حفل تخريج لمقاتلين يمنيين مدعومين من التحالف
حفل تخريج لمقاتلين يمنيين مدعومين من التحالف

بقلم مايكل نايتس/

بعد مرور فترة وجيزة على بدء الحملة الجوية الاستراتيجية التي شنها التحالف الخليجي في اليمن عام 2015، حذر مقال لـ"معهد واشنطن" من أن مثل هذه الهجمات ستضع مسؤولية كبيرة على عاتق السعودية وشركائها. وبعد ثلاث سنوات، لم يعالج الجيش السعودي هذا الخلل الأساسي، واصفا الحادثة الأخيرة ـ أي الاستهداف المتعمد لحافلة في محافظة صعدة يوم 9 آب/أغسطس الذي أودى بحياة 51 شخصا، ومن بينهم 40 طفلا ـ بـ"العمل العسكري المشروع" لأن مجندي "الجنود الأطفال" كانوا على متن الحافلة.

ومثل هذه الحوادث ليست خاطئة من الناحية الأخلاقية فحسب، بل تضع عبئا هائلا على الشراكة الأميركية ـ السعودية وتقوي المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران. فللرياض مصالح أمنية مشروعة على المحك في الحرب، وبشكل خاص حراسة حدودها. لكن الغايات لا تبرر أبدا وسائل القصف المتهور على مقربة من المدنيين. لقد حان الوقت للنظر في الخيارات الجديدة لسياسة الولايات المتحدة لمنع التحالف من مواصلة هذه العمليات التي تحقق نتائج عكسية، أو على الأقل لإظهار أن واشنطن تبذل قصارى جهدها لمنع قتل المدنيين.

تقسيم اليمن إلى أربع حملات جوية

يجب أن تسترشد السياسة الأميركية وعمل الكونغرس بفهم واضح لما يحدث فعلا في الغارات الجوية في اليمن. وبدلا من أن ينظر إلى البلد كمسرح وحيد للحرب الجوية، يتعين على المسؤولين الأميركيين تقسيم العمليات إلى أربع حملات:

قصف "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية". لا تجذب الحملة الجوية ضد "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" التي نفذتها القوات الإماراتية والأميركية الكثير من الاهتمام، مما يشير إلى أنها نفذت بشكل جيد نسبيا. وقد أصبح الاستهداف الجوي لعناصر التنظيم أقل تواترا بسبب اعتماد التصعيد في العمليات الميدانية البرية كخيار جديد، وقد حظيت هذه الحملة بدعم واسع النطاق في صفوف اليمنيين. فضلا عن ذلك، أصبحت معلومات الاستهداف أكثر دقة، على الرغم من وقوع بعض الحوادث المؤسفة كما يحدث في كل حملة جوية.

إن مجرد حظر أي دعم أميركي للحرب الجوية السعودية، لن يؤدي إلا إلى الإضرار بالعلاقة الاستراتيجية الثنائية

​​​العمليات الساحلية ضد الحوثيين في البحر الأحمر. تشبه هذه الحملة التي تديرها دولة الإمارات العربية المتحدة الحملة الجوية التي تشنها الولايات المتحدة أو حلف "ناتو"، مع التشديد على التخفيف من حدة الأضرار الجانبية وتحديد مؤكد للأهداف العسكرية. وعندما كانت تقع أخطاء بين الحين والآخر، كان المسؤولون الإماراتيون على استعداد للاعتراف بالأخطاء ومعالجة المشاكل.

