سيدة منقبة في سويسرا
سيدة منقبة في سويسرا

بقلم مالك العثامنة/

الخبر المتداول "قصا ولصقا" على أغلب مواقع الأخبار العربية، يبدأ بما فحواه أن السلطات السويسرية منعت الجنسية عن عائلة "من أصل سوري"، رب الأسرة فيها "إمام مسجد" لأن الزوجين ـ حسب الخبر ـ يرفضان مصافحة الجنس الآخر على أسس دينية!

لا يذكر الخبر تفاصيل، ولا يكشف أكثر مما ورد فيه بانتقاء مستفز للقارئ أيا كان توجهه!

لكن، في البحث أكثر في مواقع إخبارية "غير عربية" أو ناطقة بالعربية مثل "الحرة" نجد القصة مختلفة في التفاصيل التي توضح وجهة النظر السويسرية، ليصبح الخبر أن شرط الاندماج في المجتمع، وهو شرط مسبق ومعلن لطالبي الجنسية، لم يتحقق لدى تلك الأسرة الرافضة للاندماج، فتم منعها من استكمال متطلبات الحصول على الجنسية (ولم يتم طردها أو المساس بإقامتها) مع إعطائها حق الاستئناف والاعتراض على القرار الرسمي السويسري!

المساواة بين الجنسين في سويسرا قيمة اجتماعية ثابتة

​​يبدو أن العائلة الرافضة للاندماج، قصتها قديمة مع سويسرا، فحسب ما بحثت في الأخبار بدأت الحكاية عام 2016، حيث فرضت السلطات السويسرية على لاجئيْن سوريين مسلمين يدرسان في بلدة ثيرويل شمالي سويسرا غرامة تصل إلى 5000 فرنك سويسري (حوالي 5050 دولار أميركي) في حال استمرار امتناعهما من مصافحة مدرستهما وفق جري العادة والعرف في المجتمع السويسري.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن.. إعادة إنتاج الدولة

لم تأت الغرامة حكما من فراغ، بل سبقها جدل واسع عصف به الرأي العام السويسري، بين معارض ومؤيد، وتدخلت منظمات إسلامية تحاول تصوير الأمر على أنه اضطهاد للمسلمين. نحن هنا لا نتحدث عن أكثر من مصافحة وهي تقليد اجتماعي محترم يمارسه السويسريون، مثل تلامس الأنوف في الخليج العربي. مع فارق أن المساواة بين الجنسين في سويسرا قيمة اجتماعية ثابتة، فالمصافحات تشمل الجنسين، ولا تحمل تفسيرا أكثر من عادات مهذبة في التواصل الاجتماعي.

تلك الحكاية منذ عام 2016، يبدو أنها تطورت في الأروقة الرسمية بين أخذ ورد ونظر في القضية لتصل السلطات هناك إلى قرار مفاده أن العائلة لا ترتقي إلى مستوى الحصول على المواطنة السويسرية. هذا منطقي جدا، أمام شيخ دين و"ما ملكت يمينه" من زوجات وأبناء، متعنت ومتشدد في موضوع الاندماج إلى حد رفضه المصافحة بين الجنسين في مجتمع احتواه وحماه ومنحه فرص متعددة لحياة جديدة.

تلك القصص حقيقية، ومتكررة بأكثر من صيغة. هناك نماذج نراها بشكل شبه يومي في مهاجرنا الأوروبية أغلبها من العالم العربي ـ الإسلامي بمشرقه ومغربه، من قادمين ووافدين أو لاجئين، يبحثون في عالم الحريات ودول المؤسسات والقانون عن عدالة اجتماعية وقانونية توفر لهم عيشا كريما، لكنهم في نفس الوقت يرفضون الاندماج المجتمعي بحدوده الدنيا مع الأوطان الجديدة، رافضين "الآخر" الذي لم يعاملهم منذ البداية "كآخرين" أصلا!

من تلك الحكايا، ذلك "الجزار" البلجيكي من أصل عربي في بروكسل، الذي يلبس ثوبا قصيرا في عمله ويترك حذاءه في المحل وحين سؤاله عن قصر ثوبه، يقول إن أرض هذه البلاد نجسة إلى أن تقوم الدولة الإسلامية عليها فتتطهر من رجسها.

تحايل هذا الرجل، بطريقة ما، على الدولة في عملية الاندماج المطلوبة للحصول على الجنسية، وبقي يحمل أفكاره المتطرفة والإقصائية حاملا ساطوره وهو يقطع اللحم.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

المؤسف أكثر من تلك الحالات، هو ما يرد من تعليقات بالآلاف على المنصات الناقلة للخبر، إعلامية أو تواصلية، حيث تحمل تلك التعليقات "الألفية" بغالبيتها تأييدا لرافض الاندماج والمصافحة بين الجنسين، بل وتحمل بعض التعليقات أراء قريبة من رأي الجزار المذكور أعلاه، بأن "فتح أوروبا" قريب، أو تعليقات تفذلك بمبالغات فانتازية مريضة وتعتقد أن أوروبا تفرض الإباحية الجنسية شرطا للحصول على الجنسية!

الإمام الرافض للمصافحة، يرفض التنوع الذي منحه المأوى الآمن والملجأ الكريم

​​طبعا، من نافل القول والشرح، وجود فئات وكتل اجتماعية محافظة في أوروبا، كما فيها كتل مقابلة متحررة. تتفاوت نسب المحافظة والتحرر في كل جهة في مجتمعات متنوعة تقبل الآخر، ولا تلغيه، وتتداعى في ذلك التعدد المجتمعي الآراء والأفكار لتشكل في حال نضوجها المجتمعي والفكري تيارا قد يتطور إلى تشريع أو قانون حسب قانون الأغلبية واحترامها للأقلية.

اقرأ للكاتب أيضا: الملك عاد.. حقا عاد

لكن، الإمام الرافض للمصافحة، والذي ينقل لأولاده التشوه الفكري الذي ورثه من ثقافات صحراوية لا تمت أصلا لبلاد الشام بأي صلة، يرفض كل هذا التنوع الذي منحه المأوى الآمن والملجأ الكريم، ويريد ـ حسب موروثه المشوه لا الأصيل ـ أن ينشئ من أعقابه جيلا آخر من العتمة والتشدد والتطرف.

نعم، أنا أيضا مهاجر، ومن حقي أن أخاف على مستقبلي ومستقبل أولادي من هؤلاء المنغلقين على عتمتهم وجهلهم، كما أن من حقي أن أكون محافظا أيضا في أفكاري وقيمي أمام موجة تطرف التحرر وطفرة الليبرالية الاجتماعية العاصفة بالعالم، ومثلي مثل غيري لا أريد أن أعيش إلا ضمن إنسانيتي.. لا أكثر، ولا أقل، وسأحارب وأكافح كل تطرف بالقانون، وضمن دولة المؤسسات.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!