عند رصد الشوارع العربية خلال فترات الأعياد يلحظ المرء ظاهرة انتشار الأسلحة الخلبية بيد الأطفال
عند رصد الشوارع العربية خلال فترات الأعياد يلحظ المرء ظاهرة انتشار الأسلحة الخلبية بيد الأطفال

بقلم كوليت بهنا/

خمسة عشر عاما على توقف الحرب في العراق، كافية ليتوقع المرء أن يسمع عن انتعاش السياحة في مدينة البصرة أو انتعاش التجارة في بغداد أو انتعاش الاقتصاد العراقي عموما. وبنظرة أكثر تفاؤلا يتوقع أن يسمع عن انتعاش للفنون والثقافة والتعليم، أو تحسين قطاع الخدمات وأولها الكهرباء والماء، وتقوية أجهزة الدولة وتحصين القضاء والقانون، لكن أن تقرأ عن انتعاش سوق السلاح بين الأفراد بعد إجازتها قانونيا، وهو الخبر الذي نشرته "الحرة"، يستحق الأمر التوقف عنده كخبر غير عابر، حتى لو سيقت ذرائع كثيرة لتبرير هذا الانتعاش، وفي مقدمها الدفاع عن النفس، أو الشراء من باب الهواية.

في ظل أوضاع هذه الدول السياسية غير المستقرة وتشابكاتها الطائفية والإثنية، يمكن أن تتوقع انفجار هذه القنابل الموقوتة في أية لحظة

​​ففي الوقت الذي تمنع فيه معظم دول العالم مواطنيها من اقتناء الأسلحة أو تفكر في منع ذلك، نتيجة لحوادث القتل المتكررة والمريعة بين الحين والآخر، وآخرها الجدل القائم حول هذا الأمر في الولايات المتحدة الأميركية، فإن قراءة خبر كهذا عن العراق لهو أمر مثير للقلق والحزن حقا. ويزداد القلق عندما يحدث هكذا إجراء في واحدة من البلدان القائمة اليوم على المحاصصة الطائفية، وواحدة من البلدان التي أوجعتها الحروب ويفترض أنها في طريقها للحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني.

في العادة، تقع مهام حفظ الأمن ومحاربة التنظيمات الارهابية أو التصدي لعصابات السطو المسلح المنتشرة على كاهل الدولة، أما إناطة الأمر للأفراد للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، فالتفسير الوحيد له هو أن الدولة غير مؤهلة وغير قادرة على حماية مواطنيها.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'أسامة' فوق الشجرة

ومع بعض حسن النوايا، والإقرار بحقيقة الأوضاع المعقدة والحساسة التي عاشتها مؤخرا دول مثل العراق جراء الهجمات الإرهابية المتكررة، والتي قد تتطلب أحيانا مشاركة الأفراد في عمليات الدفاع عن النفس ومؤازرتها، لا بد من التساؤل حول مقدرة الدولة لاحقا على سحب هذا السلاح في مرحلة الاستقرار.

هذا التحدي قد يكون الأصعب إن لم نقل مستحيلا في ظل ثقافة شعبية منتشرة، تشمل الدول العربية جميعها بما فيها العراق، تعتبر السلاح رمزا للرجولة والتفاخر، وينفق لأجل اقتنائه ملايين الدولارات، بلاد يطلق فيها وابل من الرصاص للأعراس وليلة رأس السنة وحفلات الختان والأحزان، ولخسارة الفريق الرياضي أو لفوزه، ولولادة مولود جديد أو نجاح ابن أحد المتنفذين في إحدى الشهادات الدراسية. في كثير من الأحيان لا يحتاج الأمر إلى مناسبة، يكفي تمنطق الرجال للسلاح لبث الرعب والهيبة في النفوس، ويمكن للمرء بسهولة رصد الشوارع العربية خلال فترات الأعياد الدينية ليلحظ بوضوح ظاهرة انتشار الأسلحة الخلبية بيد الأطفال كألعاب مخصصة للعيد، وتحويل الشوارع إلى جبهات قتال ـ وإن وهمي ـ ليفهم حجم تجذر هذه الثقافة التي تمجد السلاح في أدبيات الشعر والسير الشعبية وتعتبر "القبضاي" رمزا أهم بكثير من أي خريج جامعي أو أديب أو فيلسوف.

السماح للأفراد باقتناء السلاح يؤدي حكما إلى كوارث اجتماعية

​​إذا كان العراق قد شرعن السلاح علنا استنادا لمبرراته الطارئة، إلا أنك في العديد من الدول العربية، تشعر بوجوده غير المبرر وغير المعلن وتشم رائحة باروده حتى وإن كان مخفيا خلف الجدران.

وفي ظل أوضاع هذه الدول السياسية غير المستقرة وتشابكاتها الطائفية والإثنية، يمكن أن تتوقع انفجار هذه القنابل الموقوتة في أية لحظة. يمكن تفادي انفجارها فقط بسيادة القانون والتوجه الجاد نحو إصلاحات شاملة وجذرية وعادلة، والتوقف عن النهم العربي في شراء السلاح وتكديسه على المستوى الرسمي، وتخصيص نصف ميزانيات التسلح هذه كحد أدنى وتوجهيها نحو القضاء على الفقر والتنمية المستدامة ونشر التعليم كأهم سلاح تفاخر به الأمم، ففي النهاية لم يستخدم السلاح العربي إلا بين العرب أنفسهم أو ضد شعوبهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: حين تكون 'أم كلثوم' ملهما أدبيا

السماح للأفراد باقتناء السلاح يؤدي حكما إلى كوارث اجتماعية، والدول القليلة التي تشرعن سلاح الأفراد ثبت أنها الأعلى في معدلات الجريمة، ولأن المثل الشعبي يقول: "السلاح يدكه الشيطان"، أي يحشوه، يمكنك أن تتوقع النتائج في بلاد يعيش فيها ألف شيطان وشيطان.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.