تونسيون يحتقلون بالذكرى السابعة لثورتهم
تونسيون يحتقلون بالذكرى السابعة لثورتهم

بقلم محمد المحمود/

قبيل غروب شمس السابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 2011، كنت سعيدا بمرافقتي لثلاثة من الإسكندرانيين الظرفاء في شاحنتهم الصغيرة التي ينقلون بها بعض الأثاث المنزلي، من محلهم في حي "كليوباترا" وسط مدينة الإسكندرية، إلى شقتي المستأجرة حديثا في حي "سيدي بشر" أقصى شرق المدينة. كان الطريق طويلا ـ نسبيا ـ وكانت الإسكندرية في مثل هذه المساءات مزدحمة، وصاخبة، وأحيانا غاضبة، حيث يعود الناس من أعمالهم آخر النهار مثقلين بالتعب، واليأس، والضجر، والغضب من أعباء الحياة. منهم من يجابه كل ذلك بحنق فائر، وسخط ظاهر؛ كرد فعل آلي على الواقع الذي يعانده ويشاكسه حد الاستفزاز، ومنهم من يجابهه بسخرية مترفعة، واستخفاف عابث، وتَتفيه زاهد، و ـ أحيانا ـ استحماق فاتر، يقاوم بكل ذلك قسوة هذا الواقع المتغطرس الذي يسحق ـ دونما رحمة ـ أحلام البسطاء المَنسيين.

كان رفاقي ـ لحسن حظي ـ من النوع الثاني. ولهذا مضت تلك الساعة الطُرُقية في ضحك وسخرية وتعليق عبثي على الناس والأشياء. كانت أحداث تونس لا تزال تغلي على صفيح الإعلام الساخن، وشكل هروب الرئيس التونسي في 14 كانون الثاني/يناير ذروتها المبهرة التي أشعلت قناديل الأحلام في عالم الظلام.

لم يكن الغاضبون في أغلبيتهم الساحقة يعرفون ما يريدون على وجه التحديد

​​لم يكن مضى على هذه الواقعة أكثر من ثلاثة أيام، وكما هو متوقع؛ في تلك الرحلة/ تلك الساعة العابرة بين زمنين، استبد بهؤلاء النجارين التعليق الساخر على حادثة هروب الرئيس التونسي من شعبه الغاضب.

كانت المفارقة الساخرة/ المحيرة، واضحة تمام الوضوح في نظر هؤلاء: الرئيس الراسخ في رئاسته، الذي يملك بيديه كل وسائل القوة، من جيش، وشرطة، واستخبارات، فضلا عن وزارات خدمية، وعلاقات خارجية.. إلخ، يهرب من أمام أناس بسطاء مثلهم، أناس ضعفاء فقراء، لا يملكون أكثر من قوت يومهم، أو قوت شهرهم؛ في أحسن الأحوال.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الديني في الإسلام

الغريب أن سخريتهم من هروب الرئيس التونسي لم تلبث أن انقلبت إلى سخرية لاذعة من أنفسهم، من واقعهم، من تصورهم لما يمكن أن يكون عليه موقف المصريين من السلطة؛ مقارنة بموقف التونسيين. لم يكن هؤلاء البسطاء يعرفون شيئا عن تونس، إلا أنها دولة عربية. لم يكونوا يعرفون أين تقع، ولا اسم عاصمتها، ولا عدد سكانها، ولا ظروفها، ولا طبيعة الحكم فيها. ومع هذا، فما يعرفونه هو أن شعبا ما، شعبا مثلهم، غضب على رئيس كرئيسهم؛ فاضطر الرئيس إلى الهروب، بينما المتوقع، والطبيعي في نظرهم، أن يحدث العكس، فتهرب الجماهير من أمام قوات الرئيس.

بعد فترة، تصاعدت حدة الجدل، وكان "حوارهم السياسي" ساذجا، ومضحكا، ومبهجا في آن. لكن، كم كان ملفتا أن يعمد أحدهم إلى نقل المقارنة من حضورها الضمني في الحوار إلى الحضور الصريح. لقد قال صراحة: لا تظنوا أن الشعب التونسي مثلنا، نحن نختلف عن التونسيين، نحن شعب تعود أن يخاف من الحكومة، تخيلوا لو يخرج أهل الإسكندرية في تظاهرة ضد الحكومة، يكفي عسكري واحد يرفع عليهم الكرباج، حتى ترى كل المتظاهرين يهربون من أمامه إلى بيوتهم مذعورين، إن أي مظاهرة ستتلاشى وتذوب كما يذوب الملح في الماء!

