كمال جنبلاط في صورة تعود لعام 1958
كمال جنبلاط في صورة تعود لعام 1958

بقلم حسن منيمنة/

ثمة خصوصية فريدة للطائفة الدرزية في جميع بلدان المشرق ـ لبنان، سورية، إسرائيل، فلسطين، الأردن. هي عدديا ضئيلة الحجم، في كل من هذه البلدان. فأعلى نسبة تبلغها، في لبنان، قد لا تزيد إلا قليلا عن خمسة بالمئة من مجموع السكان. ولكنها في أكثر من موقع تحظى بنفوذ أو حضور يتجاوز وزنها العددي بأشواط، وصولا إلى أن يكون لزعامتها السياسية أو الروحية دور حاسم في ملفات عدة.

فرادة الطائفة الدرزية تبتدئ بهويتها الدينية. موضوعيا وعمليا، الدين الدرزي قائم بذاته. عقائده الإيمانية، نصوصه، شخصياته التأسيسية، سوابقه المرجعية، جميعها تختص به دون غيره وتتباعد في تفاصيلها كما في ماهياتها عن سائر الأديان الحاضرة في جواره.

الكتمان ليس مسألة عرضية في الدين الدرزي، وهنا وجه آخر من أوجه الفرادة فيه

​​وإذا كان ثمة مسعى إلى إدراجه في سياق إسلامي، انطلاقا من الخلفية الشيعية الإسماعيلية التي أطرت نشأته، فإن في ذلك الكثير من التكلف، بل التدليس. فالدين الدرزي منقطع بالكامل عن الإسماعيلية، فيما الإسماعيلية بدورها تقع على مسافة كبيرة في قراءاتها العقدية وممارساتها الشعائرية من التوجهات الشيعية الرئيسية، الإمامية والزيدية. وإذا كانت المراحل الماضية قد تطلبت بعض التماهي الشكلي مع المحيط الإسلامي، فإن الدافع هنا بحاجة إلى قدر من المراجعة.

غالبا ما يجري إدراج الإبهام في الهوية الدرزية في سياق روايات المظالم على أنه حاجة دفاعية للطائفة درءا للاضطهاد. غير أنه ثمة جانبا آخر مهملا في هذا التصوير، وهو أن الدروز، أصحاب الدين المتشكل بعد قرون من الدعوة الإسلامية، بفعل وجودهم وعزتهم وسطوتهم، مع استعدادهم للتعامل البناء مع الدول السلطانية الإسلامية، قد نقضوا فعليا الحكم الفقهي الذي اشترط أنه لا يقبل دين بعد الإسلام. فالإبهام في هويتهم كان حاجة فقهية، بغض النظر عن أي شأن دفاعي للدروز أنفسهم، لتجنب الإقرار بهذا النقض. أي أن التماهي مع الظاهر الإسلامي جاء لالتماس الأعذار للدول السلطانية الإسلامية في تعاملها الندي مع الدروز.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة المارونية في لبنان: الإنجاز الحاصل والتأطير الملتبس

ولم يكن في هذا المنحى الشكلي أي زعم على مستوى الهوية الذاتية أو على مستوى الصفة الملقاة من الخارج. أي أن الغالبية العظمى من الدروز بالأمس لم يقدموا واليوم لا يقدمون أنفسهم على أنهم مسلمون، ولا يعتبرهم الآخرون، من مسلمين وغيرهم، أنهم على الإسلام.

ثم أن الكتمان ليس مسألة عرضية في الدين الدرزي، وهنا وجه آخر من أوجه الفرادة فيه. فخلافا لسائر الأديان في محيطه، والتي لا تتضمن أصنافا أو درجات من المؤمنين، باطنية الدين الدرزي تفرز الدروز إلى عامة وخاصة. وحصة العامة من الدين قليلة، تقتصر لدى العديدين على تلاوة القَسَم الديني (ميثاق ولي الزمان) عند بلوغ الأهلية، فيما الخاصة أو "العقّال" تنطبق عليهم جملة واسعة من القيود والشروط والمراحل في ترقيهم في دينهم.

