تمثال لابن رشد في قرطبة في اسبانيا
تمثال لابن رشد في قرطبة في اسبانيا

بقلم رياض عصمت/

مرت ذكرى وفاة المخرج العربي المعروف يوسف شاهين في 27 يوليو/تموز 2008 مرور الكرام، لكن من المهم أن نتذكر أحداث وشخصيات فيلمه "المصير" (1997)، الذي نال بسببه ربما تكريم "مهرجان كان" السينمائي بالسعفة الذهبية عن إنجازات عمره، إذ إن الفيلم سيخلق في أذهاننا اليوم قدرا كبيرا من الاستغراب، لأنه تمتع بقدرة غريبة على التنبؤ بما بدأ بالحدوث منذ العام 2011 في البلدان التي عصفت بها رياح الربيع العربي.

ربما عاب بعض الباحثين الأكاديميين على فيلم "المصير" افتقاره لبعض الدقة التاريخية، لكن مخرجه يوسف شاهين قصد التركيز على جانب الإسقاط السياسي أكثر من الالتزام بعرض التاريخ بصورة متحفية.

يرسم "المصير" بأسلوب سينمائي بصري وحوار كتب بالعامية المصرية عصر العالم الفيلسوف ابن رشد في الأندلس، الذي حاول أن يكون المرشد الأمين للخليفة المنصور في الأندلس، محذرا إياه من مغبة غض النظر عن استفحال التطرف في مملكته، ومن الإصغاء إلى نصح المنافقين وأكاذيبهم الملفقة. لكن الخليفة المنصور سرعان ما ينبذ ابن رشد ويهمش دوره كقاض، بل ويقصيه عن بلاطه، لأنه لا يستسيغ الإنصات إلى صوت الحق، ولا يحب أن يبصر الحقيقة.

اضطر الاضطهاد الظالم ابن رشد للرحيل إلى المغرب ليتوفى ويدفن هناك، وعاشت أفكاره من بعده

​​خلال حبكة الفيلم، نرى بأم أعيننا تحذير ابن رشد يصدق، فالتطرف يلد إرهابا ما يلبث أن يشكل خطرا جسيما وداهما ليس على ابن الخليفة الذي كان يهوى الرقص فقط، بحيث يغسل دماغه ويجعله ينضم إلى أولئك المتطرفين من الحشاشين، بل يهدد باغتيال كل من يعارض خططهم في هرم السلطة، إضافة إلى اغتيال الأفكار وتخدير الناس بوعود الجنة المرتقبة مقابل تحويلهم إلى أدوات قتل في خدمة زعيمهم الذي يشبه قادة "داعش" و"النصرة"، وذلك قبل سماعنا بتلك التنظيمات بخمسة عشر عاما.

يصور الفيلم كيف يتلاعب بعض رجال الدين المتملقين بالخليفة المنصور، وكيف يتآمرون على حكمة ابن رشد بتمجيدهم المنافق للحاكم، حتى يغضب على صديقه الفيلسوف الصادق لمناوأته قراراته الخاطئة المبنية على الغرور والتعنت. هكذا، بينما تتجمع في الأفق غيوم حرب طاحنة تهدد أمن واستقرار البلاد، يعامل ابن رشد معاملة مهينة وتحرق كتبه علانية من قبل رقابة متشددة لا تسمح بحرية التفكير أو التعبير.

اقرأ للكاتب أيضا: هل ثمة مهمة مستحيلة في عصرنا؟

درك الخليفة المنصور متأخرا تفاقم الخطر الذي حذره منه ابن رشد، وأهمله عن غرور وصلف، ويضطر أن يواجه متأخرا بالقوة المسلحة قوى الظلام التي تطبق على مملكته في زمن بدأت الأندلس فيه تتفتت تحت وطأة صراعات ملوك الطوائف. هكذا، يكتشف الخليفة بعد فوات الأوان أن إسفينا ضرب عميقا في صلب دولته وشق بنيانها الذي كان يخاله متينا وراسخا. أما الفيلسوف الزاهد ابن رشد، فلا يأبه بنفيه، وبالأحرى لاضطراره إلى الهجرة لمصر هربا من أولئك الجهلة الرعناء الذين أقدموا على حرق كتبه، بل لا يحزن حتى لحرقها لأن تلامذته ومريديه نسخوها بخط اليد ووزعوها في مختلف أرجاء الأرض. إننا نرى ابن رشد موقنا في نهاية فيلم يوسف شاهين أن الأفكار لا تموت.

يعتبر "المصير" نقطة بارزة في المسيرة السينمائية لصانع أفلام "باب الحديد"، "الناصر صلاح الدين"، "الأرض"، "العصفور"، "حدوتة مصرية" و"بونابرت"، وهو الفيلم الذي جعل مهرجان "كان" السينمائي الفرنسي الشهير يكرم يوسف شاهين على مجمل إنجازاته السينمائية.

تنبأ فيلم "المصير" ببصيرة ثاقبة بعدة أمور لم تكن مألوفة أو متوقعة في زمانه، وهي خطر استفحال التطرف، حجره على العقول وتوظيفه المريدين الجهلة كي ينفذوا كالعميان جرائم قتل بشعة. تنبأ "المصير" أيضا بموقف الحاكم الذي تعمي بصيرته ديباجات المديح الزائف، فيغضب لدى سماعه أي انتقاد أو نصح أمين، فيعزل ابن رشد الذي أراد أن يهديه إلى ما هو خير له ولمملكته. من ناحية ثالثة، تنبأ يوسف شاهين بخطر الرقابة المتشددة، التي تقدم على إحراق الكتب لتمنع انتشار الأفكار الجريئة بين عامة الناس، كما فعلت النازية من قبل وسواها من الأنظمة الشمولية المستبدة. أخيرا، تنبأ المخرج الراحل يوسف شاهين بتقلب ولدي الخليفة وانقسامهما بحيث يدب بينهما الخلاف ويستفحل، ثم صورهما وقد برأ كلاهما من عناده، فرمما الصدع بينهما واتحدا في موقف وطني شريف مع أبيهما لمواجهة الأخطار المحدقة بالوطن.

يعتبر الفيلسوف والعالم والطبيب والفقيه والقاضي والفلكي والفيزيائي الأندلسي الشهير ابن رشد واحدا من أبرز وأعظم المفكرين المسلمين، إذ صحح أفكار عديد ممن سبقه من علماء وفلاسفة، مثل ابن سينا والفارابي، وكذلك جادل بعض نظريات أفلاطون وأرسطو. تم اختياره لتولي منصب قاضي القضاة في إشبيلية. لكن آراءه غير التقليدية، والتي اتسمت بالجرأة في زمانها، ألبت عليه المتطرفين والمحافظين التقليديين الاتباعيين، وجعلت الحاكم ينظر إليه بارتياب وتشكك. كانت مقولته هي: "لا يمكن أن يعطينا الله عقولا، ثم يعطينا شرائع مخالفة لها".

ثم تجرأ أكثر فقال: "التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل. فإن أردت التحكم بجاهل، عليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني".

ابن رشد: التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل

​​بالتالي، تعرض ابن رشد لحملة مغرضة من خصومه من رجال الدين، وكذلك من الساسة الحاكمين، وصلت إلى اتهامه بالإلحاد والإشراك، فصدرت الفتوى بإحراق كتبه خوفا من انتشار أفكارها المليئة بالهرطقة والزندقة، لكن بعض تلامذته المخلصين عمدوا إلى نسخها بأيديهم وتهريبها إلى مصر وأوروبا، بينما أحرقت النسخ الموجودة في الأندلس فقط، التي فرقت أهلها "حروب الطوائف" بين ملوك سذج أو مستبدين، أتاحوا بخصوماتهم للإسبان هزيمتهم فرادى، وإنهاء حضارة الأندلس العربية/الإسلامية إلى الأبد، وإن بقيت الأوابد في إشبيلية وغرناطة وقرطبة وسواها حتى الآن شواهد عليها.

اضطر الاضطهاد الظالم ابن رشد للرحيل إلى المغرب ليتوفى ويدفن هناك، وعاشت أفكاره من بعده. اشتهرت كلمته لأحد تلاميذه وهو يذرف الدموع على حرق الكتب، إذ قال: "يا بني، لو كنت تبكي على الكتب المحترقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة، وهي تطير بها إلى أصحابها. لكن، إن كنت تبكي على حال العرب والمسلمين، فاعلم أنك لو حولت بحار العالم لدموع، فلن تكفيك". يقال: "سقطت الأندلس يوم أحرقت كتب ابن رشد، وبدأت نهضة أوروبا يوم وصلتها أفكاره". تم تكريم ابن رشد عالميا في معظم جامعات أوروبا، ومنها جامعة نورنبرغ، جامعة بادو وجامعة باريس.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما ينقلب السحر على الساحر

ليس فيلم "المصير" وحيدا في تركيزه على الإسقاط السياسي. هناك عديد من كتاب المسرح والقصة والرواية والشعر من المبدعين العرب ممن عالجوا موضوعات تاريخية قصدوا منها عقد مقارنة مع الواقع المعاصر، تصريحا أم تلميحا. نذكر مثلا من بين الروائيين جمال الغيطاني من مصر، وأمين معلوف من لبنان، وخيري الذهبي من سورية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

من جهة أخرى، وفي ميدان المسرح، نجد المؤلف المسرحي الإماراتي المرموق سلطان بن محمد القاسمي يضمن مسرحياته إسقاطات تاريخية متعددة على الحاضر في "عودة هولاكو"، وبالأخص في مسرحيته "الواقع صورة طبق الأصل" (عن صلاح الدين الأيوبي، التي أخرجها المخرج العراقي الراحل قاسم محمد)، وسواهما من نصوص تاريخية أراد منها القاسمي نقد الحاضر الراهن وتوجيه رسائل إلى ضرورة وحدة الصف والتضامن لمواجهة الأطماع الخارجية، وضمن فيها عن سقوط الأندلس العبارة الشهيرة التي نطقت بها أم عبد الله الصغير، آخر حكام ملوك الطوائف، حين قالت لابنها: "ابك مثل النساء ملكا مضاعا.. لم تحافظ عليه مثل الرجال ". فيلم يوسف شاهين "المصير"، بلا شك، واحد من الأفلام التي يجدر إعادة عرضها والتأمل في مضمونها، لما يحتويه من حكمة ظلت حية بعد رحيل صاحبها.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.