العمليات الحدودية السعودية ضد الحوثيين. تخضع الغارات الحدودية التي تشنها المملكة، من الناحية النظرية، لقواعد اشتباك صارمة، والتزام باستخدام الحد الأدنى من القوة اللازمة، وافتراض وجود المدنيين ما لم يثبت خلاف ذلك. ومع هذا، تعتبر الطبيعة المحتدمة لهذه الجبهة ـ حيث تعاني القوات السعودية من خسائر يومية وتطلق الصواريخ على المدن السعودية ـ اختبارا صارما لالتزام الرياض بهذه القواعد. وفي هذا الإطار، يتم بذل جهود كبيرة للحد من الأضرار الجانبية، ولكن الكثير من الحدود أصبحت الآن منطقة إطلاق نار حر، حيث يحتمل وصف أي نشاط بأنه عسكري بطبيعته بشكل افتراضي، ويتم استهدافه وفقا لذلك.

الغارات السعودية على قادة الحوثيين والأسلحة الاستراتيجية. واصلت المملكة حربها الجوية "العميقة" متجاوزة الخطوط الأمامية، حيث هاجمت شخصيات حوثية بارزة بهدف قطع رأس قيادتهم القائمة على الأسرة، وكذلك أصابة أي أهداف ذات قيمة عالية قد تكون متصلة بالصواريخ العابرة للحدود التي يطلقها المتمردون، أو بهجمات البحر الأحمر على ناقلات النفط السعودية. وغالبا ما تتضمن مثل هذه الهجمات "أهدافا ناشئة" تتطلب اتخاذ قرار سريع، وكثيرا ما يتعمد الحوثيون جمعها مع المدنيين لتقليل خطر شن الهجوم. ونتيجة لذلك، فإن هذه الفئة من الغارات هي الأكثر عرضة للأخطاء، مما يؤدي إلى وقوع العديد من الضحايا المدنيين كل عام.

ينبغي على واشنطن أن تفرق بين الحملات الجوية قليلة المخاطر التي تقودها الإمارات وبين المجالات الحقيقية المثيرة للقلق، ألا وهي: الحملة الحدودية السعودية، ولا سيما عملياتها وراء الخطوط الأمامية في صعدة وصنعاء.

تعديل السياسة الأميركية

إن مجرد حظر أي دعم أميركي للحرب الجوية السعودية، لن يؤدي إلا إلى الإضرار بالعلاقة الاستراتيجية الثنائية، فضلا عن تقليص النفوذ الأميركي، وربما قد يدفع الرياض إلى البحث عن أسلحة من موردين مثل الصين وروسيا، اللذين لا يباليان بالحد من الأضرار الجانبية. أما الخيار الآخر، فهو إضافة قيود على توفير الذخائر الأميركية الدقيقة التوجيه والوقود الجوي، لكن من غير المرجح أن تغير هذه المقاربة أساسيات السلوك العسكري السعودي؛ إذ لدى هذه القيود استثناءات كثيرة، مثل السماح للولايات المتحدة بدعم الغارات التي تعتمد على الصواريخ الباليستية ـ وهي المهمات التي تنطوي على أعلى مخاطر الوفيات في صفوف المدنيين.

ثانيا، تميل الاتفاقات القائمة على المراقبة إلى تعكير العلاقات وتدعو إلى المراوغة. فمن المرجح أن يلتمس السعوديون سبلا للالتفاف حول هذه القيود دون تغيير مقاربتهم الأساسية للحرب. وسوف يتم تعطيل العلاقات العسكرية الثنائية باستمرار من خلال التدقيق التدخلي، وتزايد السرية السعودية، وغض واشنطن الطرْف عن ذلك ـ تماما كما حصل عندما قامت تركيا بتدقيق الضربات الجوية الأميركية في منطقة الحظر الجوي في شمال العراق في تسعينيات القرن الماضي.

