تونسيون يحتقلون بالذكرى السابعة لثورتهم
تونسيون يحتقلون بالذكرى السابعة لثورتهم

بقلم محمد المحمود/

قبيل غروب شمس السابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 2011، كنت سعيدا بمرافقتي لثلاثة من الإسكندرانيين الظرفاء في شاحنتهم الصغيرة التي ينقلون بها بعض الأثاث المنزلي، من محلهم في حي "كليوباترا" وسط مدينة الإسكندرية، إلى شقتي المستأجرة حديثا في حي "سيدي بشر" أقصى شرق المدينة. كان الطريق طويلا ـ نسبيا ـ وكانت الإسكندرية في مثل هذه المساءات مزدحمة، وصاخبة، وأحيانا غاضبة، حيث يعود الناس من أعمالهم آخر النهار مثقلين بالتعب، واليأس، والضجر، والغضب من أعباء الحياة. منهم من يجابه كل ذلك بحنق فائر، وسخط ظاهر؛ كرد فعل آلي على الواقع الذي يعانده ويشاكسه حد الاستفزاز، ومنهم من يجابهه بسخرية مترفعة، واستخفاف عابث، وتَتفيه زاهد، و ـ أحيانا ـ استحماق فاتر، يقاوم بكل ذلك قسوة هذا الواقع المتغطرس الذي يسحق ـ دونما رحمة ـ أحلام البسطاء المَنسيين.

كان رفاقي ـ لحسن حظي ـ من النوع الثاني. ولهذا مضت تلك الساعة الطُرُقية في ضحك وسخرية وتعليق عبثي على الناس والأشياء. كانت أحداث تونس لا تزال تغلي على صفيح الإعلام الساخن، وشكل هروب الرئيس التونسي في 14 كانون الثاني/يناير ذروتها المبهرة التي أشعلت قناديل الأحلام في عالم الظلام.

لم يكن الغاضبون في أغلبيتهم الساحقة يعرفون ما يريدون على وجه التحديد

​​لم يكن مضى على هذه الواقعة أكثر من ثلاثة أيام، وكما هو متوقع؛ في تلك الرحلة/ تلك الساعة العابرة بين زمنين، استبد بهؤلاء النجارين التعليق الساخر على حادثة هروب الرئيس التونسي من شعبه الغاضب.

كانت المفارقة الساخرة/ المحيرة، واضحة تمام الوضوح في نظر هؤلاء: الرئيس الراسخ في رئاسته، الذي يملك بيديه كل وسائل القوة، من جيش، وشرطة، واستخبارات، فضلا عن وزارات خدمية، وعلاقات خارجية.. إلخ، يهرب من أمام أناس بسطاء مثلهم، أناس ضعفاء فقراء، لا يملكون أكثر من قوت يومهم، أو قوت شهرهم؛ في أحسن الأحوال.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الديني في الإسلام

الغريب أن سخريتهم من هروب الرئيس التونسي لم تلبث أن انقلبت إلى سخرية لاذعة من أنفسهم، من واقعهم، من تصورهم لما يمكن أن يكون عليه موقف المصريين من السلطة؛ مقارنة بموقف التونسيين. لم يكن هؤلاء البسطاء يعرفون شيئا عن تونس، إلا أنها دولة عربية. لم يكونوا يعرفون أين تقع، ولا اسم عاصمتها، ولا عدد سكانها، ولا ظروفها، ولا طبيعة الحكم فيها. ومع هذا، فما يعرفونه هو أن شعبا ما، شعبا مثلهم، غضب على رئيس كرئيسهم؛ فاضطر الرئيس إلى الهروب، بينما المتوقع، والطبيعي في نظرهم، أن يحدث العكس، فتهرب الجماهير من أمام قوات الرئيس.

بعد فترة، تصاعدت حدة الجدل، وكان "حوارهم السياسي" ساذجا، ومضحكا، ومبهجا في آن. لكن، كم كان ملفتا أن يعمد أحدهم إلى نقل المقارنة من حضورها الضمني في الحوار إلى الحضور الصريح. لقد قال صراحة: لا تظنوا أن الشعب التونسي مثلنا، نحن نختلف عن التونسيين، نحن شعب تعود أن يخاف من الحكومة، تخيلوا لو يخرج أهل الإسكندرية في تظاهرة ضد الحكومة، يكفي عسكري واحد يرفع عليهم الكرباج، حتى ترى كل المتظاهرين يهربون من أمامه إلى بيوتهم مذعورين، إن أي مظاهرة ستتلاشى وتذوب كما يذوب الملح في الماء!

