انزعج الملك الأردني من الشائعات التي اشتعلت في الأردن خلال إجازته
انزعج الملك الأردني من الشائعات التي اشتعلت في الأردن خلال إجازته

بقلم نضال منصور/

انزعج العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد أن عاد من إجازته السنوية الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، من الشائعات التي اشتعلت في الأردن في غيابه، وأثارت سؤالا لا يطرح بالعادة: أين الملك؟

تعمد الملك في أول لقاء له مع كتاب صحفيين إثر عودته إلى عمان القول: "أنا أسمع إشاعات كثيرة بالداخل والخارج.. فمن أين يأتون بهذه الأفكار؟ لا نعلم!".

ويكمل الملك رسالته الواضحة: "نريد أن نطور بلدنا ونعمل بشفافية ونحارب الفقر والبطالة والواسطة والفساد، لكن من غير المسموح اغتيال الشخصية، والفتنة خط أحمر".

لا يخفي هذا الكلام انزعاج الملك من حرب الشائعات التي "تنخر" الأردن، ولا تتوقف عند حدود. ويسود اعتقاد عند قطاع كبير من مسؤولي الدولة بأن هذه الشائعات "مبرمجة" وتستهدف تقويض وإضعاف الدولة الأردنية، وهناك قناعة راسخة بأن مصادر الإشاعات خارجية، وتتساوق مع أجندة سياسية لزعزعة الاستقرار في البلد.

تعديل قانون الجرائم الإلكترونية ضربة موجعة لحرية التعبير

​​غضب الملك من الشائعات المتلاحقة، التي طالته شخصيا خلال إجازته الخاصة، وطاردت أيضا الملكة رانيا التي تحظى بشعبية واسعة في وسائل الإعلام الدولية، ولم يسلم منها كذلك الأمراء "أشقاء الملك" الذين روجت إشاعة بأنهم متورطون في مؤامرة لقلب نظام الحكم، بعد أن أحيلوا للتقاعد من الجيش في خطة لإعادة هيكلة القوات المسلحة، وهو الأمر الذي فرض على الديوان الملكي إصدار بيان يتوعد بملاحقة مطلقي هذه المزاعم الباطلة.

الغضب الملكي عبر عنه الملك مجددا في لقاء لأول مرة خصص لناشري ورؤساء تحرير بعض المواقع الإلكترونية أعاد التذكير في اللقاء "بأن الحريات مضمونة ومحفوظة لكن اغتيال الشخصية مرفوض".

اقرأ للكاتب أيضا: الصراع الطائفي لا ينتهي بالاعتذار.. بل بالإنصاف والمصالحة

الحديث عن اغتيال الشخصية والشائعات يتزامن مع اهتمام حكومة الدكتور عمر الرزاز بحق الحصول على المعلومات والشفافية والإفصاح كإجراء أساسي لقطع الطريق على الشائعات عبر توفير معلومات رسمية ذات مصداقية. ويترافق أيضا مع نقاش محتدم حول أولوية تعديل قانون الجرائم الإلكترونية في الدورة الاستثنائية لمجلس النواب المتوقعة قريبا، بعد أن كانت الحكومة الراحلة لرئيس الوزراء السابق هاني الملقي قد قدمت مقترحا لقانون معدل يفرض عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات لمن يتهم بخطاب الكراهية.

مقترح القانون المعدل للجرائم الإلكترونية يعتبره الحقوقيون ونشطاء المجتمع المدني وقطاع واسع من الإعلاميين ضربة موجعة لحرية التعبير، وهي خطوة تستهدف، برأيهم، تضييق الخناق على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي "الملاذ الأخير" للناس بعد أن أغلقت وسائل الإعلام أمام الأصوات المخالفة للحكومات.

أبدت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات، حين سألتها عن الأمر، وضوحا في معارضتها لتغليظ العقوبات وفرض عقوبات السجن، ولكنها تجيب بسؤال آخر: كيف سنضع ضوابط للتشوهات التي تحفل بها "السوشيل ميديا"، كيف سنوقف سيل الشتائم والافتراءات والأخبار الكاذبة؟

وتذهب للسؤال ما هو الحد الفاصل بين حرية التعبير والإساءة والشتم والقدح والذم واغتيال الشخصية؟ وتتابع: نريد حلولا.. ونريد صوتا للحكمة والعقل؟

أسئلة غنيمات، التي شغلت لسنوات رئاسة تحرير جريدة الغد الأردنية، تبدو مشروعة في البحث عن حلول لمشكلة مستعصية تواجه كل دول العالم بانتشار خطاب يحض على العنف والكراهية والأخبار الزائفة "وانتهاك الخصوصية"، وبذات الوقت مطلوب حماية وصيانة حرية التعبير التي تنص عليها شرعة حقوق الإنسان!

تدرك غنيمات ومعها رئيس الحكومة بأن "العقوبات" وتشديدها ليست الحل الوحيد، وربما لا تحدث التأثير المطلوب، فمن قبل عُدل قانون المطبوعات والنشر للحد من قضايا القدح والذم ولم تتراجع بل زاد عددها، وأجازت المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية التوقيف والحبس للإعلاميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تتوقف الأخبار والتقارير والشائعات التي لا تتسم بالمصداقية، وإنما أضرت قرارات التوقيف الصادرة عن المدعين العامين بصورة ومؤشر الأردن في التقارير الحقوقية الدولية.

