يحاول الفريق اللبناني المنضوي في "حلف طهران" إلزام الحريري بإعادة وصل ما انقطع، بعيد اندلاع الثورة، بين بيروت ودمشق
يحاول الفريق اللبناني المنضوي في "حلف طهران" إلزام الحريري بإعادة وصل ما انقطع، بعيد اندلاع الثورة، بين بيروت ودمشق

بقلم فارس خشّان/

تقتضي الواقعية السياسية أن يتنازل أي مسؤول عن عواطفه وعقائده، في التعامل مع الحقائق الميدانية، لما فيه مصلحة بلاده ومواطنيه.

هكذا تفيد النظرية البراغماتية التي رسختها الممارسة على مدى قرون طويلة.

ويحاول الفريق اللبناني المنضوي في "حلف طهران" سحب هذه النظرية على رئيس النظام السوري بشار الأسد، لإلزام فريق أساسي من اللبنانيين، يتقدمه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، بإعادة وصل ما انقطع، بعيد اندلاع الثورة، بين بيروت ودمشق.

من الواضح، حتى تاريخه، أن الحريري، مدعوما من مجموعة وازنة تضم بين من تضم كلا من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، يرفض هذه الدعوات ويقدم ما يلزم من أدلة على صلابة في التصدي.

من الواضح أن "محور طهران" لا يهتم بمصالح لبنان من وراء ضغطه لمصلحة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، بل بأمور أخرى

​​بعيدا من العواطف، هل يخطئ الفريق الرافض ويتجاوز بموقفه هذا واجب الرضوخ للواقعية السياسية لما فيه المصلحة العامة التي كانت، وفق ما قيل، سبب إيصال العماد ميشال عون مرشح "حزب الله" الوحيد إلى القصر الجمهوري؟

إن دعوات التطبيع التي يقودها "حزب الله" ويشاركه فيها رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، تقوم على مسألتين: أولى هاتين المسألتين تتمثل في تعبيد الدرب أمام عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وثانيتهما، الحاجة إلى فتح طريق الشام الدولية التي تصل لبنان بالأردن عبر معبر نصيب، الذي يكثر الحديث عن العمل على فتحه، بعد الصفقة الإقليمية التي أتاحت للنظام السوري بسط سيطرته على جنوب البلاد.

اقرأ للكاتب أيضا: هذه.. سياسة

وهاتان النقطتان جوهريتان يستحيل تجاهلهما أو الاستخفاف بهما، فالأولى مرتبطة برفع العبء الهائل الناجم عن وطأة ملف النازحين السوريين الذين يفوق تعدادهم مليون شخص، والثانية مرتبطة بحركة نقل البضائع من الأردن وعبره إلى لبنان ومن لبنان وعبره إلى الأردن.

ويعتمد الفريق اللبناني في "حلف طهران" على هاتين النقطتين للضغط لمصلحة التطبيع الرسمي بين لبنان وسورية، معتبرا أن غير ذلك، من شأنه الإضرار بمصالح لبنان واللبنانيين.

إن رؤية هذه المسألة من منظار عام، يعطي "فريق التطبيع" أحقية، ولكن التعمق قليلا بالمعطيات، ينقلها إلى "فريق القطيعة".

كيف ذلك؟

الواقعية السياسية تفترض أن تكون علاقاتك حسنة مع المنتصر الحقيقي، وليس الثانوي، وإذا لم تكن كذلك، عليك أن تسعى لتحسينها.

وفي سورية، المنتصر الحقيقي ليس بشار الأسد، بل روسيا. أما بشار الأسد فمستفيد من هذا الانتصار، حتى تاريخه.

وهذا يعني أن مصلحة لبنان تتوفر عبر روسيا، وليس عبر الأسد، أبدا.

وفي هذا السياق، فإن علاقات لبنان عموما، والرئيس سعد الحريري خصوصا، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن وصفها، ومن دون مبالغة، بالممتازة.

وتتفهم روسيا تحفظات الحريري على تطبيع العلاقة مع نظام بشار الأسد، الذي أصدر حكم إعدام بحقه وبحق شخصيات مرتبطة به، وأرسل عبوات ناسفة إلى لبنان في مخطط "داعشي" ـ سابق لقيام "داعش" ـ قاده اللواء الاستخباري السوري علي مملوك وسجن فيه، بعد الثبت من جرمه، مستشار الأسد، اللبناني ميشال سماحة.

