خلال تشييع لأحد رجال وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في اشتباك مع مجموعة مسلحة في الأردن
خلال تشييع لأحد رجال وحدة مكافحة الإرهاب الذي قتل في اشتباك مع مجموعة مسلحة في الأردن

بقلم داود كتّاب/

يواجه كل شخص في موقع المسؤولية في نشاط عام ثقافي أو ترفيهي تحدي كيفية التصرف بعد وقوع حادث إرهابي يسفر عن ازهاق حياة أفراد من قوى الأمن.

فمن ناحية يميل المسؤول إلى إلغاء أي من مظاهر الفرح والاستمتاع خوفا من النقد اللاذع بأن الجهة المنظمة للحفل لا تحمل أي مشاعر نحو أهل الفقيد، خاصة إذا كان الضحية قد مات دفاعا عن حق وحرية المواطن في الاستمتاع بالحياة العادية والتي تشمل الفرح والترفيه والاستمتاع بالغناء والطرب.

إلا أن هناك رأيا آخر أكثر صعوبة وعلى من يتخذه أن يكون صلب الرأي ومستعدا لتحمل بعض النقد، ويتركز هذا الرأي على ضرورة الاستمرار في الحياة وعدم السماح لمن حاول إرهاب الناس بتحقيق أهدافه.

يجب أن تشمل أي استراتيجية جديدة لمكافحة التطرف الإصرار على ضرورة الاستمرار في الحياة والنشاط والفرح

​​في فلسطين وبعد أربع وعشرين ساعة من قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف مبنى مركز المسحال الثقافي في غزة الخميس 9 آب/أغسطس وتدميره بالكامل، وقفت فرقة من الشبان الفلسطينيين فوق الركام وصدحت بالأغاني الوطنية. والجدير بالذكر أن المركز كان يضم ثاني أكبر مسرح في قطاع غزة.

وفي الفحيص، في الأردن، ورغم وقوع انفجار في محور القرية أدى بحياة رقيب الدرك علي عدنان القوقزة إلا أن إدارة المهرجان وبالتنسيق مع قوى الأمن قررت الاستمرار في الحفل الذي كان يقدمه الفنان التونسي صابر الرباعي.

اقرأ للكاتب أيضا: ضرورة حماية 'الأونروا'

وقد ترحم صابر الرباعي على العنصر الأمني الذي قتل في هذا الانفجار ووجه التعازي لأهله وختم حديثه قائلا: "الحياة يجب أن تستمر رغم المآسي.. إننا شعب يتسم بالتحدي ومواجهة الصعاب ونتحدى العالم بصمودنا بفخر وبعروبتنا وبانتمائنا إلى أوطاننا". وقد صرح في ما بعد مصدر مسؤول في إدارة المهرجان أن "استمرار الحفل كان رسالة للجهات التي نفذت الهجوم الغاشم، بأن رسالة الفرح في الأردن لن تتوقف".

وفي تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قال النائب قيس زيادين "رحم الله الشهيد البطل، والخزي والعار للإرهاب وداعميه بالسر والعلن". وأنهى تصريحه بالقول "نقف صفا واحدا خلف جيشنا وأجهزتنا الأمنية في مواجهه سرطان الإرهاب وأعداء الفرح والحياة".

في الولايات المتحدة وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر دعا الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن الأميركيين بالذهاب مع عائلاتهم إلى الأسواق التجارية وديزني لاند. وبعد التفجير الإرهابي في بوسطن خلال الماراثون قال الرئيس باراك أوباما إن أهم رد على الإرهابين هو الإعلان عن موعد ماراثون العام التالي.

لكن رغم قناعة كثيرين بأهمية الاستمرار في الحياة كأفضل رد على الإرهاب، لا يتحلى عديد من المسؤولين بالثقة والشجاعة الكافية والتي تتطلبها القيادة الحقيقية. فالقائد الحقيقي هو من يدعو إلى ما هو ضروري وليس لما هو مرغوب به عاطفيا.

الرد الأقوى على قوى الظلام هو الإصرار على التنوير وإضاءة شموع الحياة المليئة بالفرح

​​وقد عبر عن هذا الأمر بقوة الكاتب الأردني كامل نصيرات في مقال بصحيفة الدستور الأردنية بعنوان "فلنحاسب أنفسنا لما حدث" جاء فيه: "لماذا يتم إلغاء مهرجان صيف عمان؟ هذا مهرجان للفرح.. والتكفيريون من أهدافهم قتل الفرح.. فلماذا ساهمنا معهم بذلك؟ لماذا جعلناهم ينجحون في ذلك؟ سيقول قائل: تكريما للشهداء.. وأنا أقدم وجهة نظر أخرى؛ تكريم الشهداء يتم بالانتصار على أفكار من قتلوهم.. وإحدى الأفكار هو أن تستمر الحياة".

بعد عام من هجمات العام 2016، شهد العام 2017 هدوءا في الأردن، لكن الإرهاب والعنف ضرب مرة أخرى في صيف 2018. الغريب أن حديث رأس الدولة الأردنية والحكومات المتعاقبة أكد على ضرورة نزع الإرهاب من جذوره وعدم توفير حاضنة له، لكن لغاية الآن لا توجد استراتيجية لمكافحة التطرف في الأردن. أقيمت الندوات وقدمت العديد من المؤسسات المحلية والدولية اقتراحات تصلح لتكون استراتيجية رسمية لمكافحة مسببات العنف والتطرف، إلا أن تلك الاقتراحات وضعت في الأدراج ولم يتم إقرارها أو الإعلان عنها وتنفيذها.

اقرأ للكاتب أيضا: الدروز ومعارضتهم لقانون القومية اليهودية

وفي حال قررت حكومة عمر الرزاز وضع استراتيجية لمكافحة التطرف وشاركت مؤسسات ونشطاء المجتمع المدني في صياغتها والعمل مع الحكومة في تنفيذها، فلا بد أن تشمل تلك الاستراتيجية سحب مسببات للفكر التكفيري، وفي نفس الوقت الإصرار على عدم توفير النتائج المرجوة لمن يقوم بأعمال هدفها إرهاب المواطنين. يجب أن تشمل أي استراتيجية جديدة الإصرار من أعلى مستويات الدولة بالقول والفعل على ضرورة الاستمرار في الحياة والنشاط والفرح. فمع محاربة التطرف وقوى الظلام والتكفير بكافة أشكالها من الضروري الإصرار على الحياة بكافة عناوينها والإصرار على مظاهر الفرح مهما كانت الظروف. الرد الأقوى على قوى الظلام هو الإصرار على التنوير وإضاءة شموع الحياة المليئة بالفرح.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.