اعتصام لمعارضي عقوبة الإعدام في إيران خلال زيارة الرئيس الإيراني لباريس
اعتصام لمعارضي عقوبة الإعدام في إيران خلال زيارة الرئيس الإيراني لباريس

بقلم د. عماد بوظو/

في الثامن من شهر آب/أغسطس الحالي تم تنفيذ حد الحرابة في مكة المكرمة بحق مقيم مياناماري الجنسية وذلك بقتله وصلبه بعد إدانته باقتحام منزل سيدة وقتلها وسلب ذهبها وبيعه. يعتمد هذا النوع من الأحكام على الآية 33 من سورة المائدة "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".

يستند أغلب فقهاء المسلمين على هذه الآية للإصرار على أن العقوبة المقصودة بتطبيق حد الحرابة حتى اليوم هي القتل، رغم أن الآية توحي بأن المقصود منها تحديدا محاربة الرسول خلال فترة حياته، ورغم أنها تتضمن خيارا آخر هو النفي من الأرض والذي من الممكن تأويله في العقوبات الحديثة بحكم السجن، ومع أنها متبوعة بالآية 34 "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم".

انتشرت بكثرة خلال السنوات الأخيرة أخبار حد الحرابة نتيجة تنفيذ تنظيم "داعش" وأمثاله من التنظيمات الإرهابية لعشرات عمليات الإعدام تحت عنوان تطبيق هذا الحد، مع أن المعنى التاريخي حول المقصود بهذه الآية من سورة المائدة هو من يقوم بتشكيل مجموعة مسلحة تقوم بعمليات القتل والسرقة والنهب وسفك الدماء وسبي النساء وقطع الطريق وهذه النوعية من الجرائم التي كانت شائعة قبل مجيء الإسلام واستمرت بعده. وقد وضعت مجموعة من الشروط التي يجب توفرها حتى تشمل بحد الحرابة وهي أن يكون المتهمون مجموعة مسلحة وأن يعلنوا للملأ تمردهم وعصيانهم. وكما هو واضح من هذه الشروط فإنها أول ما تنطبق على هذه التنظيمات الإرهابية أمثال "داعش" و"القاعدة" دون غيرها.

تحتل إيران المرتبة الثانية عالميا في عدد الإعدامات بعد الصين، والمرتبة الأولى بعدد الإعدامات نسبة لعدد السكان

​​اختلف فقهاء المسلمين سابقا في كيفية وترتيب تنفيذ هذا الحد؛ فقال الشافعية والحنابلة وبعض أتباع المذاهب الأخرى بأن يقتل من ينفذ فيه حد الحرابة ثم يصلب، ولا يصلب حيا لأنه من التعذيب غير المشروع. بينما قال الحنفية والمالكية إنه يصلب حيا ثم يقتل وهو مصلوب بطعنه بحربة، قال الكاساني الحنفي: "روي عن أبو يوسف أنه يصلب حيا ثم يطعن بحربة حتى يموت"، وذكر الكرخي ذلك.

ويقول الدردير المالكي ثم يقتله مصلوبا أو يصلب مدة ثم ينزل فيقتل بعد نزوله. وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف: "يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا لأن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي وليس الميت ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه وهذا لا يجوز".

اقرأ للكاتب أيضا: مشاهدات شخصية وتساؤلات بعد أربعين عاما من اتفاقية كامب ديفيد

كما اختلف هؤلاء الفقهاء حول مدة صلبه وقال الشافعي يصلب ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة، ولكن إذا كان الجو حارا يمكن تخفيض المدة خشية من أذى المسلمين من منظره ورائحته. ونتيجة هذه الخلافات بين فقهاء المسلمين فقد تركوا الأمر للإمام أي الحاكم لكي يختار بين صلبه ثم قتله أو العكس وتحديد مدة الصلب حسب ما يراه مصلحة للمسلمين، وخلال السنوات الأخيرة تنفذ هذه الأحكام بالقتل أولا ثم الصلب العلني ليوم واحد.

