أحد المواقع النبطية الأثرية في بلدة العلا السعودية
أحد المواقع النبطية الأثرية في بلدة العلا السعودية

بقلم حسين عبد الحسين/

فيما كان حجاج هذا العام يؤدون المراسم الدينية المعروفة، تعرضت مكة لرياح وأمطار فاجأت الحجاج والمراقبين. يعتقد خبراء المناخ، في غالبيتهم، أن أمطار مكة تعكس تغييرات مناخية ناجمة عن الاحتباس الحراري، الذي يتسبب به البشر. لكن التاريخ المناخي قد يشي بما هو مغاير.

من لا يعرف تاريخ صحراء شمال إفريقيا، وامتدادها عبر البحر الأحمر لتشمل جزيرة العرب، قد يخال أن هذه الرقعة الشاسعة من الأرض كانت صحراء منذ الطور الجيولوجي الأخير الذي تكونت فيه اليابسة في شكلها الحالي. لكن الآثار الجيولوجية تشي بعكس ذلك؛ ففي صحراء شمال إفريقيا والصحراء العربية دلائل تشير إلى أنها كانت خضراء بالكامل، وأن أمطارها كانت غزيرة، وكذلك أنهارها وبحيراتها. ولوفرة مياهها وخضرة طبيعتها، عاشت في هذه الرقعة حيوانات متنوعة من التي تعيش في الأدغال، كالأسود والفهود والغزلان والزرافات، فضلا عن التماسيح وفرسان النهر، وبعضها لا تزال بقايا هياكلها العظمية متناثرة في الصحراء القاحلة اليوم.

في صحراء شمال إفريقيا والصحراء العربية دلائل تشير إلى أنها كانت خضراء بالكامل، وأن أمطارها كانت غزيرة، وكذلك أنهارها وبحيراتها

​​يعتقد عدد من العلماء أن أسباب التغيير المناخي الذي قلب الصحراء خضراء، ثم أعادها صحراء مجددا، هو انحراف دوري في محور الكرة الأرضية، يؤدي إلى تغيير في انحناءة الكوكب، فتتغير قوة الشمس التي تضرب بقعة معينة من الأرض، ويؤدي التغيير الشمسي إلى تغيير مناخي. هكذا، انحرف محور الأرض قبل حوالي تسعة آلاف سنة، فانتقلت أمطار خط الاستواء شمالا، فانتعشت أراضي شمال إفريقيا والجزيرة العربية، ودامت خضراء إلى أن عاد محور الأرض إلى موقعه السابق، قبل حوالي خمسة آلاف وخمسمئة سنة، فعادت الأمطار من الشمال إلى الاستواء، وجفت الأرض شمالا، وعادت أراضي شمال إفريقيا وجزيرة العرب صحراء قاحلة.

اقرأ للكاتب أيضا: السلطان مفلس

أدى الجفاف لاختفاء نهر، كان طول مساره 1200 كيلومترا، وكان يقسم الجزيرة العربية إلى نصفين، شمالي وجنوبي، وكان ينبع من سلسلة جبال الحجاز جنوب المدينة بقليل، غرب السعودية، ويجري باتجاه الشمال الشرقي عبر وادي الرمة، ويتابع مسيره نحو حفر الباطن، ثم يلتقي أنهار كارون الإيراني ودجلة والفرات العراقيين، حيث تصب الأنهار الأربعة في موقع يحتمل أنه كان الكويت، يوم كانت الأخيرة تحت الماء، أو نقطة أخرى في جوارها. ويعتقد باحثو العهد القديم أن هذا الترتيب الجيولوجي، أي الأنهار الأربعة التي تصب في منطقة واحدة، هو الذي ترد الإشارة إليه في سفر التكوين.

منذ جفافه، يفيض نهر الرمة بمعدل ثلاث مرات كل مئة عام، وهو عند فيضانه يؤدي إلى دمار وإصابات بسبب البنيان الذي طال مجرى النهر منذ جفافه.

