سوريون يتظاهرون ضد النظام في بانياس في العام 2011
سوريون يتظاهرون ضد النظام في بانياس في العام 2011

بقلم منى فياض/

مئة عام مرت على الثورة العربية الكبرى التي حررت العالم العربي من استبداد الدولة العثمانية، تكونت خلالها الدول الوطنية في المنطقة وأنشأت أنظمتها الخاصة. لكنها مع ذلك فشلت على جميع الصعد وخصوصا لناحية التنمية والقضية الفلسطينية، بل عاد الاحتلال إلى بعض دولها أيضا. من هنا جاء انفجار الثورات العربية المختلف على توصيفها.

ربما على خلفية الثورات هذه قامت "دار سائر المشرق" بمناسبة المئوية الأولى للثورة العربية، بإصدار ترجمة لكتاب "الطريق إلى الثورة العربية الكبرى 1906 ـ 1916"، لمؤلفه أوجين يونغ (نشر عام 1924)، الذي كان نائب ممثل دولة فرنسا في تونكان ـ فيتنام الشمالية.

ما أدهشني عند قراءتي هذا الكتاب، بالرغم من اختلاف الزمن والظروف، أن الخطوط الأساسية التي تحكم المنطقة لا تزال هي نفسها. تبعية للدول الكبرى وعجز عن تحقيق الاستقلال أو الاكتفاء الذاتي والدفاع عن النفس. إلى جانب استغلال تنوع المنطقة الديني والثقافي لتحويل وإظهار أي تحرك على أنه صراع ديني مذهبي، بافتعال المجازر من أجل ذلك.

في القرن الماضي كان الصراع بين فرنسا وانكلترا وروسيا على السيطرة على المنطقة نظرا لأهميتها الاستراتيجية التي ازدادت مع فتح قناة السويس. فكتب الدبلوماسي الفرنسي عن منافسيهم الإنكليز: "بريطانيا كان يهمها أن تسيطر على المنطقة الممتدة من مالطا وحتى الغانج (في الهند)، وكل الحوض الشرقي للمتوسط والجزيرة العربية والخليج العربي، هذا فضلا عن بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس الجنوبية". الآن تغيرت القوى العظمى المسيطرة، لكن اللعبة ما زالت على حالها.

اقرأ للكاتبة أيضا: استحقاق الجنسية في كندا وشراؤها في لبنان

سابقا اعتمد العرب كثيرا على القوى الغربية التي لم يكن يهمها سوى إضعاف السلطنة للحلول محلها. فيشير إلى أن: "اللجنة العربية بذلت جهودا كبيرة في الخارج، ولكن الحكومات الأوروبية المرتبطة بمصالحها في تركيا، لم ترغب في التعامل مع العرب، ولا في تقديم أي دعم لهم. ويضيف أنه من دون مال أو سلاح لا مجال لأي انتفاضة". وهو كان قد أشار إلى ضعف إمكانيات العرب الإعلامية أيضا".

ويستشهد بكاتب ألماني حول الوضع بين تركيا والعرب والغرب؛ مؤكدا أن إنجاز المشاريع الكبرى، في غياب أي دعم خارجي، سيعني تضحيات كبيرة وإراقة دماء.. وأن العرب يعلمون أن بعض القوى العظمى لها مصلحة في المحافظة على السلطان التركي.

ألا نواجه المآزق نفسها اليوم خصوصا في سورية؟!

لا تزال المشكلة الأساسية للعرب هي العجز عن الاعتماد على النفس فيما يتعلق بالعتاد والسلاح، إلى جانب العجز عن التنسيق فيما بينهم أيضا. وكما أكد الكاتب الألماني في توصيف موقف القوى الغربية: "إنما ترمي إلى السيطرة عليهم خشية أن تقوم في البلاد العربية حيثية ما قادرة أن تشكل تهديدا دائما للسلام الأوروبي".

فهل زالت هذه الخشية من الوحدة العربية؟ التي لم تعد مطروحة أصلا، فالعجز والتفتت بلغ أوجه وحتى الجامعة العربية لم يعد يوجد منها تقريبا سوى الاسم! أما التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة مرور البشر والبضائع فضاعت كما اختفت سكة الحديد التي انشأها "الاستعمار" في الرمال.

حين صدر الكتاب لم تكن هناك قضية فلسطينية. لكنه يوضح السلاح الأقوى المستخدم لاحتلال الشعوب وإضعاف إرادتها وهو الفساد، فيورد بعض أسباب الاستياء من حكام السلطنة العثمانية في فلسطين: "فلقد عم الاستياء حينها من أداء الحاكم رشيد بك "التركي"، لأنه استولى على بعض أراضي القبائل العربية من أجل بيعها للصهاينة ولوكيل "الاتحاد اليهودي" الذي استقدم 15,000 يهودي من روسيا. فيما حصّّل من هذه العملية، مبلغا ملعونا، 3 ملايين".

