يجمعان الأسمال النافقة بسبب تلوث المياه في البصرة
يجمعان الأسمال النافقة بسبب تلوث المياه في البصرة

بقلم إياد العنبر/

يعشق العراقيون الخطابة وتجدهم يهيمون بالشعارات، ولذلك نجد الطبقة السياسية لا تميز بين الخطاب السياسي والخطابة السياسية! فالأول يقوم على مبان فكرية تتولد على أساسها الرؤى والطروحات السياسية، وتحاول انتقاء المفاهيم السياسية التي تكون منسجمة ومتلائمة مع مبانيها الفكرية. لذلك ليس غريبا أن نجد الخطابة السياسية للشخصيات والأحزاب والقوى الفاعلة في المجال العام، متخمة بالشعارات، ولعل الشعار الأكثر استهلاكا شعار الوطني والوطنية.

ومن يتابع أخبار الحراك السياسي في العراق، وتحديدا في فترة ما قبل الانتخابات وما بعدها في مفاوضات تشكيل الحكومة، وحتى في الأزمات السياسية، سيجد بأن مفردة الوطنية هي الأكثر تداولا. ومن ثم انعكس انعدام ثقة المواطن العراقي بالحكومة والنخب والأحزاب السياسية، على عدم الثقة بالعناوين السياسية التي تتذيل بمفردة الوطنية أو الوطني!

لا تزال الطبقة السياسية في العراق، تتصرف بمنطق الإقطاعيات وتتحدث بعناوين الوطن

​​ويبدو أن توظيف الشعارات التي تتغنى بالوطن والوطنية، من بقايا ترسبات الأيديولوجيات الشمولية التي كانت تمرر من خلالها هيمنتها على المجتمع. وتساهم في ارتفاع مستوى النفاق السياسي، على مستوى السلطة والمجتمع، بطرح الشعارات الوطنية وحب الوطن والموت من أجله.

وفي زمن ديموقراطيتنا، فإن خطورة شعارات الوطنية، في مجتمع سياسي لا يتفق على تحديد ماهيتها، تكمن في تحولها إلى شعارا للتسقيط السياسي بين الخصوم السياسيين، وتحولها إلى معيار لتخوين الآخر المختلف دينيا أو طائفيا أو قوميا.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق.. المرجعية والاحتجاجات والانسداد السياسي

الوطن ليس شعارا رومانسيا، نجسده فقط في الهتافات والشعارات وفي المناسبات السياسية، أو نجعله مفردة في مناهج الدراسة. الوطن والوطنية مفاهيم تتجسد من خلالها العلاقة الحقيقة بين الفرد ونظامه السياسي، وعندما تنظم هذه العلاقة في منظومة من الحقوق والواجبات يمكن الحديث عن مواطنة. وما عدا ذلك فأي توصيف هو مجرد شعارات لا علاقة لها بالواقع.

ولذلك يروى أن رئيس الوزراء في العهد الملكي ياسين الهاشمي (توفي عام 1937) عندما عمل على سن قانون التجنيد الإجباري، وذهب إلى العشائر لإقناعهم بالانضمام إلى الجيش كان يكثر في حديثه عن الوطن، وعندما سأله الفلاحون عن معنى الوطن؟ أجابهم بأنه يعني الأرض التي يجب الدفاع عنها والذود عن حمايتها. رد عليه الفلاحون، لكن نحن لا نملك الأرض حتى ندافع عنها، فالأرض يملكها رجال الإقطاع.

ولا تزال الطبقة السياسية في العراق، تتصرف بمنطق الإقطاعيات وتتحدث بعناوين الوطن، لكن الفارق هو تغيير النظرة بالنسبة للجمهور، إذ في زمن الإقطاعيات التقليدية كان النظر إلى الفلاحين على أنهم من أدوات الإنتاج، أما في زمن الديموقراطية فتنظر الإقطاعيات السياسية إلى الجمهور بأنه عبارة عن أصوات انتخابية تمنحهم الشرعية للصول إلى السلطة ومؤسساتها كل أربع سنوات.

عندما يغيب الإجماع السياسي والشعبي على مفاهيم وثوابت محددة لمعنى الوطنية، فليس من المستغرب أن تتحول إلى شعارات في خطب السياسيين. لذلك لا يمكن الحديث عن "ثوابت وطنية" تحدد قواعد للسلوك السياسي بين الفرقاء والشركاء في العملية السياسية؛ لأننا لم نتفق بعد على ثوابت تحدد مرتكزات هويتنا الوطنية، هل تقوم على أساس التاريخ؟ أم الجغرافيا؟ أم التاريخ المشترك؟

إذا، كيف يمكن الوثوق بطبقة سياسية صدعت رؤوسنا بشعارات الوطنية، وهي منذ 15 عاما لم تتفق على نشيد وطني يجسد تاريخ العراق والأمة العراقية. وكذلك لم يتم الاتفاق على تغيير العلم الوطني فتم الإبقاء على علم يشير إلى وحدة فاشلة بين مصر وسورية، وحتى التعديلات التي أجريت عليه لم تغير دلالاته التي يفترض أنها تؤشر إلى تجسيد رمزية تاريخية للعراق.

لا يمكن إقناع الشارع العراقي بشعار الوطنية، وهو يعيش في ظل نظام سياسي فشل في ترسيخ ثوابت محددة قادرة على تحقيق المساواة والعدالة للجميع. فعندما يشرع مجموع من القوانين تضمن امتيازات للطبقة السياسية، وقوانين شرعت لتطبيق العدالة الانتقالية، أوجدت لنا طبقة اجتماعية تعتاش على موارد الدولة بصورة طفيلية. حتى الشهداء، الذين يفترض أنهم ضحوا بدمائهم من أجل الوطن، يقسمون في العراق إلى أكثر من صنف ونوع: شهداء الحرب ضد إيران، والشهداء ضحايا العلميات الإرهابية، والشهداء الذي أعدمهم النظام البائد. أي وطن هذا الذي يفقد الشباب فيه أي أمل في المستقبل، فهو يعيش العلاقة الطردية بين زيادة أعداد الشباب من حملة الشهادات الأولية والعليا، وتزايد أعداد نسبة العاطلين عن العمل.

الوطن والوطنية مفاهيم تتجسد من خلالها العلاقة الحