لبنان الذي يعيش على شفير انهيار عملته، تتمحور الحياة السياسية فيه على ضبط طموحات صهر رئيس الجمهورية
لبنان الذي يعيش على شفير انهيار عملته، تتمحور الحياة السياسية فيه على ضبط طموحات صهر رئيس الجمهورية

بقلم حازم الأمين/

هل يصمد لبنان أمام التحدي الاقتصادي الهائل الذي يضرب المنطقة؟ وهل لانهيار التومان (الريال) الإيراني ارتدادات لبنانية؟ لا سيما وأننا شهدنا ارتدادات عراقية لتداعيه! ولا بأس أيضا بضم انهيار الليرة التركية والانكماش الاقتصادي في الخليج كعوامل ضاغطة على هذا الاقتصاد الهش.

يتداول اللبنانيون بأوضاعهم وباحتمالات انهيار عملتهم على نحو لم يفعلوه من قبل. الأسئلة هذه المرة لا تبدو جزءا من مخاوف عابرة، ذاك أن اقتصاديين ومصرفيين أصابهم الخوف، وأقدمت المصارف على رفع قيمة الفائدة على العملة اللبنانية، وهذه خطوة حاسمة لجهة أن الأزمة قريبة، وأن تراجع قيمة العملة صار احتمالا كبيرا.

انهيار العملة في لبنان هو حديث الناس، وليس حديث السياسيين، فالأخيرون منشغلون بالمقاعد الحكومية وتوزيعها

​​لكن السؤال الذي يتعدى هذا الاحتمال هو: هل لانهيار الاقتصاد اللبناني وظيفة في الخريطة السياسية التي تسعى واشنطن لتغييرها في المنطقة؟ الإجابة عن هذا السؤال تساعد على رصد وجهة الانهيار اللبناني الذي يقول كثيرون إنه صار وشيكا. فلنتخيل لبنان متخبطا بانهيار اقتصادي مواز للانهيار في إيران، فهل سيعني ذلك حدا من نفوذ حزب الله في لبنان وفي المنطقة؟ ولنا نحن اللبنانيون (وبعضنا من خصوم حزب الله) أن نسأل واشنطن عن العدل في أن يصيبنا ما ترغب في إصابة حزب الله به، لا سيما وأن من المرجح أن ما سيصيبنا سيكون أعمق وأكثر إيلاما من الإصابات التي ستطال جسم الحزب ووظائفه، لا بل إن إخضاع الحزب من لم يخضع له بعد سيكون أسهل في ظل انهيار الاقتصاد.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان يسعى إلى تعويض خسارة إيرانية في سورية

قد يبدو هذا الكلام أشبه باستغاثة، وبتمسك بوضع هش لطالما وظفه حزب الله في ماكينة نفوذه. لكنه وسيلتنا الوحيدة، نحن اللبنانيين، في ظل انعدام قدرتنا على التأثير بمصائرنا. الاستغاثة هي وسيلة العاجز، وهي كل ما يمكننا الإتيان به.

ولبنان الذي يعيش على شفير انهيار عملته، تتمحور الحياة السياسية فيه على ضبط طموحات صهر رئيس الجمهورية بمزيد من مساحات النفوذ، وبإيصال أكبر عدد من المقربين منه إلى مواقع التأثير. وللمفارقة فقط، علينا أن نتذكر أن رجب طيب أردوغان كان قرر أن يواجه انهيار الليرة التركية بتعيين صهره وزيرا للمال فكانت النتيجة كارثة مالية. ولعل ذلك مؤشر غير علمي على تشابه المصائر، إلا أنه مؤشر تذكيري مهمته أن يكشف أن النخب الحاكمة في هذه البلاد قد توكل مصائر العباد إلى أصهار أكثر ما يعنيهم هو مراكمة الثروات بوصفها ضمانة بقائهم في مناصبهم.

ربما تختصر قصة باخرة الكهرباء التركية ما يجري في لبنان، فقد طردت حركة أمل الباخرة من قبالة الساحل الجنوبي إفساحا في المجال أمام أصحاب المولدات، وانتقلت الباخرة إلى سواحل كسروان، فنعِمت تلك المنطقة بـ24 ساعة كهرباء يوميا فيما الجنوب بقي محروما منها. هذه الواقعة لم تشكل فضيحة لأحد، فالطبقة السياسية صارت تدرك أن الفضيحة ليست أمرا ذي بال في ظل رأي عام ليس بريئا من دورة فساد الحكام.

انهيار العملة في لبنان هو حديث الناس، وليس حديث السياسيين، فالأخيرون منشغلون بالمقاعد الحكومية وتوزيعها على أقاربهم وعلى المحسوبين عليهم. لم نسمع من أي منهم أي كلام عن خطة لحماية الليرة! هذا ليس محل ابتلائهم. أن تلتقي بمسؤول أو بمصرفي فسيكون أول كلام تسمعه منه هو أن الليرة مهددة فعلا، لكن الغريب أن ما تسمعه بصوت خفيض، وهو لا يعني أقل من كارثة ومن حروب، يغيب فعلا عما يعاينه المرء في أداء المسؤولين.

اقتصاد حزب الله هو أحد أسرار الحروب الأهلية، تماما كما هو سلاحه

​​قد يكون هذا جواب واشنطن لنا، نحن الذين نسألها ألا تشملنا عقوباتها على طهران. قد تسألنا واشنطن مَن أنتم؟ وأين هي دولتكم وحكومتكم مما يجري؟ فرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، وهو الشيعي الذي أقام حزبه في طهران لسنوات طويلة، بادر إلى الإعلان عن التزام حكومته ببرنامج العقوبات على رغم عدم إيمانها بها. الرجل دفع أثمانا سياسية كبرى جراء تصريحاته هذه، إلا أنه شعر أنه لا بد من أن يفعل ذلك بحكم منصبه ومسؤولياته.

اقرأ للكاتب أيضا: المواطن الفاسد

لا أحد في لبنان يملك شجاعة العبادي، لا بل إن أحدا لا يملك كرمه حيال بلده. فهل يمكن لواحدنا أن يتخيل رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، وهو نظريا خصم طهران، معلنا التزام لبنان بما ترتبه العقوبات عليه لجهة علاقاته مع واشنطن ومع طهران؟ علما أن ما تطرحه هذه العقوبات على لبنان يتعدى مدى التزامه بما تمليه، إلى أسئلة عن اقتصاد حزب الله الموازي للاقتصاد اللبناني، وانعكاس انقباض هذا الاقتصاد على الدورة الداخلية.

لبنان لا يناقش هذه الاحتمالات، ولا يملك ناصية التأثير بها. اقتصاد حزب الله هو أحد أسرار الحروب الأهلية، تماما كما هو سلاحه. ومثلما ارتد سلاحه علينا في أعقاب حروبه الأهلية، نحن مرشحون لأن يرتد انهيار اقتصاده علينا في أعقاب العقوبات الأميركية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