الممثلان الفلسطيني كامل باشا واللبناني عادل كرم
الممثلان الفلسطيني كامل باشا واللبناني عادل كرم

بقلم نضال منصور/

تأخرت كثيرا عن مشاهدة فيلم "القضية 23" لمخرجه زياد الدويري والذي رشح لجائزة أوسكار عن فئة الأفلام الأجنبية، وأثار جدلا واسعا في العالم العربي.

لا يزال فيلم "القضية 23"، رغم مرور وقت طويل على أول عرض له، عرضة للتجاذبات والآراء.

الفيلم، من أول دقيقة حتى نهايته، "خلافي" بكل ما تعني الكلمة، سواء على مستوى المحتوى والسيناريو الذي يطرحه، فالتنظير للتسامح والسلام لا يجد قبولا عند البعض، أو لجهة شخصية المخرج الذي يتهمه البعض بتزوير حقائق تاريخية.

أجيز عرض الفيلم في الأردن شريطة حذف 6 دقائق من السيناريو التي تتحدث عن أحداث أيلول/سبتمبر 1970، واعتبر مدير هيئة الإعلام محمد قطيشات في أحاديث صحفية له حين ذاك "أن المشاهد المطلوب حذفها فتنة تهدد النسيج الوطني".

تمرر الأفكار أحيانا بمنطق أخلاقي ساذج، وأحيانا تبرر باعتبارها سلوكا انتقاميا يتعامل كرد فعل على الإهانة

​​لم يعرض الفيلم في دور السينما في الأردن لأن المخرج أصر على ألا يتم إلغاء أي مشهد من الفيلم، وبغض النظر عن السردية التي قدمها مخرج الفيلم وكاتبة السيناريو جويل توما، فإن الفيلم تعرض أيضا لعاصفة اتهامات في فلسطين بعد أن قررت بلدية رام الله عدم عرضه لأن مخرج الفيلم متهم بالتطبيع مع إسرائيل، وذلك في إشارة وتذكير لفيلمه "الصدمة" الذي صور أجزاء منه في أراض فلسطينية محتلة.

يتفق المؤيدون والمختلفون مع الفيلم، الذي رشح للأوسكار وفاز بطله الفلسطيني ياسر سلامة واسمه الحقيقي كامل الباشا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية، على أنه عمل فني متميز، تمثيلا، وتصويرا، وأداء، وإضاءة، وصوتا، لكن "الشيطان" يكمن في تفاصيل السيناريو والرواية التي يقدمها للحرب الأهلية في لبنان وللقضية الفلسطينية.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة عن الإرهاب في الأردن

قصة الفيلم ونص الحوار الجريء بين أبطال الفيلم، وأبرزهم طوني حنا "عادل كرم" المسيحي الموالي للقوات اللبنانية والمتأثر بخطابات وشخصية الزعيم والرئيس اللبناني الذي اغتيل بشير الجميل، تقود إلى الأطروحات أو الفرضيات التي بني عليها الفيلم.

لخصت محامية ياسر سلامة العناوين الأساسية لهذه المحطات التاريخية بقولها في الجلسة الأخيرة للنطق بالحكم "ملف القضية لم يغلق ومرتكب الجريمة لم يحاسب"، ليجيب محامي طوني بالقول "القضية جرح قديم لا يزال مفتوحا، ولا أحد يحق له احتكار المعاناة".

عاب كثيرون على المخرج الدويري اختزاله لقضية فلسطين والحرب الأهلية بضرورة الاعتذار، والتساؤل الذي طرح هل تحل قضايا التاريخ والاحتلال وجرائم الحرب والمذابح "بالاعتذار"، وعفا الله عما سلف، وهل المحرك لجدلية الصراع بين طوني المسيحي اللبناني، وياسر الفلسطيني المسلم عنوانها الانتقام؟

في الفيلم ما يفجر الصراع اللبناني الفلسطيني الكامن. تبدأ الحبكة بالتبلور عندما يلقي "مزراب" ماء بأوساخه على المارة ويرفض طوني الامتثال للقانون، مما يستفز ياسر وينعته "بالعرص"، وتتصاعد الأزمة برفض ياسر الاعتذار "رغم رغبته بذلك". ينهال طوني عليه بشتائم كانت المفصل الأساسي في الفيلم حين قال له "يا ريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن"، فيشتعل ياسر غضبا ويضرب طوني ويكسر له ضلعين.