 ولا تربط موسكو أي حلحلة في الملفات التي يعاني منها لبنان، بسبب الوضعية السورية، بإسقاط هذه التحفظات الحريرية.

وهذا ما أبلغه، بوضوح كلي، وفد روسي رفيع المستوى إلى الحريري مباشرة خلال زيارة للوفد إلى لبنان، للبحث في ملف عودة اللاجئين السوريين.

كاريكاتوريا، هذا يعني أن من يحل أي مشكلة لبنانية عالقة مع دمشق، ليس رئيس النظام، بل الرقيب الأول في الجيش الروسي الذي منع بشار الأسد من التقدم نحو المنصة التي كان يقف عليها فلاديمير بوتين في زيارته الأخيرة لقاعدة حميميم العسكرية.

يضاف إلى ذلك، أن حل مشكلة اللاجئين السوريين، وفق المنظور الروسي، تحتاج إلى تمويل دولي عموما وفرنسي وألماني خصوصا.

وعلاقات "فريق القطيعة"، وخلافا لعلاقات "فريق التطبيع"، جيدة مع المجتمع الدولي، ومتقدمة مع ألمانيا، ومميزة مع فرنسا.

وهذا يعني، أن الجهة المنوط بها توفير التمويل اللازم لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، هي التي يمكنها أن ترعى مصالح لبنان، في هذا الملف وغيره، وذلك بالتعاون المباشر مع روسيا، وليس مع بشار الأسد الذي هو في موقع المتلقي وليس في موقع المقرر.

وما يصح على ملف إعادة اللاجئين السوريين يصح أيضا على ملف الطريق الدولي الذي يربط لبنان بالأردن.

ومعبر نصيب لم يفتح حتى اليوم أمام انتقال البضائع برا، على الرغم من كثرة الكلام في شأنه، بسبب عدم توافر الشروط السياسية الملائمة لعمان، على ما سبق وأعلنه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي.

والشروط السياسية التي يريدها الأردن، لا تتصل بما يمكن أن يوفره بشار الأسد، بل بالضمانات التي على روسيا أن تتعهد بها وتفرض على اللاعبين الثانويين في سورية، ومن بينهم بشار الأسد وإيران، الالتزام بها.

وهذا يعني أن الطريق يجب أن يصل لبنان بالأردن والعكس صحيح، لأن الربحية الاقتصادية العالية تكمن هنا، كما أن العبور يجب أن يكون مضمونا بالتساوي، لمن أيد الثورة كما لمن عارضها، ولا يصبح هذا الطريق مصدر رزق للمرضي عنهم من استخبارات الأسد، ومصدر نقمة للمغضوب عليهم.

وفي هذا السياق أيضا، فإن من يوفر مصالح لبنان ليس بشار الأسد، بل التفاهم مع دولتين يقيم مهما "فريق القطيعة" علاقات ممتازة، وهما روسيا والأردن.

ومعلوم أن الأردن، لن يقدم على خطوة بأهمية فتح معبر نصيب، من دون تنسيق سياسي وأمني واستراتيجي، مع المملكة العربية السعودية التي لها تصوراتها وشروطها.

المطلوب كسر أكثرية لبنانية لتوفير مصالح المحور الذي تقوده إيران الذي يصرخ شعبها من آلام بطونه الخاوية

​​ومن يقيم علاقات ممتازة بالسعودية، في هذه الحالة أيضا، ليس "محور طهران" بل الفريق الذي يشكل سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، الفقرات الأساسية في عاموده الفقري.

بناء على كل ذلك، من الواضح أن "محور طهران" لا يهتم بمصالح لبنان من وراء ضغطه لمصلحة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، بل بأمور أخرى.

لم يشترك "حزب الله" في الحرب السورية، بقرار من الحكومة اللبنانية، بل بناء على تكليف من مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، وتاليا، من يقحم بلاده بحرب من دون تكليف حكومي، يستطيع أن يساهم بحل المشاكل الناجمة عن ذلك، من دون تكليف أيضا، إذا كان القرار هو عند بشار الأسد وداعمه الإيراني، وليس عند الروسي المتفاهم على الخطوط العريضة مع الأميركي والمحتاج إلى الدعمين العربي والأوروبي.