موقع أثري يظهر جبالا من الأحجار الرملية في صحراء العلا في السعودية

​​وعبر التاريخ، تم استخدام مجرى نهر الرمة الجاف كـ"طريق سريع" وصل بين اليمن والقرن الإفريقي، من ناحية، والبصرة وجنوب إيران، من ناحية ثانية. وهو ما قد يفسر سبب كثافة الرقيق الإفريقيين جنوب العراق، وهي كثافة سمحت لهم بالثورة على الخليفة العباسي في العام 869 ميلادية وإقامة إمارة دامت 14 عاما.

كذلك استخدم الساسانيون الإيرانيون مجرى الرمة في محاولة للسيطرة على باب المندب، جنوب غرب اليمن، كوسيلة لقطع طريق التجارة الذي كان يصل الهند بأوروبا، عبر البحر الأحمر، فـ"قناة الفراعنة"، فنهر النيل، إلى مرفأ اسكندرية على المتوسط.

الانقسام الطبيعي في الزمن السحيق شطر الجزيرة العربية إلى جزأين: شمالي غربي حكمه البابليون، ثم أنباط الأردن، فحكام المشرق ومنهم الرومان، وجنوب غربي تنافس في السيطرة عليه الإيرانيون ومملكة الحبشة، المتحالفة مسيحيا مع روما وبعدها مع بيزنطية.

ومن يعرف الفن العمراني الحجازي، أو من يزر متحف الرياض الذي يعرض نماذج عمرانية من المدينة وأخرى من مكة، ير الفارق الواضح بين العمارة في المدينة، وهي متأثرة بالأسلوب العربي المشرقي، والعمارة في مكة، والتي تبدو عليها آثار الزخرفة الفارسية، في اختلاف يشي أنه على عكس الرواية التاريخية الحالية، قد يكون التباين بين مكة والمدينة أكبر مما يعتقد المؤرخون.

قد يظهر أن "التغيير المناخي" اليوم ليس من صنع البشر، بل تكرار لظاهرة جيولوجية دورية

​​سكان جزيرة العرب وشمال إفريقيا لم يهجروا أراضيهم فور اندلاع الجفاف فيها، بل هم اخترعوا وسائل مختلفة لاستنباط المياه الجوفية من قلب الصحراء، فحاز بعضهم لقب "الأنباط". وحفر آخرون قنوات مياه، تعدى طول بعضها مئات الكيلومترات، مثل في استجرار مياه نهر العاصي في سهل البقاع اللبناني إلى تدمر الجافة على حافة الصحراء، شرق سورية. وكان الليبي معمر القذافي آخر من استنبط مياه الصحراء الجوفية، بنصيحة من الجيولوجي المصري الأميركي فاروق الباز، وأقام "النهر العظيم" لاستجرار مياه الصحراء إلى مدن الساحل التي تعاني شحا في مياهها.

اقرأ للكاتب أيضا: قصة الحجر الأسود

على أن المياه الجوفية محدودة، وتنفد. وفي العام 750 ميلادي، ضرب زلزال كبير المشرق العربي فدمر قنوات المياه والخزانات الصخرية، فانحسرت آخر معالم الحياة النبطية، كما حدث في مدينة بترا جنوب الأردن. وانتقلت إثر ذلك القوة السياسية في المنطقة من دمشق إلى بغداد، وأعاد الخليفة العباسي المأمون (810 ـ 833 ميلادية) كتابة التاريخ العربي، من مشرقي بيزنطي إلى عراقي مع تأثيرات هندية وفارسية ووسط آسيوية.

قد تبدو أمطار مكة في موسم الحج هذا العام "اضطرابا مناخيا" سببه الاحتباس الحراري. لكن التاريخ الجيولوجي، عالميا وفي جزيرة العرب، يحتاج لإعادة نظر وإعادة كتابة، وقد يظهر أن "التغيير المناخي" اليوم ليس من صنع البشر، بل تكرار لظاهرة جيولوجية دورية، وقد يظهر أن التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي في جزيرة العرب يحتاج كذلك إلى إعادة نظر وإعادة كتابة.

ربما حان الوقت ليكتب التاريخ العارفون، بدلا من المنتصرين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.