من عاشر المصريين يعرف أن تصور هؤلاء الظرفاء كان هو التصور السائد عند الأغلبية الساحقة من المصريين، عن أنفسهم خاصة، وعن العرب عامة. لكن، ثمة شيء كان يختبئ في رحم الزمان. فبعد أقل من أسبوعين على هذا الكلام، كانت ملايين البسطاء من أمثالهم يحتشدون في الميادين، ويواجهون الجنود المسلحين بكل عنف وإصرار وعناد.

هنا كانت المفاجأة غير المنتظرة/ غير المتوقعة. ففي ظهر 28 كانون الثاني/يناير 2011م، وبينما كنت أتصفح بعض أوراقي التي اختصرتها من بعض الكتب، وأعيد ترتيبها، شدني ضجيج غير معتاد، ضجيج يرتفع ليلامس نافذة غرفتي في الدور الثاني عشر، وبينما كنت أحدث نفسي هل أقوم لأرى مصدر هذا الضجيج أم أحافظ على تواصل أفكاري مع أوراقي، سمعت ما يشبه صوت الانفجارات الصغيرة. هنا قمت ـ منزعجا ـ لأرى ما يحدث؛ فإذا بالشارع المؤدي إلى جامع سيد بشر قد تحول إلى ما يشبه "ساحة معركة خشنة" بين متظاهرين بالمئات، وجنود بالعشرات، الجنود يلقون القنابل المسيلة للدموع، والجماهير ترميهم بالحجارة، ثم يتطور الأمر فتهجم عليهم بإقدام غير معهود. وتكون المفاجأة الأكبر، أن يختفي الجنود بعد أقل من نصف ساعة من المواجهة الخاطفة، ويصبح الشارع مسرحا لجماهير الغاضبين المنتصرين.

تطورت الأحداث منذ ذلك اليوم بوقائعها التفصيلية المشدودة إلى معادلات القوة في الواقع، وانتصر الغاضبون فيما يبدو، واستطاعوا ـ في تطورات معقدة، لا يكفي المعلن فقط لمقاربتها ـ تنحية الرئيس، وفرض ما سموه: "ثورة"، أرادت لها بعض القوى أن تتمدد متتالياتها؛ لتكون حالة ثورية عامة تعصف بالعالم العربي، وتنقله من حال إلى حال.

التكتلات السابقة الرابحة من الأنظمة السابقة كانت مهمومة بالحفاظ على مكتسباتها باسترداد الحالة السابقة أو ما هو قريب منها

​​المنحازون إلى هذا التغيير العاصف كانوا متفائلين جدا؛ على الرغم من افتقار الواقع إلى ما يؤكد هذا التفاؤل. كان التفاؤل هو لغة الأكثرية في الأشهر التي أعقبت سقوط حسني مبارك. آنذاك، لا تكاد تسمع إلا الحديث الإيجابي الذي يتمحور حول الإرادة الشبابية التي ستصنع واقعا ديموقراطيا جديدا ينهض على اجتثاث الاستبداد من جذوره؛ كما يقولون. قليلون هم الذين حاولوا قراءة الواقع كما هو؛ وليس كما يأملون أو يتوهمون. فجائية التحولات الدراماتيكية التي لم يسبق لأحد توقعها، جعلت الوعي العام، حتى لدى كثير من المحللين السياسيين، يتعاطى مع الواقع بلغة المعجزات؛ حتى وإن لم يعترف بذلك صراحة؛ إذ يكفي أن يسقط الواقع الصلب من حسابه، ويكتفي بالظاهر المعلن، بل ويكتفي بالشعارات المطروحة كآمال طموحة؛ ليقع في فخ التفكير الرغائبي/ الخرافي، الذي يقود إلى كوارث لا تنتهي، في سلسلة متوالية؛ يقود بعضها إلى بعض. وهذا ما حدث في نهاية المطاف.

لم يتغير رأيي فيما حدث منذ أكثر من سبع سنين. منذ إطلالتي على الحدث مباشرة ظهر 28/1/2011، وأنا أكتب مؤكدا، وفي كل مناسبة، أن ما حدث لم يكن "ثورة"؛ ولن يكون، بل هي مجرد "احتجاجات غضب" على وقائع بائسة. في الأسابيع الخمسة التي تلت ذلك اليوم، كتبت عن رؤيتي غير المتفائلة بما يحدث على وجه الإجمال. على وجه التفصيل/ الوقائع الجزئية، كان يبهجني هذا الحدث أو ذاك، كان يسرني هذا الموقف التحرري أو ذاك التوق العدالي. لكن، في العموم/ المجمل كنت على يقين أن الأمور ستنتهي إلى أسوأ مما بدأت به؛ وسيرضى الجميع من الغنيمة بالإياب.