منذ مباشرة حكومة الرزاز لمهامها الدستورية عكفت على التأكيد أن تقديم المعلومات أولا بأول وسيلتها للتعامل مع الشائعات والتشويش، وعلى كثرة اندفاعها بهذا الاتجاه تعرضت لانتقادات بأنها أحيانا تقوم بأدوار وتتحدث نيابة عن جهات أخرى مثل "النائب العام"، وليس مطلوبا منها أن تفعل ذلك.

تسابق الحكومة الأيام للإعلان عن منصة إلكترونية تحت اسم "حقك تعرف"، ترى أنها ستكون موقعا إلكترونيا فعالا وتفاعليا في الرد على الشائعات وتقديم المعلومات للجمهور. تربط هذه المنصة بشبكة الحكومة الإلكترونية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. وباتجاه مواز تعمل الحكومة بصمت لبناء وحدات جديدة تحت مظلة رئاسة الوزراء تستهدف تعزيز الاتصال الحكومي مع الجمهور، وأبرزها وحدة الرسائل الحكومية، ووحدة الرد على الشائعات.

ما حدث في العمليتين الإرهابيتين في الفحيص والسلط عزز المخاوف من الشائعات والاستخدام المضلل لوسائل التواصل الاجتماعي، فالشائعات طالت رئيس أركان القوات المسلحة الأردنية الذي كان يعتبر "خطا أحمر". الناشطون على موقع "فيسبوك" كانوا يبثون بشكل مباشر مداهمة الخلية الإرهابية بالسلط مما وفر، باعتقاد خبراء أمنيين، إحداثيات للإرهابيين المتحصنين، والأكثر إيلاما أن يصبح الصحفي الإسرائيلي "إيدي كوهين" الذي يعمل من مركز "بيغن السادات" مصدرا للمعلومات باعتباره مرجعا موثوقا، على الرغم من افتضاح كذب رسائله وأخباره التي يبثها.

التدقيق في تقرير لمرصد مصداقية الإعلام "أكيد" التابع لمعهد الإعلام الأردني عن الشائعات التي رصدها خلال 3 شهور من تاريخ 5 أيار/مايو إلى 5آب/أغسطس من العام الحالي، تستدعي القلق، خاصة إذا ما استرجعنا تصريحات وزير الدولة لشؤون الإعلام السابق محمد المومني التي أثارت جدلا حين تحدث عن التجييش الإلكتروني وبأن التعليقات السلبية مصدرها سورية، وكانت سببا في تعرضه لهجوم وحملة انتقادات وسخرية.

يأتي مرصد "أكيد" ليكشف النقاب بأن 41 في المئة من الشائعات مصدرها من الخارج، مبينا بأنه رصد 92 شائعة خلال فترة الدراسة.

وأوضح مرصد "أكيد" أن 70 في المئة من الشائعات مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي و30 في المئة مصدرها وسائل الإعلام، مشيرا إلى أن 47 في المئة من الشائعات تركز على السياسات المحلية، و16 في المئة على الشأن الاقتصادي، و14 في المئة مواضيع أمنية، و23 في المئة قضايا اجتماعية ومتنوعة.

ويؤيد هذه الفرضية مدير وحدة الاستجابة الإعلامية بالمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات أحمد النعيمات الذي يؤكد في حديث لقناة المملكة "إن دولا ذات مصالح من المصادر الرئيسية للشائعات"، مشيرا الى أن "هناك مصالح للمساس بأمن الأردن".

الشعوب الحرة هي من تدافع عن أوطانها وأنظمتها حين يداهمها الخطر

​​وكشف النقاب عن أن الأردنيين يتداولون 90 مليون رسالة واتساب يوميا، معتبرا أن انتشار الشائعات يعود لفقدان الثقة بالإعلام الرسمي الذي لا يؤثر بالرأي العام إلا بحدود 36 في المئة.

إذن فكرة استهداف الأردن بالشائعات وتحديدا من الخارج تجد قبولا وآذانا صاغية، وتتزايد هذه الفرضية حضورا كلما تعمقت أزمات الأردن السياسية والاقتصادية، فسياق الفرضية مبني على أن أردن ضعيف، مرتبك، تنهشه الشائعات أكثر قبولا لأي استحقاقات سياسية، وهذا المنطق يجد رواجا بعد أن أدار الحلفاء العرب ظهورهم للأردن، ونشط جاريد كوشنير مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره في الترويج لما سمي "صفقة القرن"، والتي يشاع أنها ستفرض تنازلات تاريخية موجعة للقضية الفلسطينية، سيكون ضحيتها الأردن والسلطة الفلسطينية.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة عن الإرهاب في الأردن

لا يمكن هدم هذه الفرضية التي لا تتوفر أدلة ثابتة عليها بسهولة، ويقدم معارضون سياسيون فرضية ثانية تتلخص بأن توجهات الحكومات لإثارة الخوف من استهداف الأردن ليس سوى "فزاعة" لإسكات الأصوات المخالفة بذرائع مختلفة، وهي تريد ـ أي الحكومة ـ أن تخلق تعاطفا وقبولا لتسويق قوانين مقيدة تهدد حريات المواطنين، ومنها على سبيل المثال قانون الجرائم الإلكترونية.

كثيرا ما استحضرت عبارة بأن الدولة الأردنية ليست كرتونية، واجهت على مر العقود أزمات خطيرة وظلت صامدة وثابتة، وكثيرا ما تذكرت ما اقتنعت به دائما بأن الشعوب الحرة هي من تدافع عن أوطانها وأنظمتها حين يداهمها الخطر.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.