على أن الثقافة الدرزية قد استعاضت عن الفروض والشعائر بالحمية والعزة الجماعية، فغياب الأشكال الظاهرة من الممارسة الدينية لا يفيد تمكسا أقل لدى الدروز بهويتهم الدينية ولا يعترض استتباب قناعتهم، كما قناعات غيرهم، بأنهم الصفوة. بل يشهد لهم، على مدى تاريخهم الطويل، وعلى الرغم من تكرر الانقسام في صفهم بين القيسية واليمنية، ثم بين اليزبكية والجنبلاطية، أنهم قد ألزموا محاوريهم الإقرار بأولوية التعاضد الطائفي في أوساطهم.

تصلح الإشارة الى حادثة تبين كيفية تمكن هذه الطائفة الصغيرة من المحافظة على تفردها واستقلاليتها، وتعود إلى مطلع القرن السادس عشر وقدوم العثمانيين إلى بلاد الشام، والتي كان يحكمها حينئذ المماليك. انقسم الدروز فريقين، أحدهما حارب إلى جانب المماليك، والآخر انضم إلى العثمانيين. وإذ أبلى كل فريق البلاء الحسن، فإن شرطه كان ألا يحارب أبناء ملته. وبعد انتصار العثمانيين، تمكن فريق الدروز المناصر لهم من الشفاعة للفريق الموالي للمماليك. ثلاث خصال لدى هذه الطائفة تتجلى هنا: قدرة على التعبئة والأداء، تضامن داخلي صارم، ولاء وثبات إزاء المعاهدين.

هي الصفات التي حافظت على الدروز كجماعة ذات عزة على مدى القرون، إذ هي الصفات التي تستنفر الجماعة لصالح الفرد، وإن إلى حد الغلو، ولكنها كذلك الصفات التي تغلب الجماعة على حساب الفرد. وهي عينها الصفات، بجدواها وإشكاليتها، التي طبعت الدروز خلال القرن الفائت.

انتقل المشرق في المئة عام الماضية من منطق الفرقة المنفردة إلى خطاب الجماعة المتحدة، وإن لم يتضح له الإجماع على ماهية الجمع وطبيعة الاتحاد. الطروحات الوطنية ثم القومية ثم الأممية سعت إلى الإحاطة بالهوية السياسية، وكان على الزعامات الدرزية الاعتبار والتصرف على أساس الواقع المستجد.

ثلاثة زعماء دروز، في دول ثلاث، تقدم كل منهم بمشروع مختلف في موازنته لاعتبارات التمايز والتعايش.

كمال جنبلاط، الزعيم الإقطاعي لطائفة قد تكون الأكثر تمسكا بأعرافها وتقاليدها، أراد لها أن تتحول إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي"

​​في سورية، وضع سلطان باشا الأطرش، الناشط في عشرينيات القرن الماضي، نفسه وطائفته، في صلب الحركة المعادية للانتداب الفرنسي، رافضا الخطة التي لحظت فصل جبل الدروز إداريا عن سائر سورية، مفضلا الالتزام بالهوية السياسية العليا الجامعة، بما يصون الخصوصية الدينية والثقافية والاجتماعية للدروز في سورية. شكل سلطان باشا الأطرش استمرارا لصيغة زعامة متكررة خلال ألفية الدروز لا ترى التعارض بين المصلحة الذاتية للطائفة وبين الواقع التعددي (قبل الاصطلاح). مشروع سلطان باشا الأطرش كان المشروع الوسطي الذي يعتبر ضمنا أن الصيغة التاريخية للتمايز والتعايش لا تزال صالحة وإن احتاجت إلى تموضعات جديدة.

في إسرائيل، والتي أشهرت استقلالها في سياق من الاستقطاب الحاد بينها وبين جوارها، بل داخلها أيضا في الالتباس في هويتها السياسية بين الرؤية الدينية القومية التي ترى البلاد موطنا لليهود أولا حيثما كانوا في العالم، وبين التصور الحداثي والذي يعتبر أن إسرائيل هي الوطن لمواطنيها وإن غلب الطابع اليهودي عليها، كان للشيخ أمين طريف، الوجه الدرزي الأبرز من خمسينيات القرن الماضي وصولا إلى تسعينياته، نهجا مختلفا عن الصيغة التاريخية التي أبقى عليها سلطان باشا الأطرش.

مع هذا النهج، جرى اعتبار الدروز قومية قائمة بذاتها، فلا تصنفهم الدولة الإسرائيلية عربا ولا فلسطينيين، بل لهم مناهجهم الدراسية المستقلة، وخدمتهم العسكرية واجب فردي عليهم، بل جرى الدفع ثقافيا باتجاه قدر من التماهي بين الدرزية واليهودية، من إيجاد الروايات (الضعيفة) والتي تتيح الاشتراك بالمزارات، إلى إطلاق حركات درزية صهيونية، وإن كان طرحها على قدر واضح من التصنع والتزلف.

