لاجئة سورية في مخيم المبروكة في بلدة راس العين عند الحدود السورية ـ التركية
لاجئة سورية في مخيم المبروكة في بلدة راس العين عند الحدود السورية ـ التركية

بقلم سونر چاغاپتاي ومايا يالكن/

يشكل السوريون ما يقرب من ثلث جميع اللاجئين في العالم، وتستضيف تركيا 63.4 في المئة منهم، أي 3,570,352 شخصا. ويمثل هذا العدد، الذي استخلص الشهر الماضي من إحصائيات يتم تحديثها بشكل دوري من قبل "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، زيادة بنسبة 4.2 في المئة في عدد سكان تركيا لعام 2017 البالغ 81,745,000 نسمة. لذا، تتطلب هذه الإضافة الكبيرة الفجائية إجراء تحليل أكثر عمقا لما يحدثه السوريون النازحون من آثار ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية على المجتمع التركي.

التأثير الديموغرافي

يعد تدفق اللاجئين السوريين بين عامي 2011 و2017 التحول الديموغرافي الأهم في تركيا منذ "التبادل السكاني" مع اليونان بين عامي 1923 و1924. فقد فتحت الحكومة التركية أبوابها أمام الناس للهروب من وحشية نظام الأسد في نيسان/أبريل 2011، مما أسفر عن فرار مليون شخص عبر الحدود بحلول أيلول/سبتمبر 2014. وبعد مرور عام، تضاعف العدد إلى مليوني شخص، ليبلغ ثلاثة ملايين في عام 2017. ووفقا للأمم المتحدة، فإن 1,926,987 من هؤلاء السوريين هم من الذكور و1,627,085 من الإناث، وهناك أكثر من مليون لاجئ دون سن العاشرة.

وفي الوقت الحالي، أصبحت الغالبية الساحقة من اللاجئين (أي 3,554,072 فردا) مختلطة مع السكان الأتراك، في حين يتم إيواء 212,816 لاجئا في المخيمات. ويتركز حوالي 2.8 مليون منهم في اثنتي عشرة محافظة من أصل إحدى وثمانين، وهي: أضنة، وبورصة، وغازي عنتاب، وهاتاي، واسطنبول، وإزمير، وكهرمان ماراس، وكيليس، وقونية، وماردين، ومرسين، وسانليورفا.

العديد من السوريين يترددون في السعي للحصول على الجنسية التركية لأنهم يعتقدون أنها قد تعرض هدفهم بالعودة إلى بلادهم يوما ما إلى الخطر

​​وتضم اسطنبول العدد الأكبر من اللاجئين: 563,015 لاجئا، أي 3.6 في المئة من إجمالي سكان المحافظة لعام 2017. وفي المقابل، تستضيف ثماني محافظات جنوبية حوالي 57 في المئة منهم، حيث يكتسي الأثر الديموغرافي هناك أهمية خاصة. كما يشكل السوريون الهاربون 19.3 في المئة من سكان سانليورفا (474,077,لاجئا) و21.2 في المئة من سكان هاتاي (443,871) و16.1 في المئة في غازي عنتاب (385,541) و10.4 في المئة من مرسين (208,687) ونسبة هائلة تبلغ 49 في المئة من سكان محافظة كيليس الصغيرة (131,261).

وفي مقاطعات أخرى، تستضيف ثلاث محافظات صناعية ـ هي قونية وقيصري في وسط تركيا، وأزمير على طول الساحل الغربي ـ أعدادا كبيرة من اللاجئين، ولكن الأثر السكاني المحلي أقل بكثير من حيث النسبة المئوية. ففي إزمير، يمثل 137,612 لاجئا 3.1 في المئة من عدد سكان المحافظة، في حين تستضيف قونية 104,431 لاجئا (4.6 في المئة)، وقيصري 74,601 (5.4 في المئة). ومجتمعة، تستضيف أكبر ثلاث محافظات في تركيا ـ أنقرة (73,016 لاجئا، أي 1.3 في المئة من سكانها)، واسطنبول وإزمير ـ ما يقارب 22 في المئة من اللاجئين.

الأثر العرقي

على الرغم من أن الكثير من هذه الأعداد قد تبدو صغيرة مقابل مجموع سكان تركيا، يحدث اللاجئون أثرا كبيرا على التكوين العرقي لبعض المحافظات، لاسيما المناطق التركية والكردية والعربية المختلطة بالقرب من الحدود السورية. وهذه المحافظات ليست هامشية من الناحية الديموغرافية، إذ إن غازي عنتاب وهاتاي وكهرمان ماراس وكيليس وماردين وسانليورفا هي موطن أكثر من 10.6 في المئة من سكان البلاد، كما تعد عاصمة غازي عنتاب ثامن أكبر مدينة في تركيا.