وفي سورية، تنفذ إيران اليوم ما جرى تنفيذه في فلسطين سابقا، عبر شراء الأراضي أو وضع اليد عليها بإذن النظام وتنفذ عملية تغيير ديموغرافي تحت أنظار العالم.

الفساد والاستبداد هما مفتاح الاحتلالات الأساسي وغطاؤها.

المسألة المهمة الأخرى التي يشير إليها الكاتب تلك التي تتعلق بالصراعات الدينية والطائفية والمذهبية. التصور المسبق عن هذه المنطقة أنها لا يمكن أن تتخلص من العنف جراء هذه الصراعات تحديدا. هذا الأمر غير دقيق في مرحلة الثورة الكبرى كما الآن.

فكما بدأت الثورة السورية سلميا، وخرج السوريون رفضا للاستبداد وللمطالبة بالحقوق المدنية والحريات وظلت سلمية إلى أن تم تحويلها إلى حرب سميت "أهلية".

يؤكد الكاتب أيضا، أن ما وصف بالنزاعات والصراعات الطائفية والمذهبية، في تلك الفترة، تعود بدايتها إلى "اضطرابات بسبب محاولة حكومة "تركيا الفتاة" إزالة الامتيازات الدرزية. ضمن فكرة المساواة التي شكلت هوسا لدى النظام العثماني الجديد. إضافة إلى أن العشائر البدوية في الصحراء السورية لم تكن راضية عن بناء الطريق الحديدي لأنه حرمها من موردها الأساسي: تقاضي الأتاوات من القوافل الذاهبة إلى الأماكن المقدسة".

ويضيف: "أما بالنسبة إلى مشاركة المسيحيين في الاضطرابات، فلا يمكن إلا أن تكون محدودة، وهي تجد تفسيرا طبيعيا لها في هذه الحالة. في الحقيقة الأتراك شوهوا الأخبار، فيما لم تكن لدى العرب إمكانية التواصل مع الصحافة. وبداية، لم تكن هناك مجزرة بحق المسيحيين، فعلى الأقل، ثلث عشائر شرق الأردن كانوا من المسيحيين. وينقسم هؤلاء إلى مذهبين: الأرثوذوكس والكاثوليك اللاتين.. لا يوجد عند البدو تعصب وتفرقة: فالكاثوليك والأرثوذوكس والمحمديون يعيشون في وئام تام، وعندما يكون المرء موجودا في وسطهم، من الصعوبة أن يلاحظ أنهم ينتمون إلى طوائف مختلفة. لقد بقي إيمانهم المجرد بالله يتقدم كل الاعتبارات والشكليات". والآن ألا تكفي حفنة زعران مأجورين لإقفال منطقة بكاملها، وجعل الصراع دينيا وطائفيا ومذهبيا؟

يضيف لم يكن هناك "معطى ديني خلف التمرد". والأمر كما هو عليه الآن في الموقف من الثورات عموما، والثورة السورية خصوصا ـ التي تم ويتم تحويلها إلى مؤامرة ـ إذ يكتب يونغ حرفيا: "في الحقيقة، إن ما حمل الجميع على الثورة هو نقمتهم الشديدة الناجمة عن ظلم وفساد واستفزاز وتجاوزات النظام التركي".

كما يقدم لنا إضاءة على بعض المجازر التي حصلت حينها، فهي تأتي على خلفية النشاط الإنكليزي الذي يقوم به سرا اللورد كيتشنر، المتمركز في القاهرة، لتشجيع قيام تحركات للمطالبة بالاحتلال الإنكليزي: "منذ فترة طويلة توجد في بيروت ودمشق لجنتان تعملان بنشاط لدفع الشعب السوري للمطالبة بالاحتلال الإنكليزي. إن الدعاية البريطانية تنشط علنا.. بدأت الحملة الدعائية لدى المسلمين.. جاء مساعد اللورد كتشنر إلى هنا. وجال على دمشق، ويافا وحيفا، وعقد اجتماعات عدة كان جميع الحاضرين فيها من المسلمين. في كل مكان، كان يتم التخطيط لهدف واحد: الانتفاض، والقيام ببعض المجازر والمطالبة بالتدخل الإنكليزي".

اقرأ للكاتبة أيضا: المواطنة وخدمة البلدية بين مونتريال وبيروت

من الواضح أن الاستعمار هو من تعامل مع مواطني هذه البلاد على أساس انتماءاتهم الدينية. لأن ذريعة الحماية تجلبها المجازر ضد طرف طائفي ما. هذه الوصفة جربت كثيرا في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) والآن تجد مرتعها الخصب في سورية والعراق. ذلك أن "الأهالي" كما سبق له ووصف البدو يتعايشون فيما بينهم والمجازر لا تحصل إلا من قبل من ينوي إشعال فتيل الفتنة لمصلحته.

وهكذا نجد أن المنطقة تراوح مكانها منذ قرون وتعجز عن التطور، وتنجح معها نفس السناريوهات تقريبا! ربما هي لعنة الموقع إضافة إلى الذهب الأسود.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.