وبدلا من معاملة المملكة كطفل مشاكس، يجب على الولايات المتحدة التفاوض على اتفاق رسمي يغير الطريقة التي تدير بها السعودية حربها الجوية. ويتطلب ذلك إجراء تنازلات متبادلة. فعلى سبيل المثال، يقدم الجيش الأميركي المزيد من الدعم لتسريع بعض الجهود الحربية، في حين توقف الرياض بعضا من جوانب حملتها. كما يجب على واشنطن أن تضمن بشكل خاص دعما أكبر للمسائل التي تولد مخاوف أمنية قومية حقيقية للمملكة العربية السعودية ـ وهي أمور غالبا ما تتداخل مع مصالح الولايات المتحدة:

الدفاع المضاد للصواريخ البالستية. سيميل السعوديون دائما إلى شن غارات جوية محفوفة بالمخاطر من أجل منع عمليات إطلاق الصواريخ على مدنهم. فمن وجهة نظرهم، يمكن تبرير خطر تعرض السكان المدنيين للموت في اليمن بالمقارنة مع مخاطر سقوط صاروخ حوثي من نوع "بركان تو إتش" إيراني الأصل داخل مجمع سكني في الرياض، أو الإطلاق المستمر للقذائف القصيرة المدى على المدن الجنوبية. فليس هناك شيء سيقنع العائلة المالكة بالتخلي عن أي خيار يساعد على حماية مواطنيها، لا سيما في وقت ينفذون فيه تغييرات محلية حساسة. وبإدراكها ذلك، أقنعت إدارة ترامب الكونغرس مؤخرا بإعفاء العمليات المضادة للصواريخ البالستية من القيود المحتملة المفروضة على التزود بالوقود والتي تم إقرارها في قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2019.

ومع ذلك، بإمكان واشنطن الذهاب أبعد من ذلك من خلال التزامها العلني بتعزيز دعمها الاستخباراتي والعملياتي لنظام الدفاع الصاروخي السعودي. فعلى سبيل المثال، يمكنها نشر المنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ البالستية الإضافية لدعم النظم الموجودة في المملكة. وإذا تم حشد هذه الأنظمة الأميركية على ساحل الخليج العربي المواجه لإيران، فستسمح بإرسال المزيد من الدفاعات السعودية جنوبا إلى الحدود اليمنية. كما يمكن لواشنطن أن توجه رسالة أقوى من خلال ضمان إطلاق نار دفاعي ضد أي عملية إطلاق صواريخ باليستية حوثية، ونقل "أنظمة راجمة الصواريخ المدفعية عالية التنقل" ("هيمارس") بقيادة الولايات المتحدة إلى الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية لتوجيه ضربات سريعة ودقيقة تصل إلى بُعد 300 كيلومتر. كما يجب على الولايات المتحدة القيام بدوريات بحرية مستمرة قبالة ساحل اليمن على البحر الأحمر لمنع الحوثيين من الحصول على أي شحنات قد تعيد إمدادهم بالصواريخ من إيران.

منع الهجمات المضادة للسفن. يجب على واشنطن أن تقدم علنا أنواعا مماثلة من الدعم، فضلا عن التزامها بإطلاق نيران مضادة ردا على هجمات الحوثيين على حركة المرور البحري السعودي في البحر الأحمر. وحتى الآن، لم ترد القوات الأميركية سوى على الهجمات التي استهدفت السفن الحربية الأميركية بشكل مباشر، على الرغم من أن الحوثيين قاموا بضرب السفن السعودية منذ ذلك الحين.

الدفاع الحدودي. تُعد الحدود الجنوبية الجبهة الأكثر فتكا بالنسبة إلى السعوديين، حيث يزرع المهاجمون الحوثيون عبوات ناسفة إيرانية متطورة على جوانب الطرق، ويطلقون صواريخ موجهة مضادة للدبابات (ATGMs)مزودة من إيران على القوات السعودية، ويطلقون القذائف على التجمعات المدنية. يتعين على واشنطن أن تلتزم علنا بتعزيز الدعم الاستخباراتي والاستشاري للقوات السعودية في منطقتي جازان ونجران، ليشمل المعدات الإضافية والتدريب لمكافحة الذخائر المتفجرة الخارقة، والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق، والصواريخ الموجهة المضادة للدبابات. كما ينبغي تقديم المساعدة المباشرة في مجالَي الاستخبارات والسيطرة على إطلاق النار لاستهداف أكثر أمانا لمدفعية صواريخ الحوثيين. وفي هذا السياق، منح الكونغرس مؤخرا البنتاغون سلطة جديدة لدعم الجهود الأمنية العُمانية على الحدود الشرقية لليمن لكي يمكن أن تتضاعف من خلال تخصيص تمويل لعدة سنوات، وذلك لتوسيع المشاركة الأميركية على طول الحدود السعودية اليمنية.