ولم تجمع الحكومة بيانات عن الأصول العرقية للمواطنين منذ تعداد النفوس عام 1960. وفي ذلك الوقت، كان العرب (الذين يعرّفون بأن لغتهم الأم هي العربية) يشكلون 1.25 في المئة فقط من مجموع السكان، حيث انتشرت النسبة الأكبر منهم في ثلاث محافظات جنوبية هي: هاتاي (34 في المئة) وماردين (21 في المئة) وسانليورفا (13 في المئة).

وتشير بيانات أخرى إلى أن الرقم الوطني لم يتغير كثيرا على مر العقود. فعلى سبيل المثال، تبين في استطلاع وطني أجرته مؤسسة "كوندا" عام 2007 أن 1.38 في المئة من المجيبين أعلنوا أن لغتهم الأم هي العربية. ومع ذلك، فإن التدفق الساحق للاجئين العرب السنة من البلدان المجاورة قد أحدث تغييرات جذرية في المحافظات الجنوبية ذات الكثافة السكانية العربية الأكبر.

اليوم، يشكل اللاجئون والمواطنون الناطقون باللغة العربية 56 في المئة من سكان هاتاي، مما يجعلها أول محافظة ذات أغلبية عربية في تركيا. وفي حين سيطر العلويون على مجتمع هاتاي العربي قبل الحرب، فإن تدفق اللاجئين جعل المجتمعات العربية السنية والعلوية متساوية في الحجم.

وعلى نحو مماثل، كانت نسبة السكان العرب في مدينة كيليس تقل عن 1 في المئة، ولكن من المنتظر الآن أن تصبح ثاني أكبر محافظة عربية في تركيا. وفي هذا الصدد، أفادت بعض التقارير أن السكان العرب قد حققوا قفزات كبيرة في عدد السكان في ماردين (من 21 في المئة إلى 31.2 في المئة) وفي سانليورفا (من 13 في المئة إلى 32.3 في المئة).

معوقات الاندماج

من عام 2011 حتى عام 2016، حافظت أنقرة على سياسة الباب المفتوح من خلال قبول اللاجئين السوريين المشمولين بنظام "الحماية المؤقتة" بشكل قانوني. ويستند هذا النظام، الذي أنشأته "المديرية العامة لإدارة الهجرة (GIGM)" في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، على ثلاثة مبادئ: تبقي تركيا حدودها مفتوحة أمام الأشخاص الذين يلتمسون الأمان؛ ولن يتم إرسال أي أفراد من سورية إلى ديارهم ضد إرادتهم؛ وسوف تتم تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية للأشخاص الفارين من الحرب.

اليوم، يشكل اللاجئون والمواطنون الناطقون باللغة العربية 56 في المئة من سكان هاتاي، مما يجعلها أول محافظة ذات أغلبية عربية في تركيا

​​وفي حين أن الحماية المؤقتة هي إجراء إنساني غير سياسي، إلا أن "المديرية العامة لإدارة الهجرة" تفرض العديد من المتطلبات والقيود البيروقراطية. فلدى اللاجئين مهلة زمنية محددة للحصول على بطاقات تعريف خاصة بالحماية المؤقتة، ولا تعتبر هذه البطاقات بمثابة تصاريح إقامة أو تصاريح عمل. بالإضافة إلى ذلك، ففي مقال نشره "معهد صحافة الحرب والسلام" عام 2015، كتب عمر يوسف أنه يجب على السوريين التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة مؤقت من أجل التنقل بحرية داخل تركيا، غير أن الحصول على هذا التصريح يتطلب جواز سفر ساري المفعول (لم يعد يملكه العديد من اللاجئين) وتأمين صحي تركي (بتكلفة لا تقل عن 300 دولار سنويا) وحساب مصرفي يحتوي على ما لا يقل عن 6,000 دولار (مبلغ باهظ لمعظمهم). وتنطبق هذه القيود على أي مهاجر غير شرعي، وليس على السوريين فقط.