مال مشروع الشيخ أمين طريف إلى تحبيذ التمايز على حساب التعايش كوسيلة لصون الطائفة، فالدروز ليسوا جزءا من كل، بل هم شريك منفصل للفئة الغالبة. رغم استتباب الغلبة لهذا المشروع وترسخها على مدى العقود الماضية، فإنه قد شهد معارضات متواصلة داخل الصف الدرزي في إسرائيل. وقد تعرض هذا المشروع لاهتزاز خطير مع إقرار قانون يهودية الدولة أخيرا، إلا أن الأصوات الدرزية المعترضة على هذا القانون تبدو معنية أولا بالإساءة التي تطال الطائفة الدرزية منه، لا بتعارضه مع منطق المواطنية.

في لبنان، ومن قلب الأسرة الجنبلاطية المتربعة على كرسي الزعامة الدرزية من أكثر من قرنين، جاء المشروع الأكثر جرأة وخطورة بحق الواقع الدرزي. كمال جنبلاط، على الخلاف من سلطان الأطرش وأمين طريف، لم يعمد إلى الخطوات التي تحتاج إلى الاستقراء لتبين وجهتها. بل، من الخمسينيات إلى السبعينيات التي نشط فيها، كان لجنبلاط رؤية صريحة، بل رؤيا متسعة، للانتقال بالطائفة الدرزية من صيغتها التاريخية المغلقة على أكثر من صعيد، إلى حالة جديدة من الانفتاح والريادة والقيادة، للشرق أولا وربما للعالم بأسره لاحقا.

سياسيا، أراد كمال جنبلاط لطائفته أن تجعل من القيم العالمية، بصيغتها اليسارية، منطلقها الأخلاقي والمبدئي، وأن تعتمد النضال والتقدمية في متابعتها لزخمها التاريخي. كمال جنبلاط، الزعيم الإقطاعي لطائفة قد تكون الأكثر تمسكا بأعرافها وتقاليدها، أراد لها أن تتحول إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي"، العضو في الأممية الاشتراكية، والطرف الرائد في الحركة الوطنية اللبنانية، والشريك العلني للثورة الفلسطينية في حربها المرتبكة لتحرير فلسطين كما في قرارها المذهل بأن "طريق القدس تمر من جونية".

دينيا، بنى كمال جنبلاط على التقارب الجلي بين العرفان الدرزي والطروحات الأفلوطينية (الأفلاطونية الجديدة)، وعلى أوجه التشابه مع النظم الروحية الهندية خاصة والشرقية عامة، كما على التماهي مع بعض المعتقدات الصوفية، ليبدأ بجهد إحياء لعقيدة درزية عالمية سمحة، يصاحبها ربما فتح لباب الدعوة بعد ألف عام على إغلاقه. ما مدى نضوج هذه الأفكار التحديثية وجدية الخطوات المتوافقة معها، ولا سيما أن كمال جنبلاط أشار إليها علنا في أكثر من مقابلة وكتاب؟ سوف يبقى الجواب على هذا السؤال مستعصيا. فقد قتل كمال جنبلاط عام 1976، وانتهى معه مشروعه.

بعد زهاء العقدين من مقتل كمال جنبلاط، احتضن شيخ عقل الطائفة الدرزية بهجت غيث، في أجواء خلافية محتدمة، محاولة أخرى لوضع الدين الدرزي في سياق أوسع. وإذا كان كمال جنبلاط قد سعى إلى ترسيخ الدين الدرزي في صلب التجربة المعرفية التاريخية الإنسانية، فإن المحاولة التالية اعتمدت غيبيات القرن العشرين، من "العصر الجديد" الغربي وروحانياته الاستهلاكية والملتبسة، وصولا إلى لمحات من مقولات الأشقاء الكونيين والمخلوقات الفضائية الوافدة إلى كوكب الأرض. وسرعان ما تلاشت.

