انزعج الملك الأردني من الشائعات التي اشتعلت في الأردن خلال إجازته
انزعج الملك الأردني من الشائعات التي اشتعلت في الأردن خلال إجازته

بقلم نضال منصور/

انزعج العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد أن عاد من إجازته السنوية الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، من الشائعات التي اشتعلت في الأردن في غيابه، وأثارت سؤالا لا يطرح بالعادة: أين الملك؟

تعمد الملك في أول لقاء له مع كتاب صحفيين إثر عودته إلى عمان القول: "أنا أسمع إشاعات كثيرة بالداخل والخارج.. فمن أين يأتون بهذه الأفكار؟ لا نعلم!".

ويكمل الملك رسالته الواضحة: "نريد أن نطور بلدنا ونعمل بشفافية ونحارب الفقر والبطالة والواسطة والفساد، لكن من غير المسموح اغتيال الشخصية، والفتنة خط أحمر".

لا يخفي هذا الكلام انزعاج الملك من حرب الشائعات التي "تنخر" الأردن، ولا تتوقف عند حدود. ويسود اعتقاد عند قطاع كبير من مسؤولي الدولة بأن هذه الشائعات "مبرمجة" وتستهدف تقويض وإضعاف الدولة الأردنية، وهناك قناعة راسخة بأن مصادر الإشاعات خارجية، وتتساوق مع أجندة سياسية لزعزعة الاستقرار في البلد.

تعديل قانون الجرائم الإلكترونية ضربة موجعة لحرية التعبير

​​غضب الملك من الشائعات المتلاحقة، التي طالته شخصيا خلال إجازته الخاصة، وطاردت أيضا الملكة رانيا التي تحظى بشعبية واسعة في وسائل الإعلام الدولية، ولم يسلم منها كذلك الأمراء "أشقاء الملك" الذين روجت إشاعة بأنهم متورطون في مؤامرة لقلب نظام الحكم، بعد أن أحيلوا للتقاعد من الجيش في خطة لإعادة هيكلة القوات المسلحة، وهو الأمر الذي فرض على الديوان الملكي إصدار بيان يتوعد بملاحقة مطلقي هذه المزاعم الباطلة.

الغضب الملكي عبر عنه الملك مجددا في لقاء لأول مرة خصص لناشري ورؤساء تحرير بعض المواقع الإلكترونية أعاد التذكير في اللقاء "بأن الحريات مضمونة ومحفوظة لكن اغتيال الشخصية مرفوض".

اقرأ للكاتب أيضا: الصراع الطائفي لا ينتهي بالاعتذار.. بل بالإنصاف والمصالحة

الحديث عن اغتيال الشخصية والشائعات يتزامن مع اهتمام حكومة الدكتور عمر الرزاز بحق الحصول على المعلومات والشفافية والإفصاح كإجراء أساسي لقطع الطريق على الشائعات عبر توفير معلومات رسمية ذات مصداقية. ويترافق أيضا مع نقاش محتدم حول أولوية تعديل قانون الجرائم الإلكترونية في الدورة الاستثنائية لمجلس النواب المتوقعة قريبا، بعد أن كانت الحكومة الراحلة لرئيس الوزراء السابق هاني الملقي قد قدمت مقترحا لقانون معدل يفرض عقوبات بالسجن تصل إلى ثلاث سنوات لمن يتهم بخطاب الكراهية.

مقترح القانون المعدل للجرائم الإلكترونية يعتبره الحقوقيون ونشطاء المجتمع المدني وقطاع واسع من الإعلاميين ضربة موجعة لحرية التعبير، وهي خطوة تستهدف، برأيهم، تضييق الخناق على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي "الملاذ الأخير" للناس بعد أن أغلقت وسائل الإعلام أمام الأصوات المخالفة للحكومات.

أبدت وزيرة الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة جمانة غنيمات، حين سألتها عن الأمر، وضوحا في معارضتها لتغليظ العقوبات وفرض عقوبات السجن، ولكنها تجيب بسؤال آخر: كيف سنضع ضوابط للتشوهات التي تحفل بها "السوشيل ميديا"، كيف سنوقف سيل الشتائم والافتراءات والأخبار الكاذبة؟

وتذهب للسؤال ما هو الحد الفاصل بين حرية التعبير والإساءة والشتم والقدح والذم واغتيال الشخصية؟ وتتابع: نريد حلولا.. ونريد صوتا للحكمة والعقل؟

أسئلة غنيمات، التي شغلت لسنوات رئاسة تحرير جريدة الغد الأردنية، تبدو مشروعة في البحث عن حلول لمشكلة مستعصية تواجه كل دول العالم بانتشار خطاب يحض على العنف والكراهية والأخبار الزائفة "وانتهاك الخصوصية"، وبذات الوقت مطلوب حماية وصيانة حرية التعبير التي تنص عليها شرعة حقوق الإنسان!

تدرك غنيمات ومعها رئيس الحكومة بأن "العقوبات" وتشديدها ليست الحل الوحيد، وربما لا تحدث التأثير المطلوب، فمن قبل عُدل قانون المطبوعات والنشر للحد من قضايا القدح والذم ولم تتراجع بل زاد عددها، وأجازت المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية التوقيف والحبس للإعلاميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تتوقف الأخبار والتقارير والشائعات التي لا تتسم بالمصداقية، وإنما أضرت قرارات التوقيف الصادرة عن المدعين العامين بصورة ومؤشر الأردن في التقارير الحقوقية الدولية.