واليوم، يبلغ عدد اللاجئين الذين يملكون تصاريح إقامة تركية 712,218 فقط، حيث يقيم 347,297 منهم في اسطنبول. ووفقا للصحفي محمد بارودي، "غضت الحكومة الطرف" في البداية عن اللاجئين غير المسجلين الذين تجاوزوا مهلة الثلاثة أشهر التي حددها القانون في كانون الثاني/يناير 2015، والتي استباحها العديد من السوريين من خلال الخروج من تركيا والعودة إليها. ومع ذلك، أدت هذه الزيادة الهائلة في عدد الوافدين إلى دفع الحكومة في النهاية إلى فرض التقيد بالمهلة المحددة كوسيلة لحث السوريين على التسجيل للحصول على تصاريح إقامة ومعالجة المخاوف الأمنية المحتملة.

أما بالنسبة لتصاريح العمل، فلم يتمكن سوى 56,024 سوريا من الحصول عليها اعتبارا من عام 2017. وقد استحدثت تركيا نظام التصاريح في أوائل عام 2016 لمساعدة اللاجئين على الاعتماد على أنفسهم وإعفاء أنقرة من العبء المالي الناجم عن إيوائهم، غير أن الحواجز القانونية منعت أصحاب العمل من توظيفهم بأعداد كبيرة.

فعلى سبيل المثال، قبل التعاقد مع لاجئ سوري، يخضع أصحاب العمل لفترة انتظار أمدها أربعة أسابيع، يتعين عليهم خلالها أن يدعموا بالوثائق عدم وجود مواطن تركي يتمتع بمهارات متساوية لملء المنصب الشاغر. كما ينص القانون على أنه لا يمكن للسوريين الخاضعين للحماية المؤقتة أن يتجاوزوا نسبة 10 في المئة من القوة العاملة في أي شركة. علاوة على ذلك، لا يستطيع اللاجئون إلا التقدم بطلب للحصول على وظائف في المحافظات التي هم مسجلين فيها ـ وهو شرط يؤدي إلى إحداث تنافس قوي على صعيد العمل الرسمي لأن حوالي 78 في المئة منهم يتمركزون في 12 محافظة.

في هذا الإطار، يسمح لبعض أرباب العمل في مجال الزراعة وتربية الحيوانات بتوظيف السوريين المشمولين بالحماية المؤقتة كعمال موسميين دون تقديم طلبات للحصول على تصاريح عمل. غير أن الكثير من المهن الأخرى مغلقة تماما أمام السوريين، مثل طب الأسنان، والصيدلة، والطب البيطري، والعمل القانوني، وأعمال التوثيق، والأمن، والسمسرة الجمركية. وبالنظر إلى كافة هذه القيود، يشارك حاليا أقل من 1 في المئة من السوريين ممن هم في سن العمل في سوق العمل الرسمي لتركيا. فالأغلبية الساحقة "تفضل الاقتصاد غير الرسمي بسبب التكاليف المرتبطة بالحصول على تصاريح العمل"، كما كشف أحد المسؤولين في وزارة العمل خلال اجتماع عقد مؤخرا في هاتاي.

وفي تموز/يوليو 2017، وصف عمر كادكوي من "مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا" ("تيباف") في اسطنبول كيف أن "صدمة العرض" في سوق العمل قد ضربت جنوب شرق تركيا بشكل خاص، مما أدى إلى "منافسة شديدة على الوظائف التي تتطلب مهارات متدنية". أما بالنسبة إلى المواطنين المحليين، فقد ازداد معدل البطالة بينهم، خاصة في صفوف النساء والشباب. أما بالنسبة إلى اللاجئين، فيميل أرباب العمل إلى تقييدهم "بالعمل المرن" غير الرسمي، مشيرين إلى قلقهم إزاء "ضعف مهاراتهم اللغوية، ونقص المهارات المهنية وثقافة العمل غير المتوافقة".

نتيجة لذلك، فإن طالبي اللجوء السوريين الذين يتمكنون من العثور على عمل غالبا ما يحصلون على أقل من الحد الأدنى للأجور ويعملون لفترات أطول وفي ظل ظروف غير لائقة، في حين يتجنب أرباب العمل أقساط التأمين الاجتماعي ورسوم تصاريح العمل.