من رصانة تجربة سلطان باشا الأطرش، بسعيها إلى إعادة صياغة الموازنة بين التمايز والتعايش، مرورا بالمخاطرة التي لجأ إليها الشيخ أمين طريف في تغليبه لتمايز قد يؤدي إلى العزل والاستفراد، وصولا إلى المغامرات الطموحة، الجريئة والمتهورة، لكمال جنبلاط، ومتابعاتها في اتجاهات مختلفة ومخالفة، سياسيا ودينيا، بعده، ثمة إجماع لدى الشرائح القيادية للطائفة الدرزية أن واقع منظومة الدول القائمة يفرض الحاجة إلى مقاربات جديدة.

التجربة اليزيدية، حيث أقدم "شرعي" من البحرين على قراءة مختزلة للتاريخ ومبتذلة للفقه، ليقرر أن اليزيديين "كفار أصليون ومحاربون"، وليجيز قتل رجالهم وسبي نسائهم وأطفالهم، تكشف بوضوح أن زمن الكتمان قد ولى. وليس المقصود هنا كتمان الدروز لدينهم، بل تدليس الفقهاء حول "أموية" اليزيديين و"تنوخية" الدروز.

مال مشروع الشيخ أمين طريف إلى تحبيذ التمايز على حساب التعايش كوسيلة لصون الطائفة

​​ففيما الأوساط الدرزية أمام استحقاق مستمر يواجهه الناشطون، ابتدأ قبل شكيب أرسلان في عشريات القرن الماضي وسوف يستمر بعد أمل كلوني في عشريات القرن الحالي، لإيجاد السبل العملية والصيغ المقبولة لاستيعاب حداثة يرفض الواقع الدرزي فجاجتها، فإن هذا الواقع بحد ذاته قادر أن يفرض على التأطير الثقافي الإسلامي الممعن في التشدد، بغض النظر عن أحوال الحركات السياسية الإسلامية أو المؤسسات العلمائية الإسلامية، تحديا يدعوه إلى مواجهة استحقاق آخر له.

​​آن أوان إزالة الإبهام والتصريح بأن الدين الدرزي دين مستقل، بأبعاد سابقة لقدوم الإسلام، وأخرى متجاوزة له إلى لقاءات مع أرصدة دينية بعيدة عنه، نشأ بعد الإسلام، وفي أرض حكمتها الدول السلطانية الإسلامية. هو دين أصيل في أوطانه ومستمر في مهاجره، وجزء لا ينقطع من النسيج الإنساني والروحي والاجتماعي في المشرق. فالتحدي الذي يواجهه الفكر الإسلامي هو إيجاد الصيغة التي تقر بهذا الواقع، لا من منطلق التسليم المرحلي بالتغلب، بل على أساس الإقرار بالحق الإنساني بالحياة والحرية والكرامة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل السبيل إلى الاستنهاض هو المزيد من 'الوعي' العرقي؟

والمسألة هنا ليست "طمأنة" الدروز، فلا يبدو من مراجعة السجل التاريخي أن هذه الطائفة بحاجة إلى من يطمئنها، بل هي قادرة على الدفاع عن نفسها وإن إلى حد التعسف والإفراط. بل المسألة هي تحقيق التجانس بين الفكر الزاعم النطق بلسان المسلمين والقناعات السائدة لدى عمومهم وللتخفيف من التجاذب بين قناعاتهم الأخلاقية وبين قراءات لتراثهم الديني تلزمهم بخلافها وبقبول الظلم.

ولا شك بأنه في إنتاج الصيغة التي تحقق شكلا من هذا التجانس فائدة لمن يحتاج إليه، وتجنيبا له من الاستغلال من أطراف متشددة. غير أن المستفيد الأول هو الفكر الإسلامي عامة، والفقه الإسلامي خاصة، إذ استمرار الدور الفاعل لكل منهما رهن بتجاوبه مع الواقع الذي يعيشه جمهوره، لا الدعوة إلى اجتثاث أجزاء لا تتجزأ من النسيج الاجتماعي، ولا الزعم الكاذب بأن هذه الأجزاء تستوفي شرطا قطعيا لم تلتزم به منذ أكثر من ألف عام.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man walks past a mural as the spread of coronavirus disease (COVID-19) continues, in the Fremont Street section of historic…

هناك شبه إجماع أن العالم بعد جائحة كوفيد-19 لن يكون كما كان عليه قبلها.

كثر يخشون "التغيير المرتقب"، لأنّ مقدماته التي بدأت تتكوّن غير مشجّعة على الإطلاق، بل... مرعبة.