منذ مباشرة حكومة الرزاز لمهامها الدستورية عكفت على التأكيد أن تقديم المعلومات أولا بأول وسيلتها للتعامل مع الشائعات والتشويش، وعلى كثرة اندفاعها بهذا الاتجاه تعرضت لانتقادات بأنها أحيانا تقوم بأدوار وتتحدث نيابة عن جهات أخرى مثل "النائب العام"، وليس مطلوبا منها أن تفعل ذلك.

تسابق الحكومة الأيام للإعلان عن منصة إلكترونية تحت اسم "حقك تعرف"، ترى أنها ستكون موقعا إلكترونيا فعالا وتفاعليا في الرد على الشائعات وتقديم المعلومات للجمهور. تربط هذه المنصة بشبكة الحكومة الإلكترونية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. وباتجاه مواز تعمل الحكومة بصمت لبناء وحدات جديدة تحت مظلة رئاسة الوزراء تستهدف تعزيز الاتصال الحكومي مع الجمهور، وأبرزها وحدة الرسائل الحكومية، ووحدة الرد على الشائعات.

ما حدث في العمليتين الإرهابيتين في الفحيص والسلط عزز المخاوف من الشائعات والاستخدام المضلل لوسائل التواصل الاجتماعي، فالشائعات طالت رئيس أركان القوات المسلحة الأردنية الذي كان يعتبر "خطا أحمر". الناشطون على موقع "فيسبوك" كانوا يبثون بشكل مباشر مداهمة الخلية الإرهابية بالسلط مما وفر، باعتقاد خبراء أمنيين، إحداثيات للإرهابيين المتحصنين، والأكثر إيلاما أن يصبح الصحفي الإسرائيلي "إيدي كوهين" الذي يعمل من مركز "بيغن السادات" مصدرا للمعلومات باعتباره مرجعا موثوقا، على الرغم من افتضاح كذب رسائله وأخباره التي يبثها.

التدقيق في تقرير لمرصد مصداقية الإعلام "أكيد" التابع لمعهد الإعلام الأردني عن الشائعات التي رصدها خلال 3 شهور من تاريخ 5 أيار/مايو إلى 5آب/أغسطس من العام الحالي، تستدعي القلق، خاصة إذا ما استرجعنا تصريحات وزير الدولة لشؤون الإعلام السابق محمد المومني التي أثارت جدلا حين تحدث عن التجييش الإلكتروني وبأن التعليقات السلبية مصدرها سورية، وكانت سببا في تعرضه لهجوم وحملة انتقادات وسخرية.

يأتي مرصد "أكيد" ليكشف النقاب بأن 41 في المئة من الشائعات مصدرها من الخارج، مبينا بأنه رصد 92 شائعة خلال فترة الدراسة.

وأوضح مرصد "أكيد" أن 70 في المئة من الشائعات مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي و30 في المئة مصدرها وسائل الإعلام، مشيرا إلى أن 47 في المئة من الشائعات تركز على السياسات المحلية، و16 في المئة على الشأن الاقتصادي، و14 في المئة مواضيع أمنية، و23 في المئة قضايا اجتماعية ومتنوعة.

ويؤيد هذه الفرضية مدير وحدة الاستجابة الإعلامية بالمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات أحمد النعيمات الذي يؤكد في حديث لقناة المملكة "إن دولا ذات مصالح من المصادر الرئيسية للشائعات"، مشيرا الى أن "هناك مصالح للمساس بأمن الأردن".

الشعوب الحرة هي من تدافع عن أوطانها وأنظمتها حين يداهمها الخطر

​​وكشف النقاب عن أن الأردنيين يتداولون 90 مليون رسالة واتساب يوميا، معتبرا أن انتشار الشائعات يعود لفقدان الثقة بالإعلام الرسمي الذي لا يؤثر بالرأي العام إلا بحدود 36 في المئة.

إذن فكرة استهداف الأردن بالشائعات وتحديدا من الخارج تجد قبولا وآذانا صاغية، وتتزايد هذه الفرضية حضورا كلما تعمقت أزمات الأردن السياسية والاقتصادية، فسياق الفرضية مبني على أن أردن ضعيف، مرتبك، تنهشه الشائعات أكثر قبولا لأي استحقاقات سياسية، وهذا المنطق يجد رواجا بعد أن أدار الحلفاء العرب ظهورهم للأردن، ونشط جاريد كوشنير مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره في الترويج لما سمي "صفقة القرن"، والتي يشاع أنها ستفرض تنازلات تاريخية موجعة للقضية الفلسطينية، سيكون ضحيتها الأردن والسلطة الفلسطينية.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة عن الإرهاب في الأردن

لا يمكن هدم هذه الفرضية التي لا تتوفر أدلة ثابتة عليها بسهولة، ويقدم معارضون سياسيون فرضية ثانية تتلخص بأن توجهات الحكومات لإثارة الخوف من استهداف الأردن ليس سوى "فزاعة" لإسكات الأصوات المخالفة بذرائع مختلفة، وهي تريد ـ أي الحكومة ـ أن تخلق تعاطفا وقبولا لتسويق قوانين مقيدة تهدد حريات المواطنين، ومنها على سبيل المثال قانون الجرائم الإلكترونية.

كثيرا ما استحضرت عبارة بأن الدولة الأردنية ليست كرتونية، واجهت على مر العقود أزمات خطيرة وظلت صامدة وثابتة، وكثيرا ما تذكرت ما اقتنعت به دائما بأن الشعوب الحرة هي من تدافع عن أوطانها وأنظمتها حين يداهمها الخطر.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.