اعتصام لمعارضي عقوبة الإعدام في إيران خلال زيارة الرئيس الإيراني لباريس
اعتصام لمعارضي عقوبة الإعدام في إيران خلال زيارة الرئيس الإيراني لباريس

بقلم د. عماد بوظو/

في الثامن من شهر آب/أغسطس الحالي تم تنفيذ حد الحرابة في مكة المكرمة بحق مقيم مياناماري الجنسية وذلك بقتله وصلبه بعد إدانته باقتحام منزل سيدة وقتلها وسلب ذهبها وبيعه. يعتمد هذا النوع من الأحكام على الآية 33 من سورة المائدة "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".

يستند أغلب فقهاء المسلمين على هذه الآية للإصرار على أن العقوبة المقصودة بتطبيق حد الحرابة حتى اليوم هي القتل، رغم أن الآية توحي بأن المقصود منها تحديدا محاربة الرسول خلال فترة حياته، ورغم أنها تتضمن خيارا آخر هو النفي من الأرض والذي من الممكن تأويله في العقوبات الحديثة بحكم السجن، ومع أنها متبوعة بالآية 34 "إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم".

انتشرت بكثرة خلال السنوات الأخيرة أخبار حد الحرابة نتيجة تنفيذ تنظيم "داعش" وأمثاله من التنظيمات الإرهابية لعشرات عمليات الإعدام تحت عنوان تطبيق هذا الحد، مع أن المعنى التاريخي حول المقصود بهذه الآية من سورة المائدة هو من يقوم بتشكيل مجموعة مسلحة تقوم بعمليات القتل والسرقة والنهب وسفك الدماء وسبي النساء وقطع الطريق وهذه النوعية من الجرائم التي كانت شائعة قبل مجيء الإسلام واستمرت بعده. وقد وضعت مجموعة من الشروط التي يجب توفرها حتى تشمل بحد الحرابة وهي أن يكون المتهمون مجموعة مسلحة وأن يعلنوا للملأ تمردهم وعصيانهم. وكما هو واضح من هذه الشروط فإنها أول ما تنطبق على هذه التنظيمات الإرهابية أمثال "داعش" و"القاعدة" دون غيرها.

تحتل إيران المرتبة الثانية عالميا في عدد الإعدامات بعد الصين، والمرتبة الأولى بعدد الإعدامات نسبة لعدد السكان

​​اختلف فقهاء المسلمين سابقا في كيفية وترتيب تنفيذ هذا الحد؛ فقال الشافعية والحنابلة وبعض أتباع المذاهب الأخرى بأن يقتل من ينفذ فيه حد الحرابة ثم يصلب، ولا يصلب حيا لأنه من التعذيب غير المشروع. بينما قال الحنفية والمالكية إنه يصلب حيا ثم يقتل وهو مصلوب بطعنه بحربة، قال الكاساني الحنفي: "روي عن أبو يوسف أنه يصلب حيا ثم يطعن بحربة حتى يموت"، وذكر الكرخي ذلك.

ويقول الدردير المالكي ثم يقتله مصلوبا أو يصلب مدة ثم ينزل فيقتل بعد نزوله. وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف: "يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا لأن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي وليس الميت ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه وهذا لا يجوز".

اقرأ للكاتب أيضا: مشاهدات شخصية وتساؤلات بعد أربعين عاما من اتفاقية كامب ديفيد

كما اختلف هؤلاء الفقهاء حول مدة صلبه وقال الشافعي يصلب ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة، ولكن إذا كان الجو حارا يمكن تخفيض المدة خشية من أذى المسلمين من منظره ورائحته. ونتيجة هذه الخلافات بين فقهاء المسلمين فقد تركوا الأمر للإمام أي الحاكم لكي يختار بين صلبه ثم قتله أو العكس وتحديد مدة الصلب حسب ما يراه مصلحة للمسلمين، وخلال السنوات الأخيرة تنفذ هذه الأحكام بالقتل أولا ثم الصلب العلني ليوم واحد.

يعيد هذا الموضوع طرح قضية العقوبات في الإسلام والتي أصطلح على تسميتها بالحدود، والتي تشمل الرجم والقتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل والجلد والتي لا يزال يتمسك كثير من المسلمين بتطبيقها الحرفي رغم أن هذه العقوبات سابقة للإسلام وجميع الديانات السماوية.

فالصلب هو وسيلة تعذيب وإعدام قديمة يربط فيها المحكوم على صليب خشبي كبير أو يدق بالمسامير ويترك حتى يموت، وقد انتشرت هذه العقوبة عند إمبراطوريات السلوقيين والقرطاجيين والرومان من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي حين منعها الإمبراطور الروماني قسطنطين احتراما للمسيح. كذلك كانت عقوبة الرجم شائعة في الحضارات القديمة وقد ذكرت بتفصيل كبير في عدة إصحاحات من سفر التثنية في التوراة كعقوبة للزنا أو عبادة آلهة أخرى، وكذلك كان قطع اليد عقوبة سابقة للإسلام.

استبدلت دول العالم قوانينها القديمة للعقوبات بقوانين مدنية عصرية يتم فيها احترام الإنسان ولا تتضمن في نصوصها أي تعذيب أو تشويه لجسمه، وتقتصر العقوبات فيها على السجن لفترات تتناسب طردا مع خطورة الجريمة المرتكبة. وتم تحسين ظروف الإقامة داخل السجون بحيث تؤمن للسجين ظروف حياة مقبولة.

وألغت 141 دولة عقوبة الإعدام وحتى الدول التي لا تزال تنفذ هذه العقوبة فإنها تعتمد على وسائل تكون قدر الإمكان غير مؤلمة في تنفيذها مثل الحقنة السامة بعد التخدير، باستثناء عدد محدود من الدول بينها تلك التي تقول إنها تطبق الشريعة الإسلامية في أحكامها وهي إيران والسودان والسعودية وموريتانيا ومناطق في أفغانستان خاصة الخاضعة لسيطرة حركة طالبان، وفي الجزء الخاضع لحكم حركة الشباب في الصومال أو أي منطقة في العالم تقع تحت سيطرة التنظيمات الإسلامية المتطرفة على نمط "القاعدة"، ففي هذه المناطق وبدرجات متفاوتة يتم تطبيق ما يقولون إنها حدود الله.

تحتل إيران المرتبة الثانية عالميا في عدد الإعدامات بعد الصين، والمرتبة الأولى بعدد الإعدامات نسبة لعدد السكان، وتشكل لوحدها نسبة 66 في المئة من عمليات الإعدام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبحسب "منظمة العفو الدولية" نفذت إيران في الأشهر السبعة الأولى من عام 2015 (بداية 2015 حتى 15 يوليو/تموز) حكم الإعدام بحق 694 شخصا، أي بمعدل أكثر من ثلاثة أشخاص يوميا. تقول الحكومة الإيرانية إن أغلبهم متهمون بجرائم تتعلق بالمخدرات، ولكن التقرير العالمي لمنظمة حقوق الإنسان لعام 2017 قال إن القانون الإيراني يعاقب عدة جرائم غير عنيفة بالإعدام مثل إهانة الرسول والردة والجنس المثلي والزنا. وباستثناء الصين فإن 87 في المئة من الإعدامات التي حصلت عام 2016 في العالم كانت في إيران والسعودية والعراق وباكستان، ومن اللافت أنها جميعها بلدان إسلامية.

في الوقت الذي تسير فيه البشرية نحو المزيد من احترام حياة الإنسان وكرامته، وتطورت القوانين الدولية بما فيها قانون العقوبات بحيث تخلت المجتمعات والدول عن إرثها التاريخي اللاإنساني والوحشي، لا تزال بعض الدول باسم الإسلام وتطبيق الشريعة تطبق عقوبات هدفها الانتقام من المذنب وليس العمل على إصلاحه. وباب التوبة، المفتوح في القرآن على مصراعيه لكل الخاطئين بما فيهم المتهمون بحد الحرابة، أي الذين يقاتلون الله ورسوله، أغلقه حراس الشريعة هؤلاء واختلفوا في ما بينهم فقط على طريقة التعذيب والقتل، ووسعوا مفهوم حد الحرابة ليشمل جرائم أخرى لا علاقة لها بمحاربة الله ورسوله مثل جرائم القتل أو السرقة العادية.

وفي إيران، مثلا، حيث يختلط الديني بالسياسي، فمعارضة النظام الديني قد تعني الردة. فعندما قامت إيران مثلا بإعدام عشرات من الأقلية الكردية عام 2016 لأسباب سياسية كانت تهمتهم الرسمية التي أعدموا على أساسها "محاربة الله والإفساد في الأرض".

لا بديل عن قراءة جديدة وعصرية للحدود في الإسلام

​​هناك جانب في موضوع تطبيق الحدود لا ينال ما يستحقه عند الجهات التي تقول إنها تطبق الشريعة الإسلامية وهو العلنية. ففي القوانين الحديثة، لا يتعرض الإنسان مهما كانت جريمته كبيرة إلى أي إهانة أو امتهان لكرامته أمام الناس فسجنه معزول عن العالم الخارجي وحتى عمليات الإعدام في البلدان التي لا تزال تطبق هذه العقوبة، فإنها تتم في السجون وفي الغرف المغلقة وبعدد محدود ومختار من الشهود. أما في الأنظمة التي تقول إنها تطبق شرع الله فالأمر مختلف تماما، فمن تقاليد عمليات الإعدام في إيران أنها تتم شنقا وسط جمهور كبير من الناس على الرافعات العالية لتتم مشاهدتها من أبعد مسافة ممكنة ولا هدف لذلك سوى زرع الرعب في قلوب الأهالي والسكان حتى لا يخطر على بال أحدهم التطاول على السلطات السياسية والدينية.

اقرأ للكاتب أيضا: تطهير شخصيات التراث الإسلامي من الخطايا، رابعة العدوية مثالا 

وعلى نفس هذا الأسلوب العلني تمارس التنظيمات الإرهابية التي تقول إنها تطبق الإسلام عقوباتها بطرق مختلفة، من الرجم إلى قطع الرأس والرمي من مكان مرتفع أو الجلد، في الساحات العامة وبعد جمع أكبر عدد ممكن من الجمهور لأن هذه العلنية تهدف إلى التذكير بأن لهذه التنظيمات سلطة تمتلك الحق في معاقبة من تراه مذنبا.

أما في السعودية فقد جرت العادة منذ عقود طويلة على إجراء عمليات الإعدام في ساحات عامة في وقت احتشاد الناس بعد الصلاة. ويقول أحد المهتمين بأمور الشرق الأوسط: إن مشاهدة عمليات الإعدام هذه يعتبر عند بعض الأشخاص أحد وسائل الترفيه مثل مشاهدة مباريات كرة القدم.

لم يعد موضوع قانون العقوبات أو حقوق الإنسان قضية وطنية داخلية يمكن التذرع بمبدأ سيادة الدول للاستمرار في ممارسات تدل على السير عكس حركة التاريخ. ولا يمكن للدول مهما كانت كبيرة أو غنية تجاهل مواقف المنظمات الدولية التي يزداد تأثيرها على الرأي العام يوما بعد يوم. وبات من الضروري تغيير وتطوير قوانين العقوبات بما يتماشى مع روح العصر عاجلا أم آجلا، وقد يحصل ذلك نتيجة عملية إصلاح داخلية أو نتيجة ضغوط خارجية، وفي كلتا الحالتين لا بديل عن قراءة جديدة وعصرية للحدود في الإسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.