الفنان المصري عادل إمام مع نجليه الممثل محمد (يمين الصورة) والمخرج رامي (شمال الصورة)
الفنان المصري عادل إمام مع نجليه الممثل محمد (يمين الصورة) والمخرج رامي (شمال الصورة)

بقلم كوليت بهنا/

توريث المهنة من الأجداد إلى الأبناء والأحفاد ومن ثم باقي السلالة، تقليد عربي معروف في مجال الحرف اليدوية التقليدية والتراثية بشكل خاص، الغرض منه ألا تخرج أسرار المهنة للغرباء وتبقى محصورة في إطار العائلة الواحدة.

ومع تطور الزمن وتنوع المهن، بتنا نلاحظ هذا التوريث في بعض المهن العلمية مثل الطب والمحاماة وغيرها، كأن يرث الابن الطبيب على سبيل المثال، سمعة أبيه وشهرته وعيادته، ومعها يرث مرضاه وثقتهم.

الميول تدخل أيضا ضمن نطاق علم الوراثة، مثل ميل الطفل للعزف أو التأليف الموسيقي أو الرسم أو تقليد الشخصيات

​​في العقدين الأخيرين، ومع انتعاش صناعة الدراما العربية، وبخاصة السورية والمصرية، انتقلت ظاهرة التوريث إلى عالم الفن، وبات بالإمكان رصدها من خلال شارتي أي مسلسل درامي أو فيلم، بحيث تقرأ اسم المخرج وقبله اسم أخته أو أخيه كمساعد مخرج، واسم عديله مصمما للإضاءة، واسم زوجة أخيه كمصممة للأزياء أو للماكياج. فقد بات من النادر اليوم أن تجد اسما في المجال الدرامي والفني، إلا وتكتشف أن ابنه أو ابنته أو أكثر من ابن له، بات لهم صلة ما بالفن، سواء كان بالإخراج أو بالإنتاج أو بالتمثيل أو في أية واحدة من التخصصات الفنية الكثيرة.

هل يورث الفن حقا؟

علم الوراثة يؤكد أن الصوت يمكن أن يورث ضمن العائلة الواحدة، وعليه يمكن أن يكون لمغن ولد يرث صوته في المستقبل، وأحيانا يكون صوت ولده أكثر صفاء وجمالا.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'أسامة' فوق الشجرة

الميول تدخل أيضا ضمن نطاق علم الوراثة، مثل ميل الطفل للعزف أو التأليف الموسيقي أو الرسم أو تقليد الشخصيات، وهي ميول تحتاج إلى كشف مبكر، إذ يعلن الصوت الجميل عن نفسه بنفسه، فيما لا تكتشف مواهب الفنون الأخرى في الأبناء إلا في المدرسة، أو بعد تجارب ومران أو بالصدفة، مع تأكيد ما تلعبه البيئة الفنية من دور هام في هذا المضمار، حيث يتأثر الطفل الذي ينشأ وسط بيئة فنية حتى وإن كان بدون موهبة جينية، بهذا المحيط ويهوى شهرة والده أو والدته ويتماهى معها وينمو لديه حس وذائقة فنية متميزة ضمن هذه الأجواء المشبعة بعوالم الفن.

يمكن القول، إن العديد من أبناء النجوم المنتشرين على الساحة الفنية اليوم هم ورثة شرعيون، يتمتع العديد منهم بموهبة حقيقية ولدت معهم جينيا كحالة الفنانة أصالة نصري المتفوقة، وأنس فخري نجل الفنان صباح فخري، والفنانة ماجدة الرومي ابنة الملحن حليم الرومي، والفنانة المصرية أنغام ابنة الموسيقار محمد علي سليمان، والفنانة أمل عرفة ابنة الملحن السوري سهيل عرفة، وغيرها كأمثلة عن توارث الصوت والحس الموسيقي الطبيعي.

جميل أن يتوارث الفن، وأن نشهد كل حين ولادة موهبة حقيقية، على أن يكون هذا الوراثة طبيعية، لا توريثا قسريا

​​أما في حالات المواهب البارزة اليوم على الساحة الفنية لأبناء بعض النجوم في المجالات الفنية الأخرى، يمكن تصنيفها كمواهب مكتسبة نمت وصقلت ضمن بيئاتهم الفنية الأسرية. حتى إن البعض منهم تفوق على موهبة الآباء نتيجة لتطور المعرفة والدراسة الأكاديمية في بعض الحالات، والسرعة في الانتشار والشهرة اللذين حظي بهما جيلهم ووفرتهما وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنيت وجميع الوسائط الإعلامية المتاحة، دون إنكار أن اسم الأب النجم أو الأم النجمة ساهما في تمهيد الطريق لهؤلاء الأبناء واختصار المسافة لهم، ووفر لهم فرصتهم الأولى، مثل حالة رامي إمام نجل الفنان عادل إمام على سبيل المثال لا الحصر.

جميل أن يتوارث الفن، وأن نشهد كل حين ولادة موهبة حقيقية، على أن يكون هذا الوراثة طبيعية، لا توريثا قسريا عبر حشر قائمة من أسماء الأقرباء ضمن كل عمل وقطع الأرزاق وسد السبل أمام مواهب حقيقية لمختصين فنيين من خارج بعض العائلات الفنية المحتكرة اليوم للعديد من الانتاجات الضخمة.

اقرأ للكاتبة أيضا: شياطين السلاح

وقد حصرت بعض هذه العائلات، عبر السنوات الفائتة، أهم فرص العمل بأبنائهم أو أقاربهم بغية تقاسم الإنتاج والمنفعة المالية، كما لو أن العمل الفني مزرعة خاصة يجب ألا تخرج أرباحها من جيب العائلة الواحدة، دون الاكتراث إذا ما كان هؤلاء الأقارب يمتلكون الحد الأدنى من الموهبة أو التخصصات الأكاديمية للمهام الفنية الصعبة التي تناط بهم.

كأن عقلية التوريث العربي المهيمنة في السياسة لكرسي الزعامة أو المشيخة، والعديد من المناصب الحكومية والحزبية والقطاعات الحيوية ذات المردود المالي الضخم، قد أصابت هذه العائلات بالعدوى، وهي عدوى متجذرة لها فنونها الخاصة، غير ضارة بأصحابها، بل إن كثيرين يتمنون لو يصابوا بواحدة من نعمها الكثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.