوان المسلمون والعنف: حسن البنا وسيد قطب وجهان لعملة واحدة (2)

ومن أمثلة ذلك، صدرت قبل سنوات قليلة فتاوى في باكستان وأفغانستان ونيجيريا بتحريم التطعيم ضد شلل الأطفال بدعوى أنه لقاح أميركي يستهدف تعقيم الأطفال جنسيا وقطع نسل المسلمين، وهو الأمر الذي حدا بشيخ الأزهر أحمد الطيب إلى نفي هذه الفتاوى والقول إنه لا يوجد ما يعضدها في الدين الإسلامي، وأكد على أن إعطاء لقاح شلل الأطفال سينقذ أطفال الأمة الإسلامية من مصير مؤلم.

من الناحية العلمية، يقول الأطباء المتخصصون إنه لا توجد علاقة سببية مباشرة بين تناول السكر الأبيض والإصابة بمرض السكري، ولكن الإفراط في تناول السكر يجهد البنكرياس ويمهد الطريق للبدانة التي ‫تعزز بدورها من الإصابة بالسكري. ويؤكد الأطباء أن أهم أسباب الإصابة بالمرض تتمثل في ‫البدانة وقلة ممارسة الأنشطة الحركية.

وكذلك يقول الأطباء إن الوقاية من السكري تأتي من ‫خلال إنقاص الوزن وممارسة الأنشطة الحركية بمعدل نصف ساعة يوميا على ‫الأقل، إلى جانب الاهتمام بالتغذية الصحية، مثل الإقلال ـ وليس الوقف الكامل ـ من تعاطي الدهون المشبعة والسكر والإكثار من الألياف الغذائية.

من المؤكد أن الإفراط في تناول الأطعمة يضر بصحة الإنسان، ولكن هذا لا يعني تحريم أكل تلك الأغذية بصورة قاطعة. ومبدأ الإفراط هذا ليس قاصرا على المأكولات، ولكنه يمتد للكثير من الأشياء ومنها على سبيل المثال الدواء؛ فالطبيب عادة ما يوجه المريض بأخذ جرعات بعينها، ولكن إذا تناول المريض جرعات أكبر فإنها قد تكون سببا مباشرا في موته، فهل يدفعنا ذلك لتحريم الدواء بدعوى أنه يسبب الموت؟

موجة التدين الشكلي الكاسحة التي اجتاحت البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة كانت السبب في التراجع الكبير في أمور الدين

​​ويبدو جليا أن أمر هذه الفتوى العجيبة لن يقتصر فقط على تحريم تناول السكر، إذ أن القياس الفاسد بالخمر الذي بنى عليه الرجل فتواه سيترتب عليه بالضرورة المطالبة بوقف زراعة قصب السكر وتعطيل جميع المصانع التي تقوم بإنتاجه وإغلاق شركات السكر وتسريح آلاف العاملين بها، ذلك لأن لعنة الله في قضية الخمر عند الكثيرين لا تقتصر على الذين يتعاطونها بل تشمل عاصرها وصانعها وحاملها إلخ.

إن التدخل السافر لرجال الدين في أمور علمية لا يفقهون فيها شيئا يعكس حالة الغيبوبة والجمود العام التي تعيش فيها المجتمعات الإسلامية، وهي الحالة التي سمحت بتمدد هؤلاء الشيوخ في جميع نواحي الحياة الخاصة والعامة، ومختلف الشؤون الاجتماعية بحجة أن الدين ينظم كل شؤون الحياة، وهذا كلام ساذج لأن تأهيل رجل الدين في نهاية المطاف محدود ولا يجعله متخصصا في جميع المعارف والعلوم وبالتالي فإنه غير مؤهل للإفتاء في كل شيء.

اقرأ للكاتب أيضا: الإخوان المسلمون والعنف: حسن البنا وسيد قطب وجهان لعملة واحدة (1)

قد كان بإمكان هذا الرجل أن يدعو أهل السودان للإقلال من تعاطي مادة السكر بحسبان أن له مضار على جسم الإنسان، وهي دعوة تجد القبول من الأطباء والمتخصصين وعامة الناس، ولكن ربطه الموضوع بالحلال والحرام وقياسه الفاسد بقضية تعاطي الخمر أدخله في خانة فرض الوصاية على الناس باسم الدين.

عرف السودان منذ أمد بعيد شخصية "مفتي الديار"، وقد كان ذلك المفتي يؤدي دوره في هدوء وحكمة وعلم وتقوى من دون أن يتدخل في الشؤون العلمية أو السياسية بهذه الطريقة السافرة التي نشهدها من الدعاة والوعاظ اليوم. وما كان كذلك يسعى لإصدار الفتاوى بمناسبة وبغير مناسبة وفي جميع تفاصيل الحياة كما يحدث حاليا، ولكن يبدو أن موجة التدين الشكلي الكاسحة التي اجتاحت البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة كانت السبب في التراجع الكبير في أمور الدين ومن بينها الفوضى التي ضربت بأطنابها في موضوع الفتوى!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!