الخائفون من التغيير يشعرون بعجزهم عن تصحيح المسار والتحكم بمجرى الأمور، فيلجؤون إلى استنباط أي فكرة حتى يخففوا عن أنفسهم عناء التوجس من الآتي.

يدفع هؤلاء الخائفون إلى المقدمة مفهوم "النسيان" لدى الإنسان. في اعتقادهم أن هذه "النعمة" قد تعيد العالم، رويدا رويدا، إلى ما كان عليه قبل انتشار فيروس كورونا المستجد. حجة هذا البعض على ذلك أنّ التأملات الفردية، في أثناء مراسم دفن قريب أو نسيب أو صديق، عن سخافة الطموح وعبثية الصراع، سرعان ما تتلاشى مع عودة المرء إلى يومياته.

لكنّ أصحاب "النبوءة التغييرية"، ومن بينهم مخضرمون ومجرّبون وخبراء وعلماء ومؤرخون، لا يقيمون وزنا للتجارب الفردية في استنباط ما سيكون عليه المستقبل، لأن الفرد، مهما كانت فرادته، فمنطقه ووجدانياته وتفاعلاته مع الحوادث، تختلف كليا عن آليات صناعة القرار في الدول، وهي التي تفرض نفسها وإيقاعها على الأفراد والجماعات والشعوب.

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر"، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت

إذن، فالتغيير، في عرف هؤلاء، ليس خيارا، بل قدرا. العوامل المتحكمة به كثيرة وقوية وضاغطة، من بينها: التدهور الاقتصادي، الأزمة المالية، ارتفاع المديونية، نمو البطالة، انخفاض الاستهلاك، الاستياء من "العوملة"، سيئات الـ"نيوليبرالية"، وعدم فاعلية التجمعات الإقليمية.

بناء عليه، أي مستقبل ينتظرنا؟

المشهد "أبوكاليبسي": كورونا فيروس سيقضي على ما تبقى من عقبات أمام ازدهار "الشعبوية" التي بيّنت تجارب التاريخ أنها "رحم الحروب"، وسيُنقذ أعتى الديكتاتوريات، في ظل تعويم النظريات المعادية لكل أشكال الديمقراطية.

في واقع الأمر، إن عوارض "وباءي" الشعبوية والديكتاتورية سبقت ظهور "كورونا فيروس"، لكنّ الديمقراطية كانت تملك ما يكفي من مناعة للصمود، وليس للتصدّي.

و"الشعبوية" كانت قد دخلت، على سبيل المثال، إلى "الاتحاد الأوروبي" من بوابة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، كما على البرازيل من بوابة رئيسها جايير بولسونارو. وتعزّزت النظم القمعية مع الصمت الكوني على إعلان الرئيس الصيني نفسه "رئيسا مدى الحياة"، فيما كاد يسلّم الجميع ببقاء النظام السوري، على الرغم من الأدلة الوافرة على حجم الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه.

ومع انتشار جائحة "كوفيد-19"، تعزّزت الشعبوية والديكتاتورية، فبات، مثلا، مقبولا هذا التزوير وتداعياته الخطرة مستقبلا، في بعض الدول والأنظمة، بخصوص مدى التفشي الفعلي كورونا فيروس بين السكان، في إطار ادّعاء الشعبويين بطولات وهمية وقدرات خارقة، يدعمها إعلام "ممسوك" وجماهير مرعوبة تلهث وراء "حبل النجاة"، حتى لو كان خادعا وكاذبا، كما بات متاحا، وعلى سبيل المثال أيضا وأيضا، حتى في الأنظمة التي ترفع لواء الديمقراطية، وبحجة الخوف على حياة المواطنين، أن يتم رصد حركة جميع الناس، من خلال التحكم بداتا الاتصالات، في مشهد كوني أعاد إلى الأذهان، وبقوة، نهج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

أمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب

والأدهى أن هذه الاتجاهات يكثر مؤيدوها والمدافعون عنها والمروّجون لها. وهذا بديهي، لأنه من النتائج المباشرة، للتعامل مع جائحة "كوفيد-19" على أساس أنها عدو وليست مرضا، وأن مواجهتها هي حرب وليست مكافحة.

وإعلان الحرب على العدو، يحتاج إلى عقيدة، إلى بروباغندا، والأهم إلى... جنرالات. ومن يظهر أنه الأقوى والأفعل يفرض وجهة نظره على الآخرين.

