فتيات أفغانيات خلال سباق في مزار شريف في تموز الماضي
فتيات أفغانيات خلال سباق في مزار شريف في تموز الماضي

بقلم كوليت بهنا/

"أنا لا أستطيع أن أنسى، ولكن أستطيع أن أتسامح".

بهذه العبارة المقتبسة عن الزعيم "نيلسون مانديلا"، يفتتح المخرج الأفغاني "صدّيق بارماك" شارة فيلمه الروائي الطويل "OSAMA 2003" الذي قام بتصويره بعد انتهاء حكم حركة "طالبان" وحصد عليه جائزة "غولدن غلوب" 2004 وترشيحات عدة لجوائز عالمية أخرى. نفذ بارماك فيلمه بميزانية هزيلة لا تتعدى بضعة آلاف من الدولارات، مستعينا بأناس عاديين من الشارع لتشكيل فريق التمثيل وفي مقدمتهم الطفلة المبدعة بطلة الفيلم "مارينا غولبهاري" ذات الثلاثة عشر ربيعا.

في أعلى الشجرة، ستشرق أنوثة" أسامة"، وستكون السبب في بلوغها النسائي المفاجئ

​​يختار الفيلم زمن حرب "كابول" مع الروس وسيطرة حركة "طالبان" وظل زعيم "القاعدة" الإرهابي "أسامة بن لادن" المهيمن على روح البلاد. يبتدئ بالطفلة بطلة الفيلم، التي لم يمنحها المخرج اسما، ترافق أمها الأرملة في طريقهما إلى المستشفى حيث تساعد الأم في التمريض وهما تراقبان تظاهرة حاشدة لنساء أفغانيات منقبات معظمهن أرامل فقدن أزواجهن بسبب الحرب يصرخن بحرقة بأنهن لم يخرجن من أجل السياسة، بل لأنهن جائعات وليس لديهن وظائف، ليعلو صوت ينبه النساء بأن: "طالبان قادمة ومعها الجحيم". وفعلا ستفتح أبواب الجحيم على المتظاهرات ويتم سحقهن بعنف شديد واعتقال عدد كبير منهن وسط ذعر الفتاة الصغيرة وأمها التي ستفقد لاحقا وظيفتها في المشفى ضمن قرارات حجب النساء عن الحياة العامة، وزجهن في بيوتهن الطينية البائسة، محكمة الإغلاق، بما يشبه الإقامة الجبرية.

ثلاث نساء بثلاثة أجيال، الطفلة وأمها وجدتها، سيجدن أنفسهن بلا طعام ولا معيل، وستتمنى الأم لو أن الله لا يخلق النساء، فتستعين الجدة بأسطورة أفغانية تقول إن الصبي إن عبر قوس قزح يصير بنتا، والبنت إن عبرته كذلك ستصير ولدا.

اقرأ للكاتبة أيضا: حين تكون 'أم كلثوم' ملهما أدبيا

بناء على الأسطورة، سيتم قص ضفائر البنت ـ الأمل الوحيد ـ وتحويلها إلى صبي يعمل في محل لبيع الحليب يمتلكه صديق الأب، ليتم اعتقالها وسوقها مع كل صبية المدينة المراهقين إلى مدرسة أو معسكر تدريب "لطالبان والقاعدة" تمهيدا لزجهم قريبا في الحرب، حيث يتم تحفيظهم القرآن الكريم وتعاليم الدين الخاصة بكيفية الاغتسال، وتحديدا تلك المتعلقة بسن البلوغ، لتجد الفتاة نفسها وسط عالم ذكوري ـ جنسي، لن تستوعبه براءتها. لكن رعبها سيحرك فطنتها وتقلد الصبية بمهارة حتى لا يكتشف أمرها، إلا أنها لن تفلح في إخفاء أنوثتها طويلا، وسيشك جميع الصبية بنعومة مظهرها الواضحة ويلاحقونها، ليتصدى لهم صديقها الصبي "ايسباندي" الذي يخفي سرها، مؤكدا أنها صبي تسعفه قريحته باسم "أسامة" فيطلقه عليها لعل الاسم يقيها شرهم، طالبا منها إثبات ذكورتها أمامهم وتسلق الشجرة كما يفعل كل الصبية بمهارة.

اقتبس الفيلم عن قصة أفغانية حقيقية، وحوله المخرج إلى عمل إبداعي أشد قسوة وإيلاما

​​في أعلى الشجرة، ستشرق أنوثة" أسامة"، وستكون السبب في بلوغها النسائي المفاجئ، وقصاصها ثم زجها في سجن النساء بانتظار محاكمتها، إلا أن قاضي" طالبان" سيعفو عنها ويزوجها بقصاص أشد إيلاما لمعلم النظافة السبعيني، "الملا" الذي سيسوقها كالشاة إلى بيته الأشبه بسجن كبير، لتنضم إلى زوجاته الثلاث ويقوم باغتصابها، منهيا الفيلم بمشهد الاغتسال بحسب الشريعة والذي سبق وأن علمه للصبية المراهقين.

يحفل الفيلم بمشهدية سينمائية شديدة الجمال رغم هيمنة هباب التراب والبؤس والخراب على المشهد العام، وحملت بعض المشاهد قيمة فكرية ذات تأثير بليغ مثل دفن الفتاة لضفيرتيها في أصيص الزرع، ومشهد فرح النساء في حفل الزفاف وتمتعهن لدقائق بالحلوى والرقص قبل أن تداهمهن "طالبان"، وكيف حولن العرس بلمح البصر إلى مأتم ينحن فيه على روح ميت وهمي، وهن في الحقيقة ينحن على أرواحهن الأسيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'كيكي' وأخواتها

اقتبس الفيلم عن قصة أفغانية حقيقية، وحوله المخرج إلى عمل إبداعي أشد قسوة وإيلاما، تستعيده ذاكرة المرء اليوم مع كل مقطع فيديو لتنظيم "داعش" الإرهابي سليل "طالبان والقاعدة" ووحشية معاملته للناس وللنساء بشكل خاص، وآخرها مقاطع الفيديو المؤثرة لنساء من قرى ريف "السويداء" في الجنوب السوري يناشدن لفك أسرهن بعد أن تم اختطافهن مؤخرا من قبل التنظيم. ولا يمتلك المرء كل حين إلا أن يتساءل بمرارة عمن فتح فوهة الجحيم وأخرج كل هذه الشياطين الإرهابية؟

كثيرون يعلمون حقيقة الجواب، وربما لم يحن بعد موعد شهادتهم، وإلى حين استحقاقها، من يستطيع النسيان حقا أو التسامح كما أراد "مانديلا"؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.