اقرأ للكاتب أيضا: الفساد.. باللبناني

كما أن رئيس الجمهورية ميشال عون، لم ينتخب بشعارات معادية لبشار الأسد، بل كان، ومنذ انطلاق الثورة السورية، مؤيدا له، فلو كانت مصلحة لبنان موجودة فعلا عند الأسد، فلا شيء يحول دون أن يتواصل معه علنا، بدل الاكتفاء بموفد سري.

ووزير الخارجية جبران باسيل، لا يحتاج إلى تكليف حكومي لتوفير مصالح لبنان من خلال قيادة حركة دبلوماسية مع صديقه السفير السوري المستمر تواجده بكامل الصلاحية في بيروت.

وهذا كله يفيد بأن المطلوب كسر أكثرية لبنانية لتوفير مصالح المحور الذي تقوده إيران التي يصرخ شعبها من آلام بطونه الخاوية..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

President of Kurdistan Region Nechirvan Barzani speaks during a press conference in Arbil, the capital of the northern Iraqi…

بينما يواجه كردستان العراق عدة أزمات حادة في الوقت نفسه، يجدر به تقييم فوائد ومساوئ الدعوة الشعبية إلى إصلاح نموذج الحكم المعتمد فيه حاليا وجعله لامركزيا. فمن المرجح أن يثبت نموذج الحكم المتقادم الذي تنتهجه "حكومة إقليم كردستان" حاليا عدم فعاليته في التعامل مع هذه التحديات الكبيرة، ما يكشف عن حاجة ملحة إلى اللامركزية.

وتُعتبر الدعوات إلى اللامركزية خير دليل على بروز مسار في المنطقة بالاتجاه المعاكس. فمنذ العام 1991، خضع "إقليم كردستان العراق" لحكم حزبين سياسيين رئيسيين هما "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني". وقد حكم الحزبان الإقليم وفق نموذج مركزي إنما غير موحد. ومع مرور الوقت، أثبت هذا النموذج أن له الكثير من السلبيات التي زادت الوضع سوءا بالنسبة لـ"حكومة إقليم كردستان".

وتصف مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (ميري)، وهي مركز بحوث في أربيل، الهيكلية الإدارية الحالية لـ"حكومة إقليم كردستان" بأنها تطورت لتصبح "بيروقراطية مركزية ومتضخمة وغير فعالة بشكل كبير". وتنتقد المؤسسة نموذج الحكم المركزي الذي تنتهجه الحكومة بعدما عمد "المسؤولون في الحكومة إلى تبريره وتعريفه على أنه محاولة لاستحداث سمات وعناصر للسلطة والسيطرة المركزيتين"، وهو أمر أثر سلبا في الواقع على "سير عمل النظام الحاكم وأدائه". ورغم أن هذا الإجراء مطبق منذ سنوات، إلا أن الضغوط التي ستنتج عن تراجع الاستثمار خلال الأشهر القادمة ستمارس ضغوطا إضافية على هيكليات الحكم القائمة.

من شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية

وقد سمح قطاع عام منتفخ وقطاع خاص ضعيف واقتصاد غير متنوع بنشوء دولة ريعية مركزية تسببت بالكثير من المشاكل للعديد من الأشخاص العاديين. فالإجراءات القديمة التي تعتمدها الحكومة متقادمة وبحاجة للتحديث. 

على سبيل المثال، لا يمكن للوزارات قبول نماذج رقمية ولا بدّ من تسليم المستندات الورقية باليد إلى المكاتب في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان العراق". ويجعل هذا الإجراء الرجعي الخدمات اليومية بطيئة، وهي مشكلة يمكن حلها فقط من خلال السماح باستخدام نسخ إلكترونية للنماذج. وتُعتبر هذه السمة المهمة للبيروقراطية السائدة في الإقليم أحد الأمثلة فقط على سوء التنظيم الذي دفع بالشعب إلى التشكيك بسبب وجود السلطات المحلية التي انتخبها.

اللامركزية مقابل خلفية سياسية ضبابية

من هذا المنطلق، إن اللامركزية التي أصبحت كلمة طنانة بالنسبة للأحزاب السياسية في "إقليم كردستان العراق" هي وسيلة لإصلاح هذا الانتفاخ الحاصل، رغم أنه لدى كل حزب أسبابه الخاصة لتحبيذ هذا المفهوم. 

