الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

بقلم عريب الرنتاوي/

تباينت ردود أفعال العرب، رسميين وشعبيين، حيال "الفضيحة التي هزت عرش ترامب"، كما ورد في عناوين بعض الصحف العربية، على خلفية الاتهامات الجنائية الموجهة إلى كل من محامي ترامب الشخصي مايكل كوهين ومدير حملته الانتخابية بول مانفورت، وما يمكن أن تثيره من متاعب للرئيس قد تصل حد الشروع في إجراءات عزله من منصبه، سيما بعد حديث ترامب نفسه عن "احتمالات انهيار الأسواق المالية" في حال تم ذلك، وتلميحات محاميه رودي جولياني غير المسبوقة، من "ثورة شعبية" قد تندلع في حال شرع الكونغرس في إجراءات عزل الرئيس.
العاصفة التي هبت بقوة على واشنطن والبيت الأبيض، ترددت أصداؤها مباشرة، في مختلف عواصم المنطقة، حيث بدأ سياسيون ومحللون وإعلاميون، برسم السيناريوهات وإطلاق التوقعات التي تذهب في كل اتجاه، ومن دون انتظار لمعرفة الوجهة التي ستسلكها تطورات الأزمة الأخطر التي تكاد تعصف بالرئيس الأكثر إشكالية في التاريخ الأميركي الحديث.

فرحة بعض الأطراف بمأزق ترامب المتفاقم، تعكر صفوها قناعتهم، بأن نائبه مايك بينس، ينتمي إلى المدرسة السياسية و"الفكرية" ذاتها، التي يتحدر منها الرئيس

​​​مصدر التباين في ردود أفعال المنطقة، إنما يعود إلى اختلاف مواقع الأطراف وتباين مواقفهم استتباعا.. فالأنظمة التي نسجت أوثق العلاقات مع إدارة ترامب، وتحديدا في كل من الرياض وأبو ظبي، أطلقت العنان لوسائل إعلامها ونشطائها على وسائط التواصل الاجتماعي، لتبديد "القلق" المترتب على سيناريو "عزل الرئيس"، فانصب اهتمام هؤلاء على التقليل من شأن احتمال كهذا، بل والتشديد على "استحالته".. وقد حشدت لهذه الغاية، آراء عدد وافر من الخبراء في القانون والسياسة الأميركيين، التي ذهبت جميعها بالطبع، حد "القطع" بأن أمرا كهذا لن يحدث، وأن الرئيس باق في مقعده حتى نهاية ولايته، بل وربما يكون "الأوفر حظا" للفوز بولاية ثانية.
أنصار هذه المدرسة/المحور في المنطقة، يخشون أن يفضي غياب ترامب، إلى عودة "المؤسسة" الأميركية لممارسة دورها في "عقلنة" السياسة الخارجية الأميركية، خصوصا حيال المنطقة، فهذه الأطراف التي جعلت من إيران عدوها الأول، أو الأوحد، تبدي ارتياحا ظاهرا للمواقف المتشددة التي يتخذها الرئيس وإدارته حيال طهران وحلفائها في الإقليم.. وهذه الأطراف، المنخرطة في حرب ما زالت تتسبب بكارثة إنسانية في اليمن، تجد في الرئيس الأميركي "مظلة" لها، تمنحها الغطاء والشرعية في حرب ضاق صدر المجتمع الدولي والضمير الإنساني العالمي، عن تحمل تبعاتها الإنسانية الكارثية على ملايين المدنيين الأبرياء.