لم تكن رؤيتي المتشائمة آنذاك تنبع من فراغ، بل من وقائع ومشاهد تعكس واقعا متماسكا، يؤكد ـ في مدلوله النهائي ـ على أن "مشهد الغضب" لم يكن له ما يؤطره فكريا. لم يكن الغاضبون في أغلبيتهم الساحقة يعرفون ما يريدون على وجه التحديد. ما يعرفونه أن واقعهم بائس أشد ما يكون البؤس، أن حياتهم أصبحت رحلة عذاب دائم، ومكابدة مستمرة، وأن حكومتهم هي المسؤولة عن كل ذلك جملة وتفصيلا. وبالتالي، إن تغيرت ـ على أي وجه ـ فسيتغير الواقع جملة وتفصيلا في اتجاه الأحسن حتما؛ لأنه ـ كما يقولون: لا أسوأ مما كان!

الدين ـ لا الإنسان ـ كان محور اهتمام التيارات الأصولية القادرة على الحشد، والتي لا تُعنى إلا بالأممي من أهدافها

​​في كل منعطفات الأحداث إبان "موجات الغضب"، كان الغاضبون يؤكدون بيقين جازم أن حكومتهم هي مصدر بؤس واقعهم، فهي إن لم تكن مسؤولة عن صناعة هذا الواقع، فهي على الأقل مسؤولة عن عدم تغييره إلى ما هو أفضل. لكن، كيف يكون التغيير/ الحل، وعلى يد من، وفي أي مدى زمني، وهل ثمة ثوابت واقعية ساهمت في صناعة البؤس العام، ولا يمكن تجاوزها بسهولة.. إلخ هذه الأسئلة، كل هذا لم يكن مطروحا على طاولة التنظيمات المحركة لهذا الغضب الجماهيري.

إذا كانت موجات الغضب الهادرة تهيمن على الواقع من خلال الحشود المليونية التي تتكون ـ في أغلبيتها الساحقة ـ من البسطاء؛ فإن مسيرة الأحداث لن تكون بمعزل عن تطلعات وطموحات هؤلاء البسطاء. إذا كان هؤلاء هم أذرع "الثورة" التي تتحرك بدوافع غرائزية مباشرة وآنية، فإن أدمغة "الثورة"/ النخب المسيسة كان تسير وفق همومها الخاصة التي لا تعني شيئا للملايين المسحوقة تحت ضرورات اليومي والمباشر والآني؛ ولا تستطيع ـ بل وربما لا تريد ـ أن تربط ذلك باستراتيجيات بعيدة المدى؛ ما دام واقعها لا يقبل ترف التأجيل.

اقرأ للكاتب أيضا: إشكالية الجهاد في الخطاب الإسلامي

لقد كانت مصر، وبقية بلدان الغضب الثوري، تشغل فضاء تأملاتي، منذ بدايات الغضب الجماهيري وإلى اليوم. كثيرا ما أتساءل: كيف/ لماذا بدأ الغضب وكيف/ لماذا انتهى؟ وما المستقبل المتوقع، وأين موقعه من المستقبل المأمول؟ إذا كانت الثورة بالضرورة مقدمة حرية؛ فقد كان يقيني منذ أكثر من سبع سنوات أن لا شيء مما يحدث سيقود إلى الحرية. الحرية لم تكن حتى حلما للغاضبين؛ إلا عند قلة قليلة، وعلى نحو غائم، وبعيدا عن الوعي باشتراطاتها.

الدين ـ لا الإنسان ـ كان محور اهتمام التيارات الأصولية القادرة على الحشد، والتي لا تُعنى إلا بالأممي من أهدافها. التكتلات السابقة الرابحة من الأنظمة السابقة كانت مهمومة بالحفاظ على مكتسباتها باسترداد الحالة السابقة أو ما هو قريب منها. وكل هؤلاء ـ بهمومهم واهتماماتهم ـ بعيدون عن ملايين الغاضبين المشغولين بما يعده المترفون من التوافه: بأسعار مصادر القوت اليومي/ الموارد الغذائية الأساسية، وأسعار الغاز والكهرباء، والمواصلات العامة.. إلخ ضرورياتهم التي لا يعونها إلا في مؤداها النهائي/ المباشر. وهذه الأساسيات الضرورية إن توفرت بحدود معقولة لهؤلاء البسطاء؛ لن يهتموا بما وراء ذلك. فتسعيرة "الفكهاني" أهم لديهم من كل قضايا التشكيلات البرلمانية ومناوراتها، ومن نصوص الحريات والحقوق في الدستور، بل ومن كل تفاصيل النظام السياسي.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!