انتصر صن تزو بجيش قوامه 30 ألف جندي على جيش قوامه 200 ألف جندي، بسبب افتقار عدوه إلى عنصري التنظيم والإدارة
انتصر صن تزو بجيش قوامه 30 ألف جندي على جيش قوامه 200 ألف جندي، بسبب افتقار عدوه إلى عنصري التنظيم والإدارة

بقلم رياض عصمت/

لا شك أن كتاب ماكيافيللي "الأمير" حظي بشهرة فائقة ومستحقة في العالم العربي، وتناقل عامة الناس خاصة مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" حتى غدت أشبه بمثل شعبي، بل فسرها بعض أصحاب المناصب على أوجه بلغت حدا تجاوز ما قصد إليه مؤلف الكتاب الإيطالي نفسه.

لكن الكتاب الآخر الذي يحمل أفكارا لا تقل أهمية وحكمة هو كتاب المؤلف الصيني صن تزو (Sun Tzu) الذي يحمل عنوان "فن الحرب". تمت ترجمة هذا الكتاب الصيني القديم الذي صدر خلال القرن السادس قبل الميلاد إلى 29 لغة من لغات العالم، بما في ذلك أكثر من ترجمة إلى اللغة العربية.

الكتاب عبارة عن أطروحة عسكرية صينية تقع في 13 فصلا، كل فصل منها مكرس لأحد سمات فن الحرب والقتال

​​هذا الكتاب عبارة عن أطروحة عسكرية صينية تقع في 13 فصلا، كل فصل منها مكرس لأحد سمات فن الحرب والقتال، بحيث اعتبر لفترة طويلة مرجعا للاستراتيجيات الحربية، بل للتخطيط السياسي ومواجهة الأزمات بحنكة وحكمة.

بالتالي، يقال إنه ترك تأثيرا كبيرا على نابليون حين شن غزواته وخاض حروبه، ثم ما لبث أن ترك تأثيرا عميقا على قيادة الأركان العامة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى أثره في التخطيط لعملية عاصفة الصحراء، إذ يقال إن الكتاب تم توزيعه على الجنود الأميركيين إبان حرب الخليج الثانية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يتكرر مصير ابن رشد؟

يتضمن كتاب "فن الحرب" الفصول التالية: وضع الخطط، شن الحروب، الهجوم المخادع، المناورات التكتيكية، استخدام الطاقة، الضعف والقوة، فن المناورة العسكرية، تنوع التكتيكات الحربية، الزحف، التضاريس، أنواع الأرض التسعة، الهجوم بالنار، وأخيرا.. توظيف الجواسيس.

يقال إن كتاب "فن الحرب" كان ملهما لزعماء عالميين، فنابليون بونابرت التزم بمبدأ تزو القائل "الهجوم هو سر الدفاع، والدفاع هو التخطيط للهجوم". أما الزعيم ماو تسي كونغ، فكان من أولئك القادة الذين استخدموا مبادئ الكتاب لقيادة شعوبهم ومناورة الدول الأخرى بذكاء وبراعة، مما مكنهم من النجاة بسفن أوطانهم من خضم العواصف الهوجاء، والوصول بشعوبهم إلى شواطئ السلامة.

تروى قصة قاسية ومرعبة للغاية عن صن تزو وكتابه "فن الحرب" مفادها أن تزو كان جنديا في جيش ملك صيني يدعى هو لو (Ho Lu) يحكم مملكة وو (Wu). بلغ سمع الملك أن صن تزو يملك بصيرة ثاقبة في فنون القتال، فكلفه أن يؤلف كتابا يضع فيه زبدة خبراته الحربية.

قرأ الملك الكتاب، فأعجب به واستدعى مؤلفه ليحاوره ويكرمه، ثم سأله: "هل يمكنني أن أختبر صحة نظرياتك على النساء؟" وافق صن تزو. وضع الملك 180 امرأة من جواري قصره تحت إمرة صن تزو، فقسمهن إلى مجموعتين ووضع على رأس كل مجموعة منهما جارية ذات حظوة عند الملك، ثم قال: "أعتقد أنكن تعرفن الفرق بين الأمام والوراء، وبين اليد اليمنى واليد اليسرى". أجابته النسوة بصوت واحد: " نعم". تابع صن تزو قائلا: "عندما أقول: انظرن أمامكن، يجب عليكن النظر للأمام. وعندما أقول: إلى اليسار در، يجب عليكن الدوران باتجاه أيديكن اليسرى. وعندما أقول: إلى اليمين در، يجب عليكن الدوران باتجاه أيديكن اليمنى، وعندما أقول: إلى الوراء در، يجب عليكن الدوران باتجاه اليمين إلى الوراء. هل هذا مفهوم؟" أجابته النسوة بأنهن فهمن الأوامر.