ومقابل هذه الضمانات العامة القوية، على الرياض أن تنضم إلى الولايات المتحدة في صياغة قواعد جديدة للمشاركة مثل:

تعليق جميع الغارات على القيادة. يجب على السعودية أن تعلق فورا جميع الهجمات التي تستهدف القادة الحوثيين بسبب احتمال نجاحها الضئيل تاريخيا، وميلها المتأصل إلى إحداث أضرار جانبية، والقيمة الدعائية التي تأتي بنتائج عكسية يستفيد منها الحوثيون، وصور "الشهيد" التي يخلقونها حتى عندما ينجحون، الأمر الذي يعزز عادة تجنيد المتمردين في صفوف القبائل المتضررة.

يزداد صبر أعضاء الكونغرس الأميركي نفاذا إزاء حملة التحالف ـ إذ يمكن إقرار المزيد من القيود إذا لم يتم إجراء تغييرات في المستقبل القريب

​​تعليق جميع الغارات على المواقع المدنية. يجب على السعودية وقف شن الهجمات على المواقع أو المركبات التي تضم المدنيين. وعلى الرغم من أن ذلك سيقلص بشكل كبير من فرص الرياض في استهداف المقاتلين الحوثيين الذين يختلطون مع المدنيين بشكل متعمد، فإن الأمر يستحق العناء لأنه سيسهم في إنقاذ الأرواح، وتأمين الضمانات العسكرية الأميركية، وتخفيف حدة الاحتجاج الدولي. وسيكون النهج الأفضل الذي يمكن للتحالف اعتماده هو وضع جميع المناطق ـ بخلاف ميادين القتال الأمامية الواضحة ـ على قائمة أهدافه المقيدة، والتي ستتطلب شروط موافقة إضافية لشن الهجمات المخطط لها أو المخصصة بالقرب من المدنيين.

يتعين على الحكومة الأميركية أن تضغط من أجل تحقيق هذه التنازلات باعتبارها محور ترتيبات وقف التصعيد التي يتفاوض بشأنها مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث. وعلى وجه التحديد، يجب أن يوافق الحوثيون على وقف الهجمات العابرة للحدود والهجمات المضادة للسفن. وفي المقابل، يجب على التحالف وقف جميع الغارات الجوية باستثناء تلك التي تدعم القوات البرية المتواجدة على الجبهة الأمامية أو على مسافة محددة منها.

ويزداد صبر أعضاء الكونغرس الأميركي نفاذا إزاء حملة التحالف ـ إذ يمكن إقرار المزيد من القيود إذا لم يتم إجراء تغييرات في المستقبل القريب، وليس هناك ما يضمن استخدام الرئيس ترامب لحق النقض "الفيتو" ضدها. وبناء على ذلك، يجب على الإدارة الأميركية أن تجعل دعمها اللوجستي للحرب الجوية في اليمن أكثر شفافية، مع الإشارة إلى القادة السعوديين والمشرعين الأميركيين أن نهجا دفاعيا علنيا أكثر شرعية وخضوعا للمحاسبة سيقوم بتوجيه المساعدة الأميركية في المرحلة المقبلة.

مايكل نايتس، هو زميل أقدم في معهد واشنطن، قام بزيارة الخليج ثلاث مرات هذا العام لمراجعة سياسة الاستهداف وقواعد الاشتباك الخاصة بالعمليات الجوية فوق اليمن.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