وفي الآونة الأخيرة، شهد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" على السواء عملية انتقالية على صعيد القيادة، وقد حرص القائدان الجديدان لأبرز حزبين في الإقليم على إظهار قوتهما وشخصيتهما إلى الناخبين. 

فالقائدان الشابان واللذان يتمتعان بالجاذبية من عائلتي بارزاني ("الحزب الديمقراطي الكردستاني") وطالباني ("الاتحاد الوطني الكردستاني") سعيا إلى الاستفادة من الإرث الذي ورثاه، بما في ذلك الاستقطاب ضمن المجتمع الكردي. وقد تطور هذا الاستقطاب ليصبح حربا أهلية ناعمة ـ برزت بشكل خاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وضمن هذا الإطار، ستكون اللامركزية بمثابة تشارك للسلطة والموارد بين القطبين.

وخلال السنوات العديدة الماضية، جرى تعطيل عمل هذين القطبين. ففي السابق، كانت الهيكلية السياسية لإقليم كردستان مشكّلة نوعا ما وفق نظام ميزان القوى. لكن القيادة الحالية تفتقر إلى التماسك والدعم السياسي إذ تتوزع المقاعد في البرلمان وأحجام قواعد الأحزاب الانتخابية والسيطرة على الأجهزة الحكومية كلها بشكل غير متساوٍ ـ ما يؤدي إلى ميزان قوى متزعزع يظهر في معظم الأنظمة السياسية المركزية.

وفي السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي، بعدما عجز "الاتحاد الوطني الكردستاني" عن حل الانقسامات الداخلية. ونشأ الصراع على السلطة الناتج في مناطق كان يسيطر عليها هذا الأخير في السابق من دعوات متزايدة إلى الإصلاح والتغيير. ويبدو هدف "الاتحاد الوطني الكردستاني" الحالي لتأييد اللامركزية كوسيلة لاستعادة موقعه، جليا ليس فقط بالنسبة لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" بل للأحزاب السياسية الأخرى والشعب.

وعندما يعزز حزب سياسي واحد قوته، غالبا ما يحاول الحزب المهدد استعادة نفوذه من خلال تشكيل تحالف دفاعي "لإرساء ثقل موازن" في وجه الحزب الأكبر سيطرة. وفي وقت يسعى فيه "الاتحاد الوطني الكردستاني" إلى الاستفادة من التغيير المستجد في السياسة الكردية، والعودة إلى "الوضع القائم" السابق، سيواجه المزيد من الصعوبات في إطار مشهد سياسي ضبابي ومتخلف مماثل. ونتيجة لذلك، يقف الأكراد أمام مجموعة محدودة من الخيارات السياسية وعليهم الاختيار بين "حزب ديمقراطي كردستاني" "قوي" أو أحزاب أكثر ضعفًا ومنقسمة داخليا.

ومن موقع قوته، لا يعارض "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مباشرة اللامركزية، إنما لديه عوضا عن ذلك شرحه الخاص للمفهوم لا يتطابق بالضرورة مع فهم "الاتحاد الوطني الكردستاني" له. فـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" يرى أن اللامركزية ستكون في المقام الأول خطوة إدارية تؤثر على كافة محافظات وأقاليم كردستان. من ناحية أخرى، يواصل الحزب التشديد على سلطة الحكومة. وتعني هذه الرسائل شبه المتعارضة أن الحزب سيسمح بلامركزية إدارية محدودة طالما أن الأمر لا يشمل أي تغييرات في سلطة الحكومة المركزية للإقليم. في المقابل، يفسر "الاتحاد الوطني الكردستاني" اللامركزية على أنها الحدّ من مركزة السلطة في الإقليم.

وإلى جانب التفسيرين السياسيين أعلاه للامركزية، ثمة مطالبة شعبية بها أعربت عنها الأحزاب السياسية المعارضة في "إقليم كردستان العراق". ومع ذلك، فإن الصراع على السلطة بين الأحزاب السياسية المختلفة هو أحد الأمثلة فقط على الديناميكيات المعقدة القائمة وسط خطاب اللامركزية الحالي. وبالتالي، لا بدّ من تفسير نقاش اللامركزية الحالي في إطار المنافسة بين الأحزاب السياسية.