احتمالات التجنيس

في نيسان/أبريل 2013، وافقت تركيا على "قانون الأجانب والحماية الدولية" الشامل والمستوحى من "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، الذي أعاد التزام البلاد بتزويد اللاجئين بالاحتياجات الإنسانية الأساسية وقام بإنشاء هيئة حكومية جديدة لإجراءات اللجوء، وهي "المديرية العامة لإدارة الهجرة" المذكورة آنفا. ومع ذلك، لم يُشرع في عملية تسجيل العدد المتزايد باطراد من السوريين إلا بحلول عام 2014. وحتى في ذلك الوقت، لم يكن النظام شاملا أو فعالا بما يكفي لمواكبة التدفق السريع النمو. وبالتالي، لا يزال معظم اللاجئين غير المقيمين في المخيمات غير مسجلين وغير معروفين.

جهود دمج اللاجئين مع السكان المحليين جاءت متأخرة، مما يشير إلى أن تركيا لا تزال تهدف إلى إعادتهم إلى سورية

​​وفي الوقت نفسه، اعتمدت الحكومة قانونا جديدا للجنسية التركية في أيار/مايو 2009 يسمح للاجئين بتقديم طلب للحصول على الجنسية إذا كانوا قد عاشوا في البلاد لمدة "خمس سنوات بلا انقطاع" (هناك متطلبات أخرى للقانون، ولكن في واقع الأمر، تتلخص العملية في معيار السنوات الخمس). ولكي يثبت اللاجئون أنهم استوفوا هذا الشرط، يجب أن يوفروا محل إقامة قانوني أو تصاريح مؤرخة بشكل مناسب. ويمكن الحصول على الوضع القانوني لمحل الإقامة عن طريق التقدم بطلب إلى مكتب حاكم المحافظة خلال الأيام العشرة الأولى من دخول تركيا.

إن العديد من اللاجئين، الذين تقدموا بطلبات للحصول على هذه الوثائق لدى وصولهم، قد استوفوا شرط الخمس سنوات وأصبحوا مؤهلين الآن لأن يصبحوا مواطنين أتراك. فمنذ عام 2011، حصل 55,583 سوريا على الجنسية بشكل رسمي، من بينهم حوالي 25,000 شخص تحت سن الثامنة عشرة. إلا أن هذا العدد يعتبر ضئيلا حينما ينظر المرء إلى أن 276,158 طفلا قد ولدوا لأبوين من لاجئين في تركيا بين نيسان/أبريل 2011 ونهاية عام 2017 (على خلاف الولايات المتحدة، لا تمنح تركيا الجنسية تلقائيا للأطفال المولودين على أراضيها؛ يجب أن يكون أحد والديهم على الأقل مواطن أولا). ويشير هذا العدد الضئيل إلى أن الحكومة التركية قد لا تكون راغبة في التعجيل بمعالجة طلبات التجنس الخاصة بالسوريين؛ كما قد يلوح بأن العديد من السوريين يترددون في السعي للحصول على الجنسية التركية لأنهم يعتقدون أنها قد تعرض هدفهم بالعودة إلى بلادهم يوما ما إلى الخطر.

الخاتمة

في حين قامت أنقرة بعمل جيد في استقبال نحو 3.6 مليون سوري وتلبية احتياجاتهم الأساسية، إلا أن جهود دمجهم مع السكان المحليين جاءت متأخرة، مما يشير إلى أن تركيا لا تزال تهدف إلى إعادتهم إلى سورية. كما سبق وأن قامت الحكومة بنقل ما يقرب من 150,000 لاجئ إلى المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها تركيا في شمال سورية.

وفي المرحلة القادمة، قد ترغب أنقرة في الموافقة ضمنيا على حل سياسي ينهي الحرب ويمهد الطريق أمام عودة المزيد من السوريين إلى بلادهم. فالمسؤولون الأتراك يتسامحون أساسا مع سيطرة نظام الأسد على السلطة حتى عندما يقولون عكس ذلك في العلن. وفي النهاية، فإن أعدادا كبيرة من هؤلاء اللاجئين قد عارضوا نظام الأسد، ويبقى أن نرى لأي عدد منهم سوف تسمح دمشق بالعودة إليها.

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف الكتاب: "السلطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة".

مايا يالكن هي متدربة أبحاث سابقة في المعهد.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

اعتقلت السلطات المصرية مودة الأدهم في إحدى ضواحي القاهرة مساء الخميس
مودة الأدهم إحدى فتيات التك توك اللواتي تم اعتقالهن

كثيرا ما تتدخل المنظمات الدولية للدفاع عن الناشطين والمعارضين السياسيين الذين يتعرضون للاعتقال أو الاضطهاد في بعض دول العالم، ولكن من النادر سماع اعتراض من هذه المنظمات على ما تتعرض له المرأة في الشرق من ظلم في النواحي الاجتماعية، خصوصا إذا كانت الاتهامات الموجّهة لها ذات طبيعة أخلاقية استخدمت فيها عبارات من نوع القيام بأفعال "مخلّة بالآداب العامة" أو تسيء "لقيم المجتمع"، وتأكّد ذلك مؤخرا في غياب أي رد فعل على اعتقال عدة فتيات في مصر لنشرهن على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة راقصة أو ساخرة.

