مناصرة لحزب الشعوب الديمقراطي تحتفل بفوز مرشحي الحزب في الانتخابات النيابية الأخيرة في تركيا
مناصرة لحزب الشعوب الديمقراطي تحتفل بفوز مرشحي الحزب في الانتخابات النيابية الأخيرة في تركيا

بقلم دارا عبدالله/

يذكر عالم الاجتماع التركي، اسماعيل بيشكجي، صاحب الكتاب المهم في فهم المسألة الكردية "كردستان مستعمرة دولية"، في إحدى محاضراته، حادثة جرت في قرية كردية في تسعينيات القرن الماضي، إذ اقتحم الجيش التركي القرية، وبعد ارتكاب سلسلة من الإعدامات الجماعية بحق المدنيين والأهالي، بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني، أجبروا السكان على التغوط، وأكل برازهم. قام الأطفال والنساء والشيوخ بأكل برازهم تحت أقدام وأحذية الجندرمة التركية.

أسرد هذه الحادثة لمن لا يعرف تركيبة الدولة التركية السياسية وتاريخ تركيا الحديث بعد انهيار السلطنة، وصراع الأكراد مع اليمين القومي العسكري التركي العلماني. في أكثر من لفتة، يقول بعض الأصدقاء: "كيف لكردي أن يكون منحازا لأردوغان".

خوفي سببه، انقلاب أردوغان على هدنة السلام مع الأكراد ووقف العملية السياسية الهادفة لإنهاء الصراع العسكري الكردي ـ التركي

​​صراحة، ثمة جهل كبير بتطورات الصراع بين الأكراد والدولة التركية. قسم من أقربائي من جهة أبي، هم أكراد أتراك، والفرق واضح بين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية قبل وبعد أردوغان، وشاهدنا ذلك من خلال زياراتهم.

عملت حكومة حزب العدالة والتنمية بعد استلامها الحكم في عام 2000، على إجراء تنمية شاملة ومستدامة في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية في شرق تركيا، والتي كانت مهمشة من قبل الحكومات التركية المتعاقبة لأسباب سياسية وقومية. كانت بعض القرى الكردية خالية تماما من الخدمات الأساسية كالمستشفيات والمدارس الثانوية والدوائر البيروقراطية.

اقرأ للكاتب أيضا: الاستسلام للنظام كطريقة لإسقاطه

كان أي احتكاك مع بيروقراطية الدولة يتطلب سفرا إلى مراكز المدن. تحققت في ظل حزب العدالة والتنمية عدة تطورات إزاء القضية الكردية، تعتبر اختراقا في تاريخ الصراع الكردي ـ التركي. إذ عقدت أطول هدنة سلام بين حزب العمال الكردستاني وتركيا في عهد اليمين القومي الإسلامي المحافظ بإدارة أردوغان. وضغط داوود أوغلو، العقل الاستراتيجي البراغماتي في إدارة أردوغان، على إحلال سلام شامل مع الأكراد وإغلاق هذا الملف، والانفتاح على الثقافة الكردية، وتوزيع عادل للثروة، ودعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المناطق الكردية.

كما أن اللقاء بين رئيس الاستخبارات، حقان فيدان، ممثل الدولة التركية العميقة، وعبدالله أوجلان كان قاب قوسين أو أدنى. في تلك الفترة المشرقة، نسبيا، كان أردوغان يحصد نسبة أصوات كبيرة في قلب عاصمة الأكراد في تركيا، وهي مدينة "ديار بكر" أو "آمد"، المدينة التي تمثل العصب القومي الكردي المعادي تاريخيا للدولة التركية، وكانت هذه سابقة تاريخية مهمة، لم تتكرر أبدا.

ونتيجة هذه التطورات الاقتصادية التقدمية، تشكلت طبقة وسطى كردية، القسم المحافظ منها تحالف مع أروغان، والقسم القومي العلماني منها، نظم نفسه في حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، والذي يقبع رئيسه صلاح الدين ديمرتاش، للأسف، في السجون التركية.

خوفي ناجم عن قضاء شخص أردوغان بعد الانقلاب على كل  مكتسبات تجربة حزب العدالة والتنمية قبل الانقلاب

​​لما جرى الانقلاب العسكري في تركيا، هرع أشد الأكراد تطرفا إلى إدانة الانقلاب، ومنهم صقور حزب العمال الكردستاني، وتمسك أناس لا يؤمنون بالديموقراطية بضرورة الحفاظ على الديموقراطية، لأنهم يعرفون ماذا يعني استلام اليمين القومي العلماني الحكم. أخافني الانقلاب العسكري، شخصيا، لأني مع التجربة الديموقراطية التركية أولا، ولأني أعرف المصير الأسود الذي سيلحق بالأكراد إذا استلم العسكر ثانيا.

خوفي على التجربة التركية نابع من هذا المفصل، حزب إسلامي محافظ يؤمن بالديموقراطية ويحتكم إلى صناديق الاقتراع (وهذه ضربة باعتقادي إلى حركات الإسلام الجهادية والسلفية)، والقضاء على بصيص أمل في إيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا، وإغلاق ملف هو من أهم الملفات السياسية في العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: عالم بدون 'روح سياسية'

خوفي على التجربة التركية ينطلق من نكوصها من إدارة كانت تفكر بمنطق الدولة والمصلحة العامة إلى حد مقبول، إلى شخص يسجن الصحافيين والمخالفين بالرأي ويتهم أي رأي آخر مخالف بالعمالة والمؤامرة والارتباط مع الخارج.

خوفي سببه، انقلاب أردوغان على هدنة السلام مع الأكراد ووقف العملية السياسية الهادفة لإنهاء الصراع العسكري الكردي ـ التركي، والعودة إلى مبدأ الحل العسكري في المناطق الكردية في سورية.

خوفي ناجم عن قضاء شخص أردوغان بعد الانقلاب على كل مكتسبات تجربة حزب العدالة والتنمية قبل الانقلاب.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.