يعيد هذا الموضوع طرح قضية العقوبات في الإسلام والتي أصطلح على تسميتها بالحدود، والتي تشمل الرجم والقتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل والجلد والتي لا يزال يتمسك كثير من المسلمين بتطبيقها الحرفي رغم أن هذه العقوبات سابقة للإسلام وجميع الديانات السماوية.

فالصلب هو وسيلة تعذيب وإعدام قديمة يربط فيها المحكوم على صليب خشبي كبير أو يدق بالمسامير ويترك حتى يموت، وقد انتشرت هذه العقوبة عند إمبراطوريات السلوقيين والقرطاجيين والرومان من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي حين منعها الإمبراطور الروماني قسطنطين احتراما للمسيح. كذلك كانت عقوبة الرجم شائعة في الحضارات القديمة وقد ذكرت بتفصيل كبير في عدة إصحاحات من سفر التثنية في التوراة كعقوبة للزنا أو عبادة آلهة أخرى، وكذلك كان قطع اليد عقوبة سابقة للإسلام.

استبدلت دول العالم قوانينها القديمة للعقوبات بقوانين مدنية عصرية يتم فيها احترام الإنسان ولا تتضمن في نصوصها أي تعذيب أو تشويه لجسمه، وتقتصر العقوبات فيها على السجن لفترات تتناسب طردا مع خطورة الجريمة المرتكبة. وتم تحسين ظروف الإقامة داخل السجون بحيث تؤمن للسجين ظروف حياة مقبولة.

وألغت 141 دولة عقوبة الإعدام وحتى الدول التي لا تزال تنفذ هذه العقوبة فإنها تعتمد على وسائل تكون قدر الإمكان غير مؤلمة في تنفيذها مثل الحقنة السامة بعد التخدير، باستثناء عدد محدود من الدول بينها تلك التي تقول إنها تطبق الشريعة الإسلامية في أحكامها وهي إيران والسودان والسعودية وموريتانيا ومناطق في أفغانستان خاصة الخاضعة لسيطرة حركة طالبان، وفي الجزء الخاضع لحكم حركة الشباب في الصومال أو أي منطقة في العالم تقع تحت سيطرة التنظيمات الإسلامية المتطرفة على نمط "القاعدة"، ففي هذه المناطق وبدرجات متفاوتة يتم تطبيق ما يقولون إنها حدود الله.

تحتل إيران المرتبة الثانية عالميا في عدد الإعدامات بعد الصين، والمرتبة الأولى بعدد الإعدامات نسبة لعدد السكان، وتشكل لوحدها نسبة 66 في المئة من عمليات الإعدام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبحسب "منظمة العفو الدولية" نفذت إيران في الأشهر السبعة الأولى من عام 2015 (بداية 2015 حتى 15 يوليو/تموز) حكم الإعدام بحق 694 شخصا، أي بمعدل أكثر من ثلاثة أشخاص يوميا. تقول الحكومة الإيرانية إن أغلبهم متهمون بجرائم تتعلق بالمخدرات، ولكن التقرير العالمي لمنظمة حقوق الإنسان لعام 2017 قال إن القانون الإيراني يعاقب عدة جرائم غير عنيفة بالإعدام مثل إهانة الرسول والردة والجنس المثلي والزنا. وباستثناء الصين فإن 87 في المئة من الإعدامات التي حصلت عام 2016 في العالم كانت في إيران والسعودية والعراق وباكستان، ومن اللافت أنها جميعها بلدان إسلامية.