فقد تم توجيه اتهامات عديدة لهؤلاء الفتيات تستند على مواد مأخوذة من قوانين مختلفة، أولها القانون 180 لتنظيم الإعلام لعام 2018 والذي ينص "يجب على المواقع عدم نشر أخبار كاذبة أو الدعوة إلى مخالفة القانون أو العنف أو الكراهية أو التمييز بين المواطنين والعنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبّا أو قذفا لهم، أو امتهان الأديان السماوية أو العقائد الدينية أو يخالف النظام العام والآداب العامة"، وأوضحت المادة 29 من هذا القانون بأنه لا يجوز توقيع عقوبة سالبة للحرية في تلك القضايا بل تقتصر العقوبة على حجب الموقع، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد.

وبما أن هذه المادة لا يترتب عليها سجن الفتيات فقد تم استخدام المادة 25 من قانون تقنية المعلومات 175 لعام 2018 والتي تنص "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة 50 حتى 100 ألف جنيه أو بأحد هاتين العقوبتين من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة رسائل إلكترونية لشخص دون موافقته أو منح بيانات شخصية إلى موقع إلكتروني لترويج سلع دون موافقته، أو نشر أخبارا أو صورا تنتهك خصوصية شخص دون رضاه"، والمقصود في هذه المادة من يقوم باختراق حسابات الآخرين أو سرقة معلوماتهم وخصوصياتهم ونشرها بطريقة تسيء لهم.

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات

ولأن هذه المادة أيضا لا تنطبق على الفتيات الموقوفات فقد تم استخدام عبارات في إتهامهن مثل "التحريض على الفسق والفجور" حتى يصبح بالإمكان شملهن بقانون مكافحة الدعارة لعام 1960 والمقصود به كل من يدعو أو يدفع نحو ممارسة الدعارة، رغم أنه لا يوجد في ممارسات هؤلاء الفتيات شيء من هذا القبيل، كما تم استخدام المادة 178 من قانون العقوبات لعام 1952 التي تتناول استعمال صور مخلة بالآداب العامة.

ما يمكن استنتاجه، أن النيابة العامة المصرية كانت تبحث عن أي نص قانوني تستطيع فيه سجن هؤلاء الفتيات لأنه لا عقوبة إلا بنص، حتى أنها لجأت لاستعمال عبارات بعيدة تماما عن القضية مثل "الإتجار بالبشر"، في مبالغة لفظية تستهدف تبرير الإجراءات المشددة التي اتخذت بحقهن، في إشارة إلى دعوة فتيات للتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين رغم تأكيد المتّهمة المسجّل بصوتها على ضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية.

هذه الطبيعة الكيدية في توجيه الاتهامات لضمان إدخال فتيات في مقتبل العمر إلى السجن لأطول فترة ممكنة، تتناقض مع القضاء في العالم المتحضّر الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولا يمكن تجاوز معرفة هؤلاء القضاة ما هي انعكاسات ذلك على مستقبل الفتيات، في مجتمعات تعتبر الرجال إذا تعرضوا للسجن أو التوقيف لأي سبب "أصحاب سوابق"، مما يشكل وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فكيف لفتيات صغيرات في بيئات مغلقة يلعب مفهوم السمعة فيها دورا كبيرا.

ورغم أن القضاة يعرفون وضع السجون في مصر وما تتعرض له السجينات هناك، والذي وصفته سلمى أشرف مسؤولة الملف المصري في "هيومن رايتس مونيتور": "أوضاع النساء في السجون المصرية من أسوأ الأوضاع على مستوى العالم فهن يتعرضن للإهمال الطبي والقتل البطيء المتعمد". 

وذكر تقرير أعدته الكاتبة إيمان عوف اعتمادا على شهادات حيّة: "عند التحويل للسجن يبدأ التفتيش الذاتي في المدخل، حيث تقف السجينات عاريات تماما ويطلب منهن الجلوس والوقوف بوضعية القرفصاء ثم تتحسّس السجانات أجسادهن، الأثداء والمهبل والشرج ويحدث ذلك في كثير من الأحيان أمام حراس السجن في غرفة مفتوحة الأبواب والشبابيك وأحيانا تستعين السجانة بالحراس لنزع ملابس السجينة التي ترفض نزع ملابسها".

