المسؤول في البيت الأبيض ويليام روباك خلال زيارته لدير الزور قبل أيام
المسؤول في البيت الأبيض ويليام روباك خلال زيارته لدير الزور قبل أيام

بقلم جويس كرم/

ضج الوسط السياسي والإعلامي هذا الأسبوع بتقارير منسوبة "لمسؤول من التحالف الإقليمي الداعم للأسد"، تفيد بأن وفدا أميركيا توجه إلى دمشق واجتمع بمستشار الرئيس السوري بشار الأسد للأمن القومي، علي المملوك، الذي بدوره رفض التعاون مع الولايات المتحدة قبل البت بملفات مصيرية مثل التطبيع مع النظام، حصة النفط، والانسحاب الأميركي من سورية.

قبل الولوج بصحة التقرير ومضمونه، يجب التنويه أن هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها تسريبات شبه مطابقة عن هكذا اجتماعات. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أفادت تقارير مصدرها إيران بلقاءات لوفود أميركية وصلت سورية عبر لبنان للاجتماع أيضا مع المملوك.

يخطئ من يعتقد أن الأميركيين بصدد الانسحاب من سورية أو على الأقل أن نظام الأسد سيحدد جدول أعمال الأميركيين

​​وفي الخريف الماضي أفادت تقارير أخرى بأن مستشارين للأسد أطلعوا الأوروبيين أن أي تعاون في قضايا الإرهاب يشترط عودة العلاقات الرسمية مع دمشق، وباستخدام العبارات نفسها التي شاءت الصدف أن يكون استخدمها المملوك مع الأميركيين.

هذا التطابق يفترض درجة عالية من التشكيك بمصدر هذه التقارير وبمصداقيتها ومطابخ كتابتها، كونها تتكرر على الورق من دون أن تنعكس واقعيا لا على العلاقة الأميركية مع النظام أو على الاستراتيجية المحيطة بسورية.

اقرأ للكاتب أيضا: السعودية وكندا: خلاف أبعد من تغريدة

إنما وبالعودة إلى الاجتماع المزعوم بين المملوك والأميركيين في حزيران/يونيو الفائت، نفت الإدارة الأميركية بشقيها الاستخباراتي والديبلوماسي مضمون تقرير وكالة "رويترز". فالخارجية الأميركية على لسان الناطقة هيثر نوارت اعتبرت أنه "لا يعكس الواقع" وليس هناك علم به في الوزارة.

وبالنسبة للجانب الاستخباراتي، فقال لي مسؤول استخباراتي إن لا صحة لما نقلته الوكالة. هذا النفي لا يعني أن لقاء ما لم يتم، إنما هو لدحض المضمون المسرب للقاء والذي يحمل من السذاجة ما يكفي ليجعله ضعيفا وغير قابلا للتصديق حتى من باب الدعاية السياسية.

أولا، من المعروف أن القناة الاستخباراتية موجودة بين واشنطن والنظام السوري منذ سنوات للتنسيق بملفات السلاح الكيماوي واختفاء الصحافي الأميركي أوستن تايس. هذه القناة لا تحتاج إلى مواكب سيارات ووساطات دولية ولقاءات في المكتب الجديد للمملوك في المزة.

مصادر تتابع الملف السوري، قالت إن الاجتماعات حول مصير تايس تكثفت في المرحلة الأخيرة بين الأميركيين والنظام، وإنه كان هناك لقاء أول الصيف إنما لم يتطرق لا لملف الانسحاب الأميركي ولا لموضوع النفط أو تطبيع العلاقة. أما سبب ذلك، فهو أن هذه اللقاءات يحضرها مسؤولون من درجة متوسطة من سفارات أميركية محيطة بسورية، وليس أصحاب المواكب في واشنطن.

ثانيا، يخطئ من يعتقد أن الأميركيين بصدد الانسحاب من سورية أو على الأقل أن نظام الأسد سيحدد جدول أعمال الأميركيين. فها هو المسؤول من البيت الأبيض ويليام روباك يجول في دير الزور قبل أيام.

قناة الاتصال تركز على ملف الصحافي الأميركي تايس وليست حول تطبيع أو تعاون قريب

​​وها هو جيمس جيفري، أحد أبرز المدافعين عن استمرار الوجود الأميركي في سورية، يتولى منصب المبعوث إلى سورية ويستعد للتوجه الى جنيف. أما النفط، فتوزيعه وحصصه ترتبط بحلفاء واشنطن في سورية أي قوات سورية الديموقراطية ومناطق تواجدها والمفاوضات التي تجريها مع الأفرقاء المختلفة.

أي لقاء بين المملوك والأميركيين، وفي حال كان قد حدث، لم يكن بالمستوى الذي نقلته المصادر المقربة من النظام، وقناة الاتصال تركز على ملف الصحافي الأميركي تايس وليست حول تطبيع أو تعاون قريب.

اقرأ للكاتبة أيضا: أردوغان والرهينة الأميركي

فسورية لم تكن أولوية لواشنطن قبل الحرب، ولم تصبح أولوية خلالها ومن المستبعد أن تكون بعدها طبقا للمحاصصات الجارية.

أما التسريبات وتوقيتها، فهي لا تستهدف أميركا وصانعي القرار فيها، بقدر ما هي رسائل موجهة للاعبين المتصارعين في الداخل السوري، والتصورات لموقع النظام من حلفاء يحللون ويطبخون التقارير في العواصم القريبة.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.