الاحتفال باستقلال دولة جنوب السودان (أرشيف)
الاحتفال باستقلال دولة جنوب السودان (أرشيف)

بقلم منصور الحاج/

في هذا الجزء، سأتطرق إلى جانب مهم لم يحظ بكثير من التحليل والنقاش وهو موضوع التمييز الذي يمارسه السود على بعضهم بعضا. وهو تمييز قائم على الاعتقاد بوجود أفضلية مردها الانتماء العرقي أو القبلي أو درجة اللون أو المهنة أو الديانة أو الجنسية أو الطبقة الاجتماعية والمعايير المحددة للجمال والقبح وغيرها من العوامل.

الهدف من مناقشة هذه الظاهرة، هو رفع الوعي في أوساط السود وخاصة أولئك الذين يشتكون من العنصرية ولكنهم يمارسونها على غيرهم في الوقت نفسه. وقد وقفت شخصيا على عديد من هذه الحالات التي يمارس فيها أشخاص سود العنصرية على غيرهم ويتعالون عليهم.

في تشاد مثلا، يتعالى أبناء من ينسبون أنفسهم إلى القبائل العربية على السود ويصفونهم بـ"النوبة" احتقارا لهم وتقليلا من شأنهم

​​ففي السودان، على سبيل المثال، يتعالى كثير ممن ينتمون إلى قبائل تدعي أنها ذات أصول عربية، أو أصحاب البشرة الأقل سوادا، على السود من أبناء القبائل النيلية أو على رعايا دول غرب وجنوب إفريقيا ويطلقون عليهم أوصافا مسيئة.

ويعتبر التمييز الذي واجهه أبناء جنوب السودان بسبب اللون أو الديانة من أكثر الأسباب التي دفعت الجنوبيين إلى تفضيل الانفصال على الوحدة في الاستفتاء الذي أجري في عام 2011. والأمر نفسه بالنسبة لأبناء مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق وأبناء إقليم غرب السودان، الذين يتعرضون للتمييز بسبب لون البشرة ممن يعتبرون أنفسهم أرفع قدرا وأعلى مكانة بسبب الانتماء القبلي.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية

ولأن داء العنصرية لا يقتصر على جماعة معينة، فإن القبائل المكونة لدولة جنوب السودان الوليدة يمارس بعضها التمييز ضد الآخرين. فأبناء قبيلة الدينكا، مثلا، يرون أنهم الأحق بتولي المناصب الحكومية دون غيرهم من أبناء القبائل الأخرى، نسبة لأنهم كانوا يمثلون النسبة الأكبر في الجيش الشعبي لتحرير السودان، الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان. ويرون أن التضحيات التي قدمها أبناؤهم خلال سنين الحرب تعطيهم الحق في الاستئثار بنصيب الأسد من المناصب الحكومية.

يتكرر المشهد نفسه تقريبا في دول كالصومال وجيبوتي وكينيا، حيث يمارس من ينتمون إلى القبائل ذات النفوذ والقوة العنصرية البغيضة على الأقليات مثل البانتو، ويعتقدون أنهم أعلى منهم شأنا وأرفع قدرا فلا يختلطون بهم ولا يتزاوجون معهم.

وفي تشاد مثلا، يتعالى أبناء من ينسبون أنفسهم إلى القبائل العربية على السود ويصفونهم بـ"النوبة" احتقارا لهم وتقليلا من شأنهم. بل حتى أبناء القبيلة الواحدة يمارسون العنصرية على بعضهم بعضا فيحتقرون مثلا أبناء عمومتهم الذين اشتهر أجدادهم بالعمل في مهنة الحدادة مثلا. كما يتجلى التمييز بشكل واضح في التعامل مع أبناء الجنوب بسبب شدة السواد أو الديانة.