بعد هذه الحادثة تنتقل قصة الفيلم إلى أروقة المحاكم، وتصبح مرافعات المحامين وتعليقات القضاة فرصة لتمرير المواقف السياسية والروايات التاريخية، فتارة تسمع خطاب لبشير الجميل يقول "الفلسطينيون مرفوضون في لبنان، فليتحدوا مع الأردن، أو يذهبوا لإيران.. المهم أن لا يبقوا هنا"، أو تسمع بحديث عن المخيمات خارج سلطة الدولة اللبنانية، أم حين يتهم طوني القاضي بالفساد لأنه منحاز للفلسطينيين، ويكتفي بالصراخ "ليتني فلسطيني" في إشارة إلى أنه يأخذ حقوقا أكثر من اللبنانيين في بلدهم.

ثنائيات ضدية يطرحها الفيلم، البعض يعتقد أنها أثرت السيناريو، وآخرون يجدونها سطحية. فمحامي طوني يتواجه مع محامية ياسر ويتضح في مفارقة بالمحكمة أنهما "أب وابنته"، وحين يشتد الحوار بينهما ترد المحامية الابنة على أبيها المحامي المتعصب للمسيحيين أنها "لم تترعرع بالحرب"، أي لا يجوز للأبناء أن يدفعوا ثمنا لحرب لا علاقة لهم بها.

ومن الثنائيات (ياسر المسلم وزوجته مسيحية)، وصاحب عمل ياسر المسيحي يكون ضد عمله لأنه مسلم، ثم ينقلب فجأة ليعلن أن كل من يدعم القضية الفلسطينية عليه أن يدعم ياسر سلامة في استثمار وتسييس لقضيته في الانتخابات البرلمانية.

قررت المحكمة الأولى عدم إدانة ياسر سلامة، وبعد جلسات متعددة أثارت الرأي العام وأدخلت لبنان في أتون حرب قررت محكمة الاستئناف أن سلامة غير مسؤول عما جرى، وسياق الفيلم يوحي برسالة واضحة "كل من طوني وياسر ضحايا، فالمسيحي طوني ضحية الحرب الأهلية والمجزرة التي ارتكبت بقريته الدامور عام 1976، وياسر الفلسطيني ضحية الظلم العربي له في كل مكان، والاحتلال الإسرائيلي الذي شرده من أرضه.

ربما ليس مطلوبا من السينما أن تحل مشكلة التاريخ، وأن تقدم إجابات لأزمات مستفحلة

​​لم يعرض الفيلم برؤية حقوقية أو سياق سياسي واضح مرتكزات هذا الشحن الطائفي وخلفياته، لم يناقش خطاب الكراهية الذي ذكر كثيرا، ولم يقترب من مفهوم العدالة، والأهم لم يتجرأ على مناقشة قضية الإنصاف والمصالحة، وحتى التعامل مع الحساسيات الدينية والسياسية اختزلها في مسلمين يصلون في الكراج بعيدا عن أعين المسيحيين؟!

الأفكار في الفيلم كانت أحيانا تمرر بمنطق أخلاقي ساذج، وأحيانا تبرر باعتبارها سلوكا انتقاميا يتعامل كرد فعل على الإهانة، مع أن السيناريو يحمل مشكلة شجار عابر إرث النزاعات والحروب والمجازر.

اقرأ للكاتب أيضا: الرسائل السياسية من فتح المعبر الحدودي بين الأردن وسورية

النتيجة التي خرجت بها أن الجميع ضحايا، ولهذا يسدل الستار على الفيلم بنظرة تسامح بين طوني وياسر بعد خروجهما من المحكمة، فبعيدا عن المحكمة كان ياسر يسمح طوعا لطوني أن يضربه ويكسر ضلعيه بعد معرفته بالمجزرة التي تعرض لها أهله وبذلك يصبحوا متعادلين أي "صافي يا لبن".

ربما ليس مطلوبا من السينما أن تحل مشكلة التاريخ، وأن تقدم إجابات لأزمات مستفحلة، وأن تهدد الكاميرا وجود المحتل، أو أن تجيب بشكل جلي عن سؤال: من هو الظالم ومن هو المظلوم، لكن الاعتراض ربما يكون محقا حين تمرر أخطاء تاريخية أو ينتزع الحدث من سياقه التاريخي، أو تختزل المأساة بنهاية رومانسية حالمة واعتذار في القلوب؟

الفيلم اقتحم عوالم موجعة لم يقتربوا منها، والاجابات لا تحتاج فقط فيلم القضية 23، بل ربما وثائقيات كثيرة وقد تعجز عن البوح بكل شيء!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.