وفي هذا السياق "الحربي"، يتميّز الشعبويون لأنهم الأكثر حرفية في البروباغندا، ويتعاظم الديكتاتوريون لأنهم الأكثر أهلية لاستغلال شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فيما يُرهق الديمقراطيون الذين يخضعون لقواعد أنظمتهم حيث الشفافية، الانتقاد، التهجّم، تسخيف الإنجاز، تضخيم نقاط الضعف، المساءلة البرلمانية، انطباعات الرأي العام، الاستحقاقات الانتخابية، استطلاعات الرأي المستقلة، ومروحة واسعة من الحريات ومن بينها حرية الإعلام والتعبير.

هذا المسار المساند للديكتاتوريات، والذي بدأ يتبلور في حمأة أزمة كورونا، سوف يترسخ ويتطوّر في المستقبل، فالدول التي تدافع عن الديمقراطية ومبادئها، ستجد نفسها "منعزلة" عن مشاكل الكون، لتركّز اهتمامها ومواردها في محاولاتها تعويض ما لحق بها من خسائر فادحة، كما هي حال فرنسا التي تتحدّث عن إمكان وصولها إلى تلك الوضعية التي كانت عليها في العام 1945، أي بعد سنوات من الاحتلال النازي وبعيد تحريرها بأضخم العمليات العسكرية في التاريخ.

أما الدول الفقيرة والمأزومة، فسوف تشهد تفاقما في أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية، مما يرفع نسبة الفقر إلى مستويات تاريخية، ويقدّم هموم الرغيف على مبادئ الحرية والأنظمة الناشئة عنها.

وأمام "الفقر" هنا و"الانعزال" هناك، سوف تنتعش الديكتاتورية من جديد، ويعود زمن الصمت على سحق الشعوب.

وآفة الصمت التي ستزدهر مجددا، سبق واختبرت شعوب كثيرة تأثيراتها القاتلة، ولعلّ سوريا، في ظل نظام آل الأسد، أكبر الشواهد عليها.

فمن يتصفّح "الشق السوري" من كتاب الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسية السفير برنار باجوله "الشمس لا تشرق أبدا في الشرق" يصيبه الإحباط من الديمقراطية وحاملي ألويتها.

هذا الدبلوماسي ـ الأمني لم يكن هامشيا في مركز صناعة القرار في فرنسا، إذ كان مقربا من أربعة رؤساء فرنسيين تعاقبوا على قصر الإليزيه، وكان آخرهم فرانسوا هولاند.

ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟

في كتابه الصادر قبل سنة، يروي باجوله مستندا إلى ما عاشه كرقم 2 في السفارة الفرنسية في دمشق ومن ثم ما عرفه كرئيس لجهاز المخابرات الخارجي، (يروي) أمورا من المخجل أن تكون قد مرّت على فرنسا وحلفائها في "العالم الحر" مرور الكرام، كنوعية الاعتقالات والابتزاز والتشليح والاغتيالات والمجازر والطائفية والعائلية والسرقة والفساد و"العقد النفسية" و"الإتجار" بالعداء لإسرائيل والإرهاب.

هذه الوقائع المدوّنة في السجلات الرسمية، بالتفاصيل والأسماء والحقائق، مرّت كأنها أحداث رواية متخيّلة، عندما كانت الدول منشغلة بالتفتيش عن "عظمتها" وغارقة في "الواقعية السياسية" ولاهثة إلى تقاسم "الجبنة الاستثمارية"، فماذا تراه سوف يحصل، عندما "تعزل" الدول نفسها، بعد مرور عاصفة كورونا، من أجل لملمة خسائرها الفادحة؟

ليس من فراغ أو عن عبث، أنّ المخضرم هنري كيسنجر، ومن خلال مقاله الأخير (3 أبريل) في صحيفة "وول ستريت جورنال"، قد دعا "الديمقراطيات في العالم إلى الدفاع والمحافظة على القيم التي ورثتها من عصر الأنوار"، مشددا على "وجوب أنّ يعالج قادة العالم الأزمة الراهنة، فيما هم يبنون المستقبل".

إذا تُركت الدول لمنحاها الحالي، فإن شعوبا كثيرة تضطر حاليا أن تعيش في "الحَجر" حتى تحفظ حياتها، ستجد نفسها، غدا بين خيارين: العبودية أو الموت.

والحالة هذه، ماذا تحتاج الأنظمة القمعية أكثر من هذه النتائج الباهرة، حتى تقع في عشق كورونا؟