سيارة تسلا في محطة تعبئة كهربائية
سيارة تسلا في محطة تعبئة كهربائية

بقلم داود كتّاب/

لا يزال العالم معتمدا اعتمادا كبيرا على النفط ومشتقاته لإنتاج الطاقة بكافة أشكالها. وتعاني الدول الفقيرة في النفط من صعوبات مالية في دفع الفاتورة الباهظة للطاقة، إضافة إلى الضرر الذي يشكله النفط للبيئة خصوصا وأن التغير المناخي بات يشكل خطورة كبيرة على مستقبل البشرية.

يقلل البعض من أهمية الطاقة البديلة كونها لا تزال مكلفة وتتطلب رأس مال كبير خاصة لجهة كلفة إنشاء البنية التحتية للإنتاج، على سبيل المثال الطاقة الشمسية أو الطاقة الهوائية. لكن النظرة الطويلة الأمد توضح أن التكلفة العالية في إقامة مزارع شمسية أو هوائيات ضخمة تتقلص عند تقسيمها على 20 أو 30 سنة وهي العمر الافتراضي لهكذا مزارع.

في حالة السفر لمسافات طويلة بدأت العديد من دول العالم الثالث تنشئ محطات تعبئة كهربائية إما مجانية أو بتكلفة قليلة جدا

​​ورغم أن التركيز يتم غالبا على الجانب القومي لأي خطة للطاقة البديلة، إلا أن هناك إمكانية كبيرة لخفض مهم لاستخدام الطاقة لو بدأ العمل على المستوى المنزلي ومكاتب العمل والمؤسسات العامة والخاصة. مثلا، هناك نسبة كبيرة من التكلفة الشهرية لفاتورة الطاقة ممكن خفضها لو تم إعادة العمل على كيفية استخدام الطاقة في المنازل. فغالبية البيوت مثلا تهدر الطاقة بسبب غياب بنية تحتية مناسبة لحفظ الحرارة من خلال استخدام الزجاج المضاعف (double glaze windows) وإجراء تعديلات على كيفية استخدام الطاقة في البيت. إذ لا يوجد أي منطق يبرر غياب ما يسمى بالحمام الشمسي البيتي الذي يوفر الماء الساخن في المنازل.

اقرأ للكاتب أيضا: من يصنع الأخبار؟ ليس المرأة

إدخال التغييرات على المنازل القديمة قد يعتبر صعبا ومكلفا، لكن لا يوجد أي مبرر لعدم إدخال التغييرات الضرورية للحفاظ على الطاقة في البيوت المبنية حديثا. وهنا يأتي دور الحكومات المحلية، من بلديات ولجان ترخيص إسكان، التي يجب أن تشرع أنظمة تشترط وجود الحد الأدنى من شروط حماية الطاقة عبر إدخال مواد عازلة وضمان عدم وجود هدر للطاقة الأمر الذي قد يقلص الميزانية الشهرية المخصصة للطاقة.

أما الثورة الأكبر، فقد تكون في خفض تكلفة الطاقة وفي الوقت عينه حماية البيئة من انبعاثات حرق النفط في مجال المركبات الخاصة والعامة. وتعتبر في هذا المجال شركة تسلا الأميركية شركة رائدة في توفير سيارات تسير كليا على الطاقة الكهربائية من دون استخدام البنزين أو أي محركات تعمل بحرق المواد النفطية. وبات متوافرا اليوم للمواطن العادي سيارات أقل تكلفة من سيارات تسلا مثل "ليف" وهي من صنع شركة نيسان اليابانية وسيارات شركة فورد الأميركية وغيرها من السيارات.

الثورة الأكبر، قد تكون في خفض تكلفة الطاقة وفي الوقت عينه حماية البيئة من انبعاثات حرق النفط في مجال المركبات الخاصة والعامة

​​تقول الإحصائيات إن العائلة الأميركية تستخدم السيارة بمعدل 57 كيلومتر باليوم. سيارة "ليف" اليابانية، على سبيل المثال، تؤمن سير السيارة لمسافة 167 كيلومتر لكل تعبئة. والمعروف أن المواطن الأميركي يستخدم السيارة أكثر من باقي مواطني العالم. ولهذا يمكننا أن نفترض أن معدل الاستخدام اليومي لغالبية سكان العالم لا يتجاوز 30 إلى 40 كيلومتر يوميا وهو ما يعني أن صاحب السيارة يستطيع وبسهولة تعبئة الطاقة الكهربائية عند العودة للبيت كل يوم أو اثنين.

وفي حالة السفر لمسافات طويلة بدأت العديد من دول العالم الثالث تنشئ محطات تعبئة كهربائية إما مجانية أو بتكلفة قليلة جدا. فمثلا للمسافر من عمان إلى العقبة بسيارة "ليف" عليه التوقف مرة في الطريق عند أحد محطات الطاقة وتعبئة السيارة لإنهاء الرحلة التي تبلغ مسافتها 330 كيلومتر.

اقرأ للكاتب أيضا: الرد على الإرهاب القاتل بالتشبث بالحياة والفرح

وقد بدأ المواطن في الأردن، الذي ألغى ضريبة الجمارك على السيارات الكهربائية، يرى عددا كبيرا من السيارات تسير على الكهرباء في الشوارع الرئيسية. ومع انتشار إمكانية تعبئة السيارة بالكهرباء، فإن هذا يعني أن الفكرة بدأت تنتقل للمواطن العادي ولم تبق محصورة بنخب معينة.

لا شك أن موضوع الطاقة هو موضوع القرن الحالي وعلى الجميع الاهتمام بكيفية معالجة هذا الأمر من خلال نظرة استراتيجية تشاركية يشارك في وضعها وتنفيذها المسؤول والمواطن بطريقة تقلل من الفاتورة الكبيرة الشخصية والمجتمعية للطاقة وفي نفس الوقت توفر بيئة مناسبة خالية من الانبعاثات الضارة لضمان مستقبل نضيف ومريح للحياة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.