قاسم سليماني في العراق (أشيف)
قاسم سليماني في العراق (أشيف)

بقلم حازم الأمين/

ثمة أصوات خفيضة تسمع من العراق، يريد أصحابها القول إن بغداد تئن تحت وطأة نفوذ الجنرال قاسم سليماني. والأصوات هذه المرة ليست أصوات "أفندية" الشيعة، بل معمميهم. إنهم آل الصدر وآل الحكيم، ومن بين من يسمع أصواتهم المختنقة رئيس حكومة تصريف الأعمال (للعراق أيضا حكومة تصريف أعمال) حيدر العبادي، ابن حزب الدعوة وغريم نوري المالكي في الحزب وفي الطائفة.

لكن الجنرال النشيط قائد فيلق القدس لا يأبه لأنين هؤلاء العراقيين، فالمهمة هذه المرة متصلة بمستقبل نظام ولاية الفقيه، والعراق حديقة خلفية ستخوض طهران معارك كبرى في سبيل تثبيت نفوذها فيه. كيف لا، والعبادي سارع للقول إن بلده لا يحبذ عقوبات واشنطن على طهران إلا أنه سيلتزم بما تمليه على العراق من شروط!

وثبتة سليماني على الواقع العراقي جاءت هذه المرة مشحونة بمقدار عال من التوتر والانفعال

​​ما أصاب طهران جراء تصريحات العبادي فاق المتوقع. تحرك سليماني على الفور، وصل إلى بغداد، وكان في انتظاره نوري المالكي وهادي العامري، وهما نواة التكتل الذي باشرت طهران في تشكيله مستعينة برئيس مجلس القضاء فائق زيدان، أي القاضي الذي زلزلت فضيحة لقائه بسليماني بغداد، إلا أن الفضيحة ما لبثت أن لفلفت.

لم تقتصر مهمة سليماني على التدخل بالقضاء، فهو جال على مراجع النجف الأربعة سعيا لممارسة ضغوط عليهم، وهي خطوة غير مسبوقة، الهدف منها إشعارهم بأن تسمية رئيس الحكومة في العراق مسألة مصيرية بالنسبة لإيران في هذه الظروف. علما أن مرجعية النجف التي كان لها الدور الحاسم في تسمية العبادي في العام 2014 تدرك أن اسم رئيس الحكومة العتيد يجب ألا يستفز طهران، إلا أنه أيضا يجب أن يكون محل توافق دولي وإقليمي، وبهذا المعنى يأتي طلب سليماني الأخير ليضع المرجعية في موقع لا لبس فيه في حال استجابت له.

اقرأ للكاتب أيضا: لا أحد في لبنان يملك شجاعة العبادي

لم يكتفِ سليماني بتأمين نصاب شيعي يخرج العبادي من الحكومة، فقد تحركت الدوحة بما لها من نفوذ في أوساط الكتل العربية السنية لنجدة طهران، وتفاجأ الرأي العام العراقي بانحياز كتل سنية رئيسة ضد العبادي، والأمر نفسه تكرر مع الأكراد، فقد أعلن زعيمهم الأبرز مسعود بارزاني وقوفه إلى جانب طهران في العراق.

وبعد إنجازه هذه المهام استكمل الجنرال النشيط والدؤوب مهامه في بغداد، فأشرف مباشرة على طبخ المعادلة الدستورية التي تقضي بإخراج العبادي من السبق الحكومي. أعد مع القاضي زيدان استمارة يتولى من خلالها مجلس القضاء تحديد اسم الرئيس بدلا من المجلس النيابي المنتخب، وأوعز لقادة في الحشد الشعبي من أمثال قيس الخزعلي أن يلوحوا بالسلاح في مواجهة قرار الحكومة الاستمرار بإيقاف عمل مفوضية الانتخابات، وهو القرار الذي وصفه الخزعلي بأنه "لعب بالنار".

سليماني لا يأبه لأنين العراقيين، فالمهمة هذه المرة متصلة بمستقبل نظام ولاية الفقيه، والعراق حديقة خلفية

​​شعر معظم المراقبين في العراق أن وثبتة سليماني على الواقع العراقي جاءت هذه المرة مشحونة بمقدار عال من التوتر والانفعال، وبدت طهران هذه المرة غير مكترثة بحجم الخسائر التي يمكن أن تنجم عن انقسام الجماعة الشيعية العراقية حول نفوذها في بغداد، فخط الانقسام هذه المرة أكثر وضوحا من أي مرة سبقته. وأن تخوض طهران معركة، وإن كانت غير عسكرية، مع أطراف شيعية غير بعيدة من مرجعية النجف، وتتصل بزعامات من حجم آل الصدر وآل الحكيم، وهي جزء من مراكز نفوذ في حزب الدعوة، فهذا يعني أن ثمن المواجهة كبير، وطهران تدرك ذلك، وعلى رغم إدراكها له تبدو مصممة على المهمة المتمثلة بإبعاد العبادي عن رئاسة الحكومة.

هذا المشهد يحيلنا فورا إلى المهمة التي تنتظرها طهران من حكومة عراقية ترأسها شخصية أقرب إليها من واشنطن. وهنا تلوح العقوبات الأميركية وسعي طهران إلى التخفف منها عبر العراق بالدرجة الأولى وعبر دول أخرى مثل لبنان وسورية، ناهيك عن تركيا التي لدى واشنطن شكوك كبيرة بأدوار محتملة لها على هذا الصعيد.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان يسعى إلى تعويض خسارة إيرانية في سورية

تصميم طهران على هذه المهمة على الرغم مما بدأ يلوح من خسائر وضع العراق أمام استحقاق تحديد خياره بين طهران وواشنطن. إقصاء العبادي سيعني أن بغداد حسمت خيارها، وهذا ما سيجر عليها ما لا تستطيع تحمله على مختلف المستويات، لا سيما وأن طهران لن تتمكن من نجدتها، ذاك أن الأخيرة محاصرة بعقوبات هي الأشد قسوة منذ باشرت واشنطن برامج عقوباتها عليها.

هذا الانسداد ربما وجد ثغرة يمكن تنفيسه عبرها. "داعش" بدأ يظهر من جديد. يجب ألا نستبعد أن يقدم التنظيم على نجدة طهران. بالأمس شهدت مدينة القائم تفجيرا كبيرا، وقبل ذلك بأيام كانت الصحراء الغربية مسرحا لاستيقاظ التنظيم على نحو مفاجئ. لكن "داعش" ليست الثغرة الوحيدة في مواجهة هذا الانسداد، فالفرص الأمنية في العراق متوفرة، وخيال الجنرال سليماني لا تحده حسابات الحياة والموت.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.