من عاشر المصريين يعرف أن تصور هؤلاء الظرفاء كان هو التصور السائد عند الأغلبية الساحقة من المصريين، عن أنفسهم خاصة، وعن العرب عامة. لكن، ثمة شيء كان يختبئ في رحم الزمان. فبعد أقل من أسبوعين على هذا الكلام، كانت ملايين البسطاء من أمثالهم يحتشدون في الميادين، ويواجهون الجنود المسلحين بكل عنف وإصرار وعناد.

هنا كانت المفاجأة غير المنتظرة/ غير المتوقعة. ففي ظهر 28 كانون الثاني/يناير 2011م، وبينما كنت أتصفح بعض أوراقي التي اختصرتها من بعض الكتب، وأعيد ترتيبها، شدني ضجيج غير معتاد، ضجيج يرتفع ليلامس نافذة غرفتي في الدور الثاني عشر، وبينما كنت أحدث نفسي هل أقوم لأرى مصدر هذا الضجيج أم أحافظ على تواصل أفكاري مع أوراقي، سمعت ما يشبه صوت الانفجارات الصغيرة. هنا قمت ـ منزعجا ـ لأرى ما يحدث؛ فإذا بالشارع المؤدي إلى جامع سيد بشر قد تحول إلى ما يشبه "ساحة معركة خشنة" بين متظاهرين بالمئات، وجنود بالعشرات، الجنود يلقون القنابل المسيلة للدموع، والجماهير ترميهم بالحجارة، ثم يتطور الأمر فتهجم عليهم بإقدام غير معهود. وتكون المفاجأة الأكبر، أن يختفي الجنود بعد أقل من نصف ساعة من المواجهة الخاطفة، ويصبح الشارع مسرحا لجماهير الغاضبين المنتصرين.

تطورت الأحداث منذ ذلك اليوم بوقائعها التفصيلية المشدودة إلى معادلات القوة في الواقع، وانتصر الغاضبون فيما يبدو، واستطاعوا ـ في تطورات معقدة، لا يكفي المعلن فقط لمقاربتها ـ تنحية الرئيس، وفرض ما سموه: "ثورة"، أرادت لها بعض القوى أن تتمدد متتالياتها؛ لتكون حالة ثورية عامة تعصف بالعالم العربي، وتنقله من حال إلى حال.

التكتلات السابقة الرابحة من الأنظمة السابقة كانت مهمومة بالحفاظ على مكتسباتها باسترداد الحالة السابقة أو ما هو قريب منها

​​المنحازون إلى هذا التغيير العاصف كانوا متفائلين جدا؛ على الرغم من افتقار الواقع إلى ما يؤكد هذا التفاؤل. كان التفاؤل هو لغة الأكثرية في الأشهر التي أعقبت سقوط حسني مبارك. آنذاك، لا تكاد تسمع إلا الحديث الإيجابي الذي يتمحور حول الإرادة الشبابية التي ستصنع واقعا ديموقراطيا جديدا ينهض على اجتثاث الاستبداد من جذوره؛ كما يقولون. قليلون هم الذين حاولوا قراءة الواقع كما هو؛ وليس كما يأملون أو يتوهمون. فجائية التحولات الدراماتيكية التي لم يسبق لأحد توقعها، جعلت الوعي العام، حتى لدى كثير من المحللين السياسيين، يتعاطى مع الواقع بلغة المعجزات؛ حتى وإن لم يعترف بذلك صراحة؛ إذ يكفي أن يسقط الواقع الصلب من حسابه، ويكتفي بالظاهر المعلن، بل ويكتفي بالشعارات المطروحة كآمال طموحة؛ ليقع في فخ التفكير الرغائبي/ الخرافي، الذي يقود إلى كوارث لا تنتهي، في سلسلة متوالية؛ يقود بعضها إلى بعض. وهذا ما حدث في نهاية المطاف.

لم يتغير رأيي فيما حدث منذ أكثر من سبع سنين. منذ إطلالتي على الحدث مباشرة ظهر 28/1/2011، وأنا أكتب مؤكدا، وفي كل مناسبة، أن ما حدث لم يكن "ثورة"؛ ولن يكون، بل هي مجرد "احتجاجات غضب" على وقائع بائسة. في الأسابيع الخمسة التي تلت ذلك اليوم، كتبت عن رؤيتي غير المتفائلة بما يحدث على وجه الإجمال. على وجه التفصيل/ الوقائع الجزئية، كان يبهجني هذا الحدث أو ذاك، كان يسرني هذا الموقف التحرري أو ذاك التوق العدالي. لكن، في العموم/ المجمل كنت على يقين أن الأمور ستنتهي إلى أسوأ مما بدأت به؛ وسيرضى الجميع من الغنيمة بالإياب.