في الوقت الذي تسير فيه البشرية نحو المزيد من احترام حياة الإنسان وكرامته، وتطورت القوانين الدولية بما فيها قانون العقوبات بحيث تخلت المجتمعات والدول عن إرثها التاريخي اللاإنساني والوحشي، لا تزال بعض الدول باسم الإسلام وتطبيق الشريعة تطبق عقوبات هدفها الانتقام من المذنب وليس العمل على إصلاحه. وباب التوبة، المفتوح في القرآن على مصراعيه لكل الخاطئين بما فيهم المتهمون بحد الحرابة، أي الذين يقاتلون الله ورسوله، أغلقه حراس الشريعة هؤلاء واختلفوا في ما بينهم فقط على طريقة التعذيب والقتل، ووسعوا مفهوم حد الحرابة ليشمل جرائم أخرى لا علاقة لها بمحاربة الله ورسوله مثل جرائم القتل أو السرقة العادية.

وفي إيران، مثلا، حيث يختلط الديني بالسياسي، فمعارضة النظام الديني قد تعني الردة. فعندما قامت إيران مثلا بإعدام عشرات من الأقلية الكردية عام 2016 لأسباب سياسية كانت تهمتهم الرسمية التي أعدموا على أساسها "محاربة الله والإفساد في الأرض".

لا بديل عن قراءة جديدة وعصرية للحدود في الإسلام

​​هناك جانب في موضوع تطبيق الحدود لا ينال ما يستحقه عند الجهات التي تقول إنها تطبق الشريعة الإسلامية وهو العلنية. ففي القوانين الحديثة، لا يتعرض الإنسان مهما كانت جريمته كبيرة إلى أي إهانة أو امتهان لكرامته أمام الناس فسجنه معزول عن العالم الخارجي وحتى عمليات الإعدام في البلدان التي لا تزال تطبق هذه العقوبة، فإنها تتم في السجون وفي الغرف المغلقة وبعدد محدود ومختار من الشهود. أما في الأنظمة التي تقول إنها تطبق شرع الله فالأمر مختلف تماما، فمن تقاليد عمليات الإعدام في إيران أنها تتم شنقا وسط جمهور كبير من الناس على الرافعات العالية لتتم مشاهدتها من أبعد مسافة ممكنة ولا هدف لذلك سوى زرع الرعب في قلوب الأهالي والسكان حتى لا يخطر على بال أحدهم التطاول على السلطات السياسية والدينية.

اقرأ للكاتب أيضا: تطهير شخصيات التراث الإسلامي من الخطايا، رابعة العدوية مثالا 

وعلى نفس هذا الأسلوب العلني تمارس التنظيمات الإرهابية التي تقول إنها تطبق الإسلام عقوباتها بطرق مختلفة، من الرجم إلى قطع الرأس والرمي من مكان مرتفع أو الجلد، في الساحات العامة وبعد جمع أكبر عدد ممكن من الجمهور لأن هذه العلنية تهدف إلى التذكير بأن لهذه التنظيمات سلطة تمتلك الحق في معاقبة من تراه مذنبا.

أما في السعودية فقد جرت العادة منذ عقود طويلة على إجراء عمليات الإعدام في ساحات عامة في وقت احتشاد الناس بعد الصلاة. ويقول أحد المهتمين بأمور الشرق الأوسط: إن مشاهدة عمليات الإعدام هذه يعتبر عند بعض الأشخاص أحد وسائل الترفيه مثل مشاهدة مباريات كرة القدم.

لم يعد موضوع قانون العقوبات أو حقوق الإنسان قضية وطنية داخلية يمكن التذرع بمبدأ سيادة الدول للاستمرار في ممارسات تدل على السير عكس حركة التاريخ. ولا يمكن للدول مهما كانت كبيرة أو غنية تجاهل مواقف المنظمات الدولية التي يزداد تأثيرها على الرأي العام يوما بعد يوم. وبات من الضروري تغيير وتطوير قوانين العقوبات بما يتماشى مع روح العصر عاجلا أم آجلا، وقد يحصل ذلك نتيجة عملية إصلاح داخلية أو نتيجة ضغوط خارجية، وفي كلتا الحالتين لا بديل عن قراءة جديدة وعصرية للحدود في الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