قام صن تزو بإعداد الترتيبات من أجل القيام باستعراض عسكري، وعلى صوت قرع الطبول أعطى أمره: "إلى اليمين در". لكن النساء انفجرن في الضحك ولم ينفذن الأمر، فعقب صن تزو قائلا: "إذا كانت الكلمات المستخدمة في إصدار الأوامر غير واضحة ومميزة، وكانت تلك الأوامر غير مفهومة فهما شاملا، فيقع اللوم وقتها على القائد". أكمل صن تزو تدريب الجواري، فأعطى أوامره من جديد بصوت أعلى ووضوح أشد، قائلا: "إلى اليسار در". لكن النساء انفجرن من جديد في موجة من الضحك ولم ينفذن الأمر، فعقب صن تزو هذه المرة قائلا: "إذا كانت الأوامر واضحة ومميزة، وإذا كانت الأوامر مفهومة فهما شاملا، ولم ينفذ الجنود الأوامر، فيقع اللوم وقتها على الجنود". هنا، أصدر صن تزو الأمر بقطع رقبتي قائدتي المجموعتين.

كان الملك يراقب التدريبات من مكان قريب، فأصابه الهلع من أن يتم قطع رقبة الجاريتين المفضلتين لديه، فأسرع بإرسال خبر إلى صن تزو مفاده: "أصبحت واثقا من قدرتك على التعامل مع الجنود، ولن يطيب لي طعام أو شراب من دون هاتين الجاريتين. لذلك، فإني أرغب في توفير حياتهما".

يقال إن الكتاب كان ملهما لزعماء عالميين، فنابليون بونابرت التزم بمبدأ تزو القائل "الهجوم هو سر الدفاع، والدفاع هو التخطيط للهجوم"​

أرسل صن تزو جوابه إلى الملك: "بتكليفكم لي بالقيادة، هناك بعض أوامركم لا يمكنني القبول بها وأنا تحت هذا التكليف". وأوعز على الفور بإعدام قائدتي المجموعتين. ما أن تم قطع عنقي محظيتي الملك المفضلتين أمام أعين بقية الجواري، حتى قام صن تزو بتعيين من تليهن حظوة لدى الملك كقائدتين جديدتين للمجموعتين، وقام باستئناف التدريب على صوت قرع الطبول.

هذه المرة، لم تجرؤ أي جارية على الضحك، بل قامت الجواري بتنفيذ التدريبات العسكرية بكل انضباط ودقة دون إصدار أي صوت. عندها، أرسل صن تزو رسالة إلى الملك قائلا: "تم تدريب وتنظيم جنودكن، وهن الآن على أتم الاستعداد. يمكنكم الآن استخدامهن في أي مهمة يرغب بها ملكهن. أصدر إليهن الأمر، فيخضن خلال الماء والنار". إلا إن الملك رد عليه: "فليعد قائد الجيوش، ولينهى التدريب. لا رغبة عندي في استعراض الجنود". عندئذ علق صن تزو قائلا: "إن الملك شغوف بالكلمات، لكنه لا يستطيع ترجمتها إلى أفعال".

اقرأ للكاتب أيضا: هل ثمة مهمة مستحيلة في عصرنا؟

يبدو أن الملك هو لو كان يتسم بالحكمة، فقام بتعيين صن تزو على الفور قائدا عاما لجيوش مملكته، وأرسله ليحارب مملكة مجاورة، فألحق الهزيمة بجيشها وشق طريقه إلى عاصمتها، ثم اتجه بجيشه إلى الشمال ليزرع الخوف في مملكتين مجاورتين. هكذا، انتقل تزو من نصر إلى آخر، فذاع صيته وتوسعت مملكة ملكه.

تروي لنا المخطوطات الصينية كيف انتصر صن تزو بجيش قوامه 30 ألف جندي على جيش عدوه الذي قوامه 200 ألف جندي، بسبب افتقار عدوه إلى عنصري التنظيم والإدارة، وكان ذلك سر تفوقه ونجاحه.

(للمقال تتمة).

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.