وقالت المحامية ماهينور المصري "مهما كان ما يحدث مع المعتقلات السياسيات مرعبا فإنه لا يمثّل شيئا بما يحدث مع السجينات بتهم جنائية، حيث يتعرضن لتفتيش مهبلي مهين وفحص كشف عذرية"، هذه هي السجون التي أرسل إليها القضاء المصري طالبة جامعية في التاسعة عشرة من عمرها، رغم أنه لا يوجد ما يمنع قانونيا من محاكمتها طليقة كما يحصل في أغلب دول العالم التي تعتبر نفسها مسؤولة وحريصة على مصلحة أبنائها وبناتها وليست جهة تريد الانتقام منهم بعقلية محاكم تفتيش العصور الوسطى.

ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة في الانتقام أن عشرات الشباب والفتيات والسيدات قمن بتسجيل ونشر مئات المقاطع على هذه المواقع، لكن اللاتي تمّت إحالتهن للقضاء هن فقط الفتيات الأصغر عمرا أو من لديهن معالم أنوثة واضحة، وكأن المعالم الأنثوية التي خلقها الله ليتناسب جسد المرأة مع الحمل والإنجاب والإرضاع هي تهمة تخدش حياء المجتمع المصري وتشكّل تهديدا لأخلاقه.

ومع أنه في الكثير من هذه المقاطع لم يكن هدف الفتاة أن تبدو جميلة بل أن تقدم شيئا طريفا أو ساخرا حتى لو كان ذلك على حساب شكلها، لأن غايتها جذب أكبر عدد من المشاهدات وزيادة أعداد المتابعين مما قد بعود عليها بمردود مالي، والذي اعتبرته النيابة مؤشرا على وجود أمر غير أخلاقي، رغم أن هناك شبابا ينشرون مقاطع على نفس المواقع ويحققون عائدات مالية دون أن يتم اتهامهم بشيء.

المجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل

كشفت هذه القضايا عن تواطؤ مجتمع كامل في جريمة قدح وذم بحق أولئك الفتيات، من رئيس جامعة القاهرة الذي قال بأن الجامعة ستتخذ أقصى عقوبة بحق واحدة منهن بلهجة لا تتماشى مع مسؤول تربوي يعتبر طلابه مثل أبنائه، إلى السلطة القضائية التي يسيطر عليها رجال تدل تصرفاتهم على أن هدفهم الانتقام من المرأة وليس تحقيق العدالة، وسلطة تشريعية ترى أن وظيفتها هي المزاودة الخطابية في القضايا التي تعرض عليها، خصوصا عند لعب دور حماية الفضيلة، وإعلام يعيش أسوأ أيامه ويبحث عن عناوين مشوّقة تجذب المشاهدين حتى لو كان ذلك على حساب الإساءة لسمعة النساء، وسلطة تنفيذية تماشي المزاج الشعبي لأنه ليس لديها الشجاعة الكافية لمواجهة حالة الهيستيريا والهوس بالمرأة التي تعيشها مصر حاليا.

ويكرر جميع هؤلاء لتبرير سلوكهم المتحامل على المتّهمات عبارة: "خصوصية المجتمع المصري"، في اعتراف ضمني بأن هؤلاء الفتيات ما كانوا ليسجنوا من أجل هذه التسجيلات لو كانوا في بلد آخر، لأن هذه الخصوصية تبيح سجن النساء وإهانتهن لأتفه الأسباب، كما تبيح التحرّش بهن في الشوارع ثم وضع اللوم عليهن، كما تسمح بالاعتداء جنسيا على الفتيات اليتيمات والفقيرات ثم تحميلهن مسؤولية هذا الاعتداء.

وكان آخر الأمثلة على خصوصية المجتمع المصري أن يترافق اعتقال الفتيات مع إطلاق سراح من قتل بدم بارد الفنانة سوزان تميم بعفو رئاسي، بعد ثلاث سنوات من إطلاق سراح من كلّفه بهذه الجريمة وأعطاه أموالا لتنفيذها بعفو مماثل، فالمجتمعات التي تجد دائما مبررات لقمع النساء ووضعهن في السجون لن تعجز عن إيجاد أعذار للقاتل.