تجدر الملاحظة أن الأحزاب السياسية الأخرى ـ على غرار "حركة كوران" والأحزاب الإسلامية في "إقليم كردستان العراق" ـ لديها مواقف مختلفة إزاء المسألة. فالأحزاب التي لا تملك مجموعة مسلحة تعتبر اللامركزية وسيلة لتمكين الحكومة المحلية وتوزيع السلطة والحكم. والبعض يرى اللامركزية كسبيل لتجديد الانقسامات القديمة التي لا تزال قائمة منذ الحرب الأهلية العراقية ـ الكردية في تسعينيات القرن الماضي. 

في المقابل، تدعم أحزاب أخرى اللامركزية باعتبارها وسيلة لإعادة تخصيص الإيرادات التي تجدها موزعة بشكل غير متساوٍ. وثمة أحزاب تخشى من آثار اللامركزية، معتقدة أن خطوة مماثلة قد تدمر في نهاية المطاف التوازن الهش أساسا في حكومة الإقليم.

خطوات لتحقيق لامركزية فعالة

نظرا إلى التركيبة التقليدية للمجتمع الكردي، يُعتبر الجدال المحيط بموضوع اللامركزية من حيث مفهومها أولوية قصوى. وبالتالي، ستطلب الأحزاب السياسية والنخب الأخرى شرحا واضحا لمفهوم اللامركزية قبل إحداث أي تغيير حقيقي. يُذكر أن مشكلة المفهوم تنطبق على معظم المفاهيم المرتبطة بالحكم وليس على اللامركزية فقط. 

في هذا السياق، يشدّد المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك على أن مفاهيم الحكم "هي على السواء عوامل ومؤشرات على التحرك التاريخي". ويرى أن هناك ارتباط سببي بين الأحداث التاريخية التي نقلت الأنظمة الاجتماعية المشتركة في الأنظمة الحديثة الأولى والتغييرات في اللغة السياسية ـ الاجتماعية؛ "فالمفاهيم المركزية لم تعكس فقط الإصلاحات الاجتماعية إنما لعبت دورا فعالا في هذه العملية".

في السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي

وفي الحالة الكردية، يجعل الالتباس المحيط بمفهوم اللامركزية من المحادثات والجدالات والتبادلات بين الأحزاب وأفرادها شبه مستحيلة. وعليه، يجب أن تتمثل الخطوة الأولى التي ستتخذها "حكومة إقليم كردستان" باعتماد ميزات اللامركزية والشفافية العملية، وهو ما يمكن أن يبدأ بإصدار مستند حكومي حول المسألة يكون متوافرا أمام العامة.

وتنطوي الخطوة الثانية على تحديد إطار زمني واضح وواقعي للعملية، يبدأ بإصلاح الحكومة المركزية. وما إن يتمّ تشكيل سلطة مركزية فعالة وقادرة على نحو أكبر، ستتمكن "حكومة إقليم كردستان" من استهداف اللامركزية المالية والإدارية.

وتكمن الخطوة الثالثة في تغيير النظام الانتخابي للإقليم ليصبح نظاما انتخابيا مختلطا على غرار نظام الأغلبية ذات العضوية المختلطة (MMM)، الأمر الذي سيسمح بإجراء انتخابات متعددة. وفي حين يحتاج الناس إلى معرفة ممثليهم، يتطلب الإقليم أيضا ممثلين يتمتعون بالمعرفة والخبرة في مجالات الحكم، على غرار إعداد الموازنة والتخطيط والطاقة والبيئة، يكونون ممثلين على نحو أفضل في نظام انتخابي مختلط.

عوامل المنافسة

رغم أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا، تصبح الحاجة والضرورة لإجراء مثل هذه التغييرات واضحة على نحو متزايد. وتواجه "حكومة إقليم كردستان" حقبة جديدة من الحكم المركزي "ما بعد النفط" نتيجة انهيار سوق النفط بسبب فيروس "كوفيد-19"، وهذا ما يجعل اللامركزية أكثر إلحاحا. وقبل التدخل الدولي لمحاربة "داعش"، كان الإقليم يتمتع بفترة من الحكم "السهل"؛ حيث كانت أسعار النفط مرتفعة والشركات مزدهرة. وخلال فترة النمو هذه، كانت حكومة الإقليم قادرة على توسعة قطاعها العام وإرضاء قواعد الأحزاب الانتخابية إلى حدّ ما.

