تظاهرة في بيروت رفضا لنية السلطات إنشاء محارق للنفايات
تظاهرة في بيروت رفضا لنية السلطات إنشاء محارق للنفايات

بقلم فارس خشّان/

مزقت، للتو، مقالا عن آخر تطورات الوضع السياسي في لبنان، على الرغم من احتوائه على معلومات جمعتها من "مصادر رفيعة المستوى".

كان هو المقال المفترض أن أرسله لينشر في هذه الزاوية، ولكن غيرت رأيي، وبدأت بكتابة ما تقرؤونه الآن.

لماذا فعلت ذلك؟

بكل بساطة، لأن المسائل اللبنانية، على أهميتها، أصبحت، من الناحية التعبيرية، مملة وسخيفة ومسببة للجهل.

الإسراف في الدوران في حلقة مفرغة يجعل الصراع السياسي مبيدا لكل الهموم والشجون

​​في الكتابة السياسية، ليس المهم أن تقارب الحدث من زاوية أخرى، بل أن تجد أن الحدث قد ترك الميدان لآخر، في وقت طبيعي ومعقول، وأن الإشكالية التي كانت محور متابعة واهتمام قبل مدة، قد وجدت حلا لها، سواء وفق ما تعتقده صحيحا أم لا.

ما يحصل في لبنان، هو عكس ما تقتضيه الضرورة الكتابية. فالإشكالية التي تفرض نفسها حدثا قبل أشهر، تجدها هي ذاتها اليوم، كتشكيل الحكومة وتعقيداتها والاتهامات المتبادلة حول معرقليها، محليا وإقليميا ودوليا و.. مريخيا.

اقرأ للكاتب أيضا: مسرحية رئاسية في لبنان

لكان هذا معقولا لو أنها إشكالية بتعقيدات مستجدة، لكن الأمر ليس كذلك. فهذه الإشكالية هي نسخة طبق الأصل عن إشكاليات سابقة، حُلّت بعد وقت مديد بصفقات سياسية انتهت مفاعيلها.

وهذا يفيد بأن الانفراج هو مؤقت وناتج عن حاجة مؤقتة، وليس عن معادلة دائمة تستولد حياة سياسية طبيعية تعكس نفسها على ما يفيض من مشاكل بنيوية واقتصادية وحياتية واجتماعية وبيئية.

وما يفترض أن يكون ملفا داهما يجب أن يجد أجوبة ميدانية شافية تسمح بانتقال سليم إلى غيره، يوضع في أحسن الأحوال على الرف مع كل علاته، حتى إذا ما أعيد إلى الضوء تجده كما سبق وترك. كما هو الحال مع موضوع "المحكمة الخاصة بلبنان" ومواظبة الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله على استعمال لغة التهديد والنار، كلما أتى على ذكرها وذكر المؤيدين لها، بغض النظر عن السياق الذي أدرج فيه كلامه.

ويعيد أسلوب نصرالله التهديدي النقاش إلى ما كان عليه سابقا، وكأن لا حكومة وحدة وطنية قد سبق وتشكلت، ولا بيانا وزاريا قد صدر، ولا استحقاقا رئاسيا عاصفا سياسيا قد حصل، ولا حوارات ثنائية قد انعقدت.

وهذا يفيد بأن الطبقة السياسية اللبنانية عاجزة عن إيجاد تسويات حقيقية، وجل ما تنشده أن تبقى "الحرب الباردة".. باردة.

وما يصح هنا يسحب نفسه على كل الملفات، مهما كانت طبيعتها ومهما كان نوعها.

قبل مدة، كنت أشاهد في منزل صديقي، حلقة من برنامج "توك شو" سياسي لبناني، فاستاء ولداه من ذلك، وقدما لنا تمرينا فكريا لإقناعنا بأننا نهدر وقتنا ووقتهما.

في هذا التمرين، أخذ شاب وجهات نظر "حزب الله" وأتباعه بالمواضيع المطروحة، فيما الشاب الثاني لبس ثوب القوى المناوئة للحزب، وقد تمكنا بأقل من عشر دقائق أن يستعرضا وبشكل أمين جدا مواقف الضيفين السياسيين اللذين كانا يتصارعان على مدى ساعتين على الشاشة.

 المقال الذي مزقته بدل أن أنشره، خفت أن يقرأه هذان الشابان.

في كل مرة أكتب أتذكرهما.

أتذكرهما لأنهما قارئان مفترضان.

الطبقة السياسية اللبنانية عاجزة عن إيجاد تسويات حقيقية، وجل ما تنشده أن تبقى "الحرب الباردة".. باردة

​​وكاتب المقال لا يكتب لهذه الجماعة أو تلك، ولا يهتم إن شتمه مناصرو هذا أو مدحه مناصرو ذاك. كما أنه لا يكتب للكتابة، بل يطمح بالعبور إلى العقول الباردة وتوضيح ما هو مبهم، واستشراف ما هو آت، والتحريض على ما يعتبره خيرا عاما، وفضح ما يعتبره ضررا وطنيا.

في واقع الحال، فإن هذا الإسراف في الدوران في حلقة مفرغة يجعل الصراع السياسي مبيدا لكل الهموم والشجون، مما يتسبب باهتراء فكري واجتماعي واقتصادي ومؤسساتي وبيئوي. فتصبح مثلا، ملفات الكهرباء والتلوث والاستدانة والرشوة والجريمة ومركزية السلاح والدفاع، مجرد أخبار متفرقة، مع أن الانكباب عليها ومعالجتها هو الهدف الأول الذي من أجله وجدت السياسة وكان السياسيون.

اقرأ للكاتب أيضا: مصالح لبنان وبشار الأسد

اليوم، مزقت مقالي ونشرت هذا.

غدا، على الأرجح، سأعيد تجميع الأوراق الممزقة، فالجماعة، ولو كانت على ضلال، أقدر على فرض نهجها على الأفراد، ولو كانوا على صواب..

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