لم تكن رؤيتي المتشائمة آنذاك تنبع من فراغ، بل من وقائع ومشاهد تعكس واقعا متماسكا، يؤكد ـ في مدلوله النهائي ـ على أن "مشهد الغضب" لم يكن له ما يؤطره فكريا. لم يكن الغاضبون في أغلبيتهم الساحقة يعرفون ما يريدون على وجه التحديد. ما يعرفونه أن واقعهم بائس أشد ما يكون البؤس، أن حياتهم أصبحت رحلة عذاب دائم، ومكابدة مستمرة، وأن حكومتهم هي المسؤولة عن كل ذلك جملة وتفصيلا. وبالتالي، إن تغيرت ـ على أي وجه ـ فسيتغير الواقع جملة وتفصيلا في اتجاه الأحسن حتما؛ لأنه ـ كما يقولون: لا أسوأ مما كان!

الدين ـ لا الإنسان ـ كان محور اهتمام التيارات الأصولية القادرة على الحشد، والتي لا تُعنى إلا بالأممي من أهدافها

​​في كل منعطفات الأحداث إبان "موجات الغضب"، كان الغاضبون يؤكدون بيقين جازم أن حكومتهم هي مصدر بؤس واقعهم، فهي إن لم تكن مسؤولة عن صناعة هذا الواقع، فهي على الأقل مسؤولة عن عدم تغييره إلى ما هو أفضل. لكن، كيف يكون التغيير/ الحل، وعلى يد من، وفي أي مدى زمني، وهل ثمة ثوابت واقعية ساهمت في صناعة البؤس العام، ولا يمكن تجاوزها بسهولة.. إلخ هذه الأسئلة، كل هذا لم يكن مطروحا على طاولة التنظيمات المحركة لهذا الغضب الجماهيري.

إذا كانت موجات الغضب الهادرة تهيمن على الواقع من خلال الحشود المليونية التي تتكون ـ في أغلبيتها الساحقة ـ من البسطاء؛ فإن مسيرة الأحداث لن تكون بمعزل عن تطلعات وطموحات هؤلاء البسطاء. إذا كان هؤلاء هم أذرع "الثورة" التي تتحرك بدوافع غرائزية مباشرة وآنية، فإن أدمغة "الثورة"/ النخب المسيسة كان تسير وفق همومها الخاصة التي لا تعني شيئا للملايين المسحوقة تحت ضرورات اليومي والمباشر والآني؛ ولا تستطيع ـ بل وربما لا تريد ـ أن تربط ذلك باستراتيجيات بعيدة المدى؛ ما دام واقعها لا يقبل ترف التأجيل.

اقرأ للكاتب أيضا: إشكالية الجهاد في الخطاب الإسلامي

لقد كانت مصر، وبقية بلدان الغضب الثوري، تشغل فضاء تأملاتي، منذ بدايات الغضب الجماهيري وإلى اليوم. كثيرا ما أتساءل: كيف/ لماذا بدأ الغضب وكيف/ لماذا انتهى؟ وما المستقبل المتوقع، وأين موقعه من المستقبل المأمول؟ إذا كانت الثورة بالضرورة مقدمة حرية؛ فقد كان يقيني منذ أكثر من سبع سنوات أن لا شيء مما يحدث سيقود إلى الحرية. الحرية لم تكن حتى حلما للغاضبين؛ إلا عند قلة قليلة، وعلى نحو غائم، وبعيدا عن الوعي باشتراطاتها.

الدين ـ لا الإنسان ـ كان محور اهتمام التيارات الأصولية القادرة على الحشد، والتي لا تُعنى إلا بالأممي من أهدافها. التكتلات السابقة الرابحة من الأنظمة السابقة كانت مهمومة بالحفاظ على مكتسباتها باسترداد الحالة السابقة أو ما هو قريب منها. وكل هؤلاء ـ بهمومهم واهتماماتهم ـ بعيدون عن ملايين الغاضبين المشغولين بما يعده المترفون من التوافه: بأسعار مصادر القوت اليومي/ الموارد الغذائية الأساسية، وأسعار الغاز والكهرباء، والمواصلات العامة.. إلخ ضرورياتهم التي لا يعونها إلا في مؤداها النهائي/ المباشر. وهذه الأساسيات الضرورية إن توفرت بحدود معقولة لهؤلاء البسطاء؛ لن يهتموا بما وراء ذلك. فتسعيرة "الفكهاني" أهم لديهم من كل قضايا التشكيلات البرلمانية ومناوراتها، ومن نصوص الحريات والحقوق في الدستور، بل ومن كل تفاصيل النظام السياسي.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.