غير أنه في ظل دخول العالم في فترة التقلبات المرتفعة هذه ـ بسبب الجائحة العالمية وخيبة أمل الشعب من السياسة ـ على الإقليم الاستعداد للتحرر مما يسمى بالحكم "السهل". ومن شأن اللامركزية أن تقلّص التكاليف التنظيمية الضرورية لتحقيق توزيع أمثل للسلطات. كما ستفتح الاقتصاد وسوق الإقليم أمام القطاعيْن العام والخاص، على أمل أن يعزز ذلك نمو الوظائف الذي تشتد الحاجة إليه.

ويتمثل أحد العوامل الأخرى الذي يجب أن يدفع بالإقليم نحو فعالية ولامركزية أكبر، في علاقاته المعقدة مع بغداد. ففي حين يعترف الدستور العراقي بـ"حكومة إقليم كردستان"، تبقى العلاقة بين أربيل وبغداد قائمة على القوة بدلا من القانون. 

وحاليا، يتعين على حكومة الإقليم التفاوض بشكل دائم مع الحكومة المركزية في بغداد من أجل وضع الموازنة والمشاركة في الحكومة وغيرها من جوانب الحكم. ومن شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية والعكس صحيح. 

ورغم أن طبيعة البلاد اتحادية بموجب الدستور وتخضع لحكم مركزي إلى حدّ كبير، من الواضح أن الحكومة المركزية العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بحاجة إلى لامركزية على صعيد الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية.

من شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف

مع ذلك وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لتطبيق اللامركزية في كردستان العراق، كان الإقليم يسير في الاتجاه المعاكس، مركزا السلطة على نحو متزايد في أيدي الأحزاب الصغيرة وعلى مستويات الأعمال. فقبل فترة ليست ببعيدة، كان الإقليم يتمتع بمعارضة حيوية ووسائل إعلام حرة ناشطة ومجتمعات مدنية فعالة، وهي عوامل أثّرت جميعها في عملية اتخاذ القرار في الإقليم. 

ولسوء الحظ، لم يعد كردستان العراق في هذا الموقع. وحتى ضمن الأحزاب السياسية، لم يعد المكتب السياسي ـ الرمز السابق لمركز النفوذ في الإقليم ـ يملك السلطة نفسها وبات مهمشا بسبب البروز المتزامن للنفوذ العائلي ضمن الأحزاب الرئيسية. ومن هذا المنطلق، يتحول إقليم كردستان أكثر فأكثر إلى نظام حكم الأقلية على غرار بعض أجزاء الشرق الأوسط.

واستنادا إلى هذه الخلفية المعقدة، يتضح أن إقليم كردستان، على غرار بقية العراق، يحتاج إلى نوع من اللامركزية، حتى ولو لم تتفق بعد الأحزاب المختلفة على شكله. مع ذلك، لا بدّ من التوصل إلى إجماع في مرحلة ما بغية المضي قدما. فيصعب بشكل خاص تطبيق الإصلاحات باتجاه اللامركزية لأنه يتمّ التعامل مع المركزية باعتبارها السمة الرئيسية للسلطة في كل جانب من جوانب المجتمع تقريبا؛ سواء من حيث الهيكلية العائلية والثقافة الشعبية والدين. وعليه، يتطلب الانتقال نحو اللامركزية مقاربة طويلة ومتعددة الأوجه.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى التي سعت إلى دعم الأجهزة الأمنية في الإقليم، لا بدّ من توجيه اللامركزية بطريقة تؤدي إلى توحيد الإقليم وإنشاء نظام حكم أكثر تماسكا. وقد يكون ذلك سبيلا لتخطي الانقسامات في كردستان العراق ويجعله شريكا إقليميا موثوقا على نحو أكبر.

غير أنه من أجل تحقيق اللامركزية، لا بدّ من اتخاذ عدد من الخطوات ضمن إطار زمني واقعي. ومن شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف.

المصدر: منتدى فكرة