وفي موريتانيا، أيضا، تتجلى هذه الظاهرة بشكل صارخ. فيمارس من يوصفون بـ"البيضان" العنصرية على أبناء المكونات الأخرى للمجتمع الموريتاني كطبقة "المعلمين" أو أبناء أصحاب المهن الحرفية كالحدادة. وما استمرار العبودية في موريتانيا إلا مظهر من مظاهر ترسخ عنصرية أصحاب البشرة السوداء على من يرون أنهم أقل منهم شأنا.

وكما أوضحت في الأجزاء السابقة، فإن فكرة هذه المقالات هي قراءة واقع السود قراءة نقدية وتعريف السود، الذين يتعرضون للاضطهاد بسبب لون البشرة، بأهمية الدور الذي لعبوه في التاريخ الإنساني وإبراز أوجه الجمال والإبداع والتميز للسود على مدار التاريخ، من أجل تنشئة أجيال واعية لا ترى في سواد البشرة منقصة بل على العكس محل فخر واعتزاز.

الجمهور الذي أستهدف الوصول إليه، هم السود الذين يعانون من العنصرية بسبب لون البشرة، ولم يفكروا يوميا في مزايا اللون الأسود ولم يتأملوا في الأوجه الجمالية للسود والأدب الذي كتبه السود والتاريخ النضالي لأجدادهم والمستقبل الذي ينشده السود. أما السود الذين وجدوا ضالتهم في هويات أخرى وانصهروا فيها وتكيفوا معها ولم يعد لون بشرتهم يشكل عائقا لهم أو عاملا مؤثرا في كل تفاصيل حياتهم اليومية، فهم غير معنيين بما أطرحه هنا. ففي نهاية المطاف، لكل شخص الحق في اختيار الهوية التي تناسبه والمكون الاجتماعي الذي يوفر له التقدير المناسب والمناخ الملائم للإبداع والتطور.

لأن داء العنصرية لا يقتصر على جماعة معينة، فإن القبائل المكونة لدولة جنوب السودان الوليدة يمارس بعضها التمييز ضد الآخرين

​​ولتوضيح ما سبق، أود أن أشير إلى المقطع الفكاهي المنشور على موقع "يوتيوب" والذي يحكي فيه شاب سعودي أسود عن سبب عدم تهنئته بسيارته الجديدة من نوع "لكزس" قائلا: "إذا كشخت قالوا خوي وإذا شلت الشماغ قالوا سواق"، في إشارة إلى اعتقاد الناس أنه ليس مالكا للسيارة، وأن سبب قيادته لها يعود إما لكونه "خوي"، أي أحد مرافقي الأمراء في حال ارتدائه الزي الرسمي، أو لأنه يعمل سائقا لصاحب السيارة في حال عدم ارتدائه له. والشاب، وإن اعترف في مقدمة فقرته الكوميدية بأنه أسود البشرة ويفتخر بذلك، إلا أنه يرى بأنه أعلى قدرا من غيره من السود نسبة لانتمائه القبلي ربما أو الوضع الاجتماعي لأسرته من "الأخوياء" وممن يعملون في مهنة قيادة السيارات.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية (2)

هذا المقطع، وإن كان كوميديا، إلا أنه يلخص واقع عنصرية السود ضد أبناء جلدتهم لاعتبارات تختلف باختلاف المكان والزمان والثقافة والموروث الاجتماعي، الأمر الذي يجعل من المهم أن ينظر السود الذين يطالبون الغير باحترامهم ومنحهم حقوقهم الأساسية إلى أنفسهم أولا والتخلص من عنصريتهم ضد الآخرين إن أرادوا فعلا تغيير نظرة المجتمع إليهم. وفي هذا الباب يصدق قول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

عود على بدء، فإن تغيير واقع السود في الدول العربية يتطلب قدرا كبيرا من الوعي، لفضح كل الممارسات العنصرية والأسس التي تستند عليها، من أجل بناء مجتمعات تحظى جميع الشرائح المكونة لها بالتقدير والاحترام بعيدا عن التعالي والنرجسية، وخالية من كل مظاهر العنصرية الظاهرة منها والباطنة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.