أردوغانيلقي خطابا في البرلمان
أردوغانيلقي خطابا في البرلمان

بقلم حسين عبد الحسين/

في كراسات التاريخ التي عممها مصطفى كمال أتاتورك على شعبه، أن الحلفاء فشلوا في احتلال تركيا بسبب انتصاره الأسطوري والمحوري في معركة غاليبولي. صحيح أن انتصار أتاتورك جنب السلطنة انهيارا كاملا في وقت كانت الحكومة العثمانية تستعد لإخلاء العاصمة اسطنبول، إلا أن الحلفاء لم يبذلوا جهدا مماثلا للذي بذلوه في احتلال مناطق عثمانية أخرى اعتبروها استراتيجية، مثل العراق، الذي غرقت القوات البريطانية في مستنقعاته الجنوبية، لكنها لم تتراجع، بل كررت حملاتها العسكرية حتى فرضت سيطرتها عليه بالكامل.

أما سبب تلكؤ الحلفاء في احتلال تركيا، فيعود لقلة أهميتها الاستراتيجية، إذ بعد شق قناة السويس وقيام الكويت بحماية بريطانية، لم تعد تركيا على طريق الهند. ومع استيلاء الحلفاء على الولايات العثمانية العربية، استولوا على حقول النفط العراقية وعلى المساحات المطلوبة، في سورية ولبنان وفلسطين، لوصل هذه الحقول بموانئ المتوسط.

مع اقتراب موعد الانفجار الاقتصادي، وبدلا من العودة إلى الإصلاح، راحت السلطنة العثمانية تشعل الشعور القومي والإسلامي

​​بقيت تركيا الجريحة خارج الحرب العالمية الثانية، لكنها انضمت للتحالف الذي قادته الولايات المتحدة في الحرب الباردة، ربما ليس حبا بأميركا والديموقراطية، بل خوفا من أن يبتلعها الاتحاد السوفياتي، الذي جاورها بضمه جورجيا وأرمينيا في الشرق، وهيمنته على بلغاريا في الغرب. هكذا، صارت تركيا في عداد "تحالف الأطلسي" للديموقراطيات، مع أن أحوالها بقيت على حالها: ديكتاتورية عسكرية محاطة بفاسدين، بلا حرية ولا ديموقراطية ولا اقتصاد.

وفيما شهد مطلع القرن العشرين تحول الإمبراطورية العثمانية إلى ديكتاتورية تركية هامشية عالميا، شهدت نهاية القرن صعود الجيل الأول من الإسلاميين الأتراك، الذين قدموا أداء في الحكم أفضل اقتصاديا من العسكر، وزاحموهم على السلطة. فأطلق الجيش ماكينة القمع لكنه خسر المعركة، فسيطر الإسلاميون بالكامل، خصوصا بعد فشل انقلاب 2016.

اقرأ للكاتب أيضا: قصة الحجر الأسود

لم تكن نجاحات الإسلاميين الاقتصادية ثابتة، فتعرضت تركيا لاهتزازات كبيرة مع بداية الألفية، وخرجت منها بدعم المنظمات الاقتصادية الدولية، التي فرضت إصلاحات. وراحت تركيا تحقق نموا باهرا مع حلول النصف الثاني من العقد الماضي.

لا تزال ماهية الصعود الاقتصادي التركي غير مفهومة. هل دفعت الصناعات الخفيفة نمو تركيا؟ أم هل مولت تركيا نهضتها الاقتصادية بالدين الحكومي؟

تجاوز دين تركيا 230 مليار دولار بالتزامن مع تضخم خارج عن السيطرة وربط الحكومة شرعيتها بنمو صار يبدو مصطنعا وممولا بالاستدانة، يبدو أنها كلها عوامل دفعت البلاد إلى حافة الانهيار. وهو الانهيار الذي يبدو أن بوادره بدأت تلوح مع تهاوي الليرة التركية وخسارتها أكثر من 40 في المئة من قيمتها منذ مطلع هذا العام. وما زاد الطين بلة تفشي الريعية والمحسوبية والمحاباة والفساد، وإنفاق الحكومة أموالها على قطاعات مفيدة سياسيا، وغير منتجة اقتصاديا.

هكذا، يبدو أن الفقاعة التركية قاربت الانفجار، وبات أن ما خاله العالم انتقال تركيا من مصاف الدول الراكدة اقتصاديا إلى واحدة من أكبر 20 اقتصادا في العالم، كان أقرب لمجرد وهم ممول بالدين ومعززا بالدعاية.

مطلع القرن الماضي، عانت السلطنة العثمانية من فساد مالي واسع واضطرابات سياسية داخلية، فثبتت على نفسها لقب "الرجل المريض". لكن بدل أن يبحث السلطان المفلس عن حلول جذرية متمثلة بإصلاحات سياسية واقتصادية، علق السلطان عبد الحميد الدستور، ونسف الحريات، واستدان لبناء مرافق عامة وتمويل نهضة اقتصادية. لكن الأساس الاقتصادي العثماني بقي ضعيفا، على الرغم من نموه المدفوع سياسيا. ويقول المؤرخ يوجين روغان إن السلطنة العثمانية لم تكن تخيفها جيوش الأوروبيين، بل مصارفهم، التي كانت أدانت اسطنبول الكثير.

الحقيقة تبقى أنه في تركيا اليوم، كما في تركيا قبل مئة عام، لا مفر من الإصلاحات الحقيقية الجذرية

​​مع اقتراب موعد الانفجار الاقتصادي، وبدلا من العودة إلى الإصلاح، راحت السلطنة العثمانية تشعل الشعور القومي والإسلامي، وخالت أنه يمكنها الخروج من أزمتها بانقلابها على شراكة تجارية مع بريطانيا كان عمرها أكثر من ثلاثة قرون، ودخلت اسطنبول في تحالف مع برلين ضد التحالف الغربي.

وبدلا من أن تخفي الحرب الكونية الأولى عورات السلطان، كشفتها، ومضى مقاتلو الجيش التركي حفاة جائعين إلى معاركهم، حسب المؤرخة ليلي فواز. وعلقت اسطنبول المشانق للمعارضين السياسيين من بيروت إلى يريفان. لكن استعراض القوة عالميا عجل من انهيار السلطنة داخليا، بدلا من أن يؤجله، وبانت الأمور على حقيقتها: السلطان مفلس، ولا بديل لديه غير الإصلاح الحقيقي، الاقتصادي والسياسي. وهو إصلاح لم يأت، فانهارت السلطنة.

اقرأ للكاتب أيضا: قصتي مع اسمي الشيعي

اليوم، بعد قرن على انهيار السلطنة على المسرح العالمي، تعود تركيا إلى محاولة تشتيت الأنظار عن داخلها الضعيف بتظاهرها وكأنها قوية وماكرة دوليا. تغازل روسيا لاعتقادها أنها تثير غيرة أميركا. تشعل شعور معاداة الإمبريالية والغرب وأميركا. تصرخ. تهدد. تثير الشعور الإسلامي بقولها إن "الله معنا".

لكن الحقيقة تبقى أنه في تركيا اليوم، كما في تركيا قبل مئة عام، لا مفر من الإصلاحات الحقيقية الجذرية: إطلاق الحريات السياسية، دعم استقلال القضاء ونزاهته، التمسك بالديموقراطية بما في ذلك تداول السلطة، ومحاربة الفساد والمحاباة. كل ما عدا ذلك لن يغير في مجرى الأحداث التركية، ولن يسمح للأتراك بتفادي الانهيار، فالمشكلة المزمنة لا تزال نفسها على مدى قرن: السلطان مفلس.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.