اقرأ للكاتب أيضا: ما بعد 'التهدئة'.. حين تلتقي مصالح اليمين الديني الإسرائيلي والفلسطيني​
في المقابل، لم تنجح عواصم وحكومات عربية وإقليمية أخرى، في إخفاء مشاعر الفرح والبهجة، لاشتداد أطواق العزلة حول الرئيس دونالد ترامب، وهي ترقب بارتياح ظاهر، اقتراب حبل المشنقة من عنق رئاسته، فإيران لم تواجه منذ ثورتها الإسلامية قبل أربعة عقود، إدارة أميركية تستبطن كل هذا العداء لنظامها ودورها الإقليمي.. وحلفاء إيران في كل من سورية والعراق ولبنان واليمن، يرون أن واشنطن في عهد ترامب تموضعت في موقع الشريك لخصومهم في الحروب والأزمات، الدائرة والمفتوحة في عموم المنطقة، ورحيل الرجل عن البيت الأبيض، أو غرقه المستمر في بحر متلاطم من الأزمات الداخلية، قد يسهم في تخفيف الضغوط التي تتعرض لها.
حتى الزعيم التركي رجب طيب أردوغان، الذي لم تخف حكومته ارتياحها لفوز ترامب في انتخابات 2016 الرئاسية، بدت في العام الثاني من رئاسته، شديدة الانزعاج من سياسة إدارته، خصوصا في ملف أكراد سورية والموقف من الداعية فتح الله غولن وما تسميه أنقرة اليوم "حربا اقتصادية" أميركية منظمة ضدها، حيث وصلت العلاقات الثنائية بين الجانبين مؤخرا إلى أدنى مستوياتها، وربما على نحو غير مسبوق، منذ عقود طويلة.
لكن فرحة هذه الأطراف بمأزق ترامب المتفاقم، تعكر صفوها قناعتهم، بأن نائبه مايك بينس، ينتمي إلى المدرسة السياسية و"الفكرية" ذاتها، التي يتحدر منها الرئيس، وأن واشنطن قد تواصل السياسات ذاته، وربما على نحو أكثر "عقائدية" في حال انتقل البيت الأبيض من ولاية ترامب إلى ولاية بينس.
مثل هذه المخاوف، من مجيء بينس خلفا لترامب في حال تغلب سيناريو "عزل الرئيس"، تجتاح الفلسطينيين أكثر من غيرهم من الأطراف الإقليمية والعربية.. فالرجل معروف بتقاربه "الأيديولوجي" مع إسرائيل، وهو أظهر في غير مناسبة، انحيازا أكبر للدولة العبرية.. وبخلاف رجل الأعمال البراغماتي دونالد ترامب، فإن المسيحي – الإنجيلي مايكل بينس يشتق دعمه وانحيازه لإسرائيل، من منظومة دينية – عقائدية، تسقط أي رهان، من وجهة نظر الفلسطينيين، على أي تغيير مستقبلي في مواقف واشنطن من قضيتهم الوطنية وصراعهم مع إسرائيل.

الولايات المتحدة "فاعل رئيس" في مختلف أزمات الإقليم، بعد أن أصبحت جارة حدودية لكل دوله، ومن دون استثناء

​​​إسرائيل بدورها، تواجه حالة من "عدم وضوح الرؤية"، وهي أكثر انقساما من غيرها في "تقدير الموقف" من سيناريو "عزل الرئيس".. فرئيس الحكومة نجح في نسج أوثق العلاقات مع الرئيس ترامب، وهو أمر انتقدته عليه المعارضة التي تفضل اتخاذ مواقف أكثر توازنا حيال الحزبين الأميركيين، الديموقراطي والجمهوري، وتزداد مخاوف الائتلاف اليمني الحاكم من تصاعد الأنباء عن احتمالات فوز الديموقراطيين في الانتخابات النصفية المنتظرة في تشرين الثاني/نوفمبر القادم، وكسر "الأغلبية الجمهورية"... وزاد في قلق وارتباك هذا الفريق، ما صدر مؤخرا عن الرئيس ترامب من تصريحات طالب فيها إسرائيل بالاستعداد لدفع "ثمن باهظ جدا" نظير "الهدية القيمة للغاية" التي منحها إياها، بقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها.
ثمة فريق آخر، تابع بشغف أخبار واشنطن، ويترقب عن كثب تداعيات "سيناريو عزل الرئيس، فرصه واحتمالاته، وأعني به فريق المجتمع المدني و"الإصلاحيين العرب".. هذا الفريق تعرض لطعنة نجلاء مع مجيء إدارة ترامب، وتبدل أولويات الولايات المتحدة في المنطقة، وتراجع، إن لم نقل سقوط مهمة "الدفاع عن حقوق الإنسان" و"برامج دعم الديموقراطية" من سلم أولويات واشنطن في المنطقة.

اقرأ للكاتب أيضا: السعودية والبحث المستميت عن 'انتصار'​
هذا الفريق، كان من بين أكثر المتضررين من "العلاقات الخاصة والمتميزة" التي نسجها الرئيس ترامب مع الأنظمة العسكرية و"السلالية" في المنطقة، ودائما على حساب مسارات التحول الديموقراطي واحترام حقوق الانسان في دول المنطقة.. هذا الفريق عانى من غياب "الحماية الدولية" لنشطائه، وتقليص برامج المساعدات المقدمة له، مع صعود اليمين واليمين الشعبوي في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي شجع أنظمة وحكومات المنطقة، على شن أوسع عمليات التنكيل وممارسة أعتى الضغوط على منظماته ونشطائه وناشطاته.
الجدل حول "مصير ترامب" و"سيناريو عزل الرئيس" يحتدم في عواصم المنطقة، بدرجة لا تقل عن مثيلتها في واشنطن ذاتها، بل وتتسابق الأقلام والتعليقات في محاولة لرسم صورة وملامح المرحلة القادمة، ولا عجب في ذلك، فالولايات المتحدة "فاعل رئيس" في مختلف أزمات الإقليم، بعد أن أصبحت جارة حدودية لكل دوله، ومن دون استثناء.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.