حجاج مسلمون على جبل عرفة
حجاج مسلمون على جبل عرفة

بقلم محمد المحمود/

منذ أكثر من قرن والحديث عن الإصلاح الديني ـ بهذه الصفة: الإصلاح الديني ـ يتكرر على ألسنة المعنيين بحركة النهوض الإسلامي؛ بعد أن استوعب معظم المسلمين حجم التخلف المروع الذي يغرق فيه العالم الإسلامي على امتداد جهاته الأربع. في كل قطْر مركزي من هذا العالم المنكوب بتخلفه الطويل، يتكرر هذا "العنوان التقدمي: الإصلاح الديني" الذي يعكس هموم اللحظة التاريخية على نطاق واسع؛ مما يوحي بأن ثمة إجماعا نسبيا على أن "نمط التصورات الذهنية الدينية" التي تحكم مجمل الوعي العام للمسلمين هو المسؤول عن هذا التخلف، أو هو ـ على أقل تقدير ـ المسؤول عن "طبيعة الاستجابة" للتحدي الحضاري المعاصر، تلك الاستجابة التي تحدد طبيعتها مسار الخيارات الكبرى التي تصنع التاريخ الخاص/ الواقع الخاص.

من المهم التأكيد على أننا لا نتحدث هنا عن الإصلاح الديني الخافت/ البعثي/ الإحيائي، الذي طرحته تلك الحركات التقليدية التي كانت تحاول التماهي ـ بادعاء التطابق التام ـ مع التجربة الأولى/ مع الحقيقة الأولى، أو على الأقل، بالتماهي مع عصر تتوهمه العصر المثالي لتموضع الإسلام في الواقع. فهذه الحركات وإن كانت تتوفر على شيء من الإيجابية في قدرتها على تحريك السكون/ الجمود الاجتماعي، إلا أنها لا تستطيع تقديم شيء ذي بال يضمن للمسلمين التصالح مع هذا العصر/ هذا العالم المختلف جذريا عن كل عوالم التاريخ السابقة. كل ما تقدمه هذه الحركات الإصلاحية/ الإحيائية من إجابات/ مقترحات، هي إجابات صالحة ـ وإلى حد ما ـ لتكون استجابة لأسئلة الماضي، لا أسئلة الحاضر التي تحتاج لمنطق جديد يختلف تماما عن منطق أسلافنا الكرام.

هذا النقد الذي يُنتظر أن يقوم به الباحثون الأفذاذ على نطاق واسع يجعل هذا التراث الديني غير صالح لاستخدامه من قبل الأصوليين المتطرفين

​​لا بد أن يبدأ الإصلاح الديني من نقد البنى العامة/ الكلية للرؤية الدينية السائدة، ومن ثم إلى إجراء تغييرات جذرية وشاملة على مجمل الأنظمة الحاكمة للسلوكيات العامة. لا يجدي أن يظهر بين الحين والآخر تطور في هذه المسألة الدينية/ الجزئية، أو تلك، في هذا الظرف العابر أو ذاك، كما لا يجدي أن يقوم بهذا الإصلاح المنتظر بضعة أشخاص ـ معزولين أو شبه معزولين ـ يحدثون إلى الناس من خارج المؤسسات والمرجعيات الكبرى الموثوقة على امتداد العالم الإسلامي.

فهؤلاء الأشخاص/ الأفراد المجتهدون حتى وإن تقدموا باجتهادات تجديدية/ إصلاحية تطال مجمل الرؤى الدينية، فإنهم، ومهما كانت درجة ذكائهم وأصالة ما يطرحون، لن يستطيعوا كسر المغلقات الذهنية الصلبة التي تحكم وعي الجماهير، وبالتالي لن يستطيعوا التأثير على مجرى التاريخ الخاص بالـ"أنا"، على الأقل في المدى المنظور المحكوم إلى حد كبير بخيار الجماهير في زمن الجماهير.

اقرأ للكاتب أيضا: إشكالية الجهاد في الخطاب الإسلامي

مع هذا، لا ينبغي التقليل من أهمية هذه الجهود النادرة التي يقوم بها باحثون كبار، إذ على الرغم من ندرتها وعزلتها تبقى محفزة للخطاب الثقافي الأوسع/ الأعم، وهو بدوره محفز لكثير من المتطلعين للتغيير والتجديد داخل النسق الديني، أقصد أولئك المتدينين/ رجال الدين الذين يدركون ـ بدرجة ما ـ أزمة الخطاب الديني ذاته؛ بقدر ما يدركون أزمة الواقع الاجتماعي الإسلامي في علاقته بالعصر؛ وعلاقة الخطاب الديني العضوية بهذا التأزم المزمن.

تتضاءل فرصة ظهور عدد كبير من المناضلين الفكريين/ الثقافيين المراهنين على الإصلاح الديني؛ لخطورة من يتعرض لهذا الأمر، ولسبب آخر قد لا يكون واضحا، ألا وهو: عدم وعي كثير من المُشتغلين بالحقلين الفكري والثقافي، فضلا عن الحقل الديني، بالدور المحوري الذي يمكن أن يؤديه الإصلاح الديني في مسيرة النهوض/ التحديث، والعكس صحيح بطبيعة الحال.

يحاول العالم الإسلامي اليوم الخروج من "العصور الوسطى الإسلامية" التي تشبه ـ إلى حد كبير، وفي معظم المسارات الدينية والمجتمعية ـ العصور الوسطى الأوروبية التي تجاوزتها أوروبا منذ أربعة قرون أو أكثر. لكن، تبقى المؤسسات والمرجعيات الكبرى، الدينية والثقافية، عاجزة عن تقديم الشرط الأساسي والأولي لهذا الخروج المنتظر/ الضروري، وهو: نقد/ تفكيك التراث.

يحاول العالم الإسلامي اليوم الخروج من "العصور الوسطى الإسلامية" التي تشبه العصور الوسطى الأوروبية التي تجاوزتها أوروبا منذ أربعة قرون أو أكثر

​​هناك من يتعاطى مع هذا الموضوع الخطير بسذاجة بالغة، فيشير إلى حالات التمرد الجماهيري على الخطابات الدينية التقليدية بوصفها ظواهر عامة تعكس بوادر إصلاح ديني مضمر في السياق المجتمعي. والحق أن هذه ظواهر ساذجة، عائمة وعشوائية، وبالتالي؛ غير قادرة على بلورة رؤية عامة/ شاملة، تستطيع من خلالها امتلاك القدرة على مساءلة القناعات الراسخة/ المضادة من جهة، كما تستطيع ضمان القدرة على الاستمرار في الاتجاه ذاته من جهة أخرى. وحيث هي كذلك، فإن عودتها/ الجماهير المتمردة إلى محاضن المقولات التقليدية تبقى عودة كامنة في ذات تمردها الظاهري العاجز عن تقديم بدائل جدية ومجدية وموثوقة في هذا الاتجاه.

لهذا، لا بد من تأكيد الدور الضروري للمؤسسات/ المرجعيات الراسخة التي تقف من ورائها دول/ حكومات، أو هي تقف وراء دول/ حكومات؛ حتى يمكن اعتماد ما يحدث من تغيير خطوة حقيقية في الاتجاه الإصلاحي. لا يجوز أن ننسى أن الإصلاح الديني اللوثري اعتمد ـ كما يقول هشام جعيط (أزمة الثقافة الإسلامية، ص70) ـ على الأمراء؛ لا على الشعب. أي على قوى راسخة/ منتظمة قادرة على تعميم الرؤية وتعميقها في نسق واحد يخدم الاتجاه الإصلاحي/ الهدف المنشود؛ بصرف النظر عن الغايات التي كان ينتظرها هؤلاء من الإصلاح آنذاك، فالنتيجة أن الإصلاح أصبح حقيقة واقعية، وحقق هدفه التنويري، ولو كمقدمة ضرورية وظرفية للتنوير الإنساني الذي تحقق على يد فلاسفة التنوير العظام.

اقرأ للكاتب أيضا: الغرب مجهولا.. الغرب مكروها

أخيرا، لا بد من التأكيد على أن النقد العلمي/ التفكيكي للتراث، هذا النقد الذي يُنتظر أن يقوم به الباحثون الأفذاذ على نطاق واسع، كما يُنتظر أن تتفاعل معه المرجعيات/ المؤسسات الدينية والثقافية الكبرى لدينا، لا يحررنا من الأنساق الذهنية/ الثقافية التي تؤَسس في وعينا ـ قبل واقعنا ـ حالة التأزم التي تلقي بظلالها على كل مسارات النهوض الحضاري المأمول. أقول: لا يحررنا هذا النقد من كل هذا فحسب، وإنما يجعل هذا التراث الديني غير صالح لاستخدامه من قبل الأصوليين المتطرفين.

فكما أن "المسيحية الأوروبية عاجزة عن توليد حركات أصولية بمثل هذا الحجم والضخامة [أي كما هو الحال عندنا في العالم الإسلامي]. لماذا؟ لأن عقل التنوير مر من هنا" (قضايا في نقد العقل الديني، محمد أركون، ص171)؛ فكذلك سيكون واقع الحال بعد أن يخضع تراثنا لمراجعات نقدية مشابهة ـ إن لم تكن مماثلة ـ لما حدث للتراث الأوروبي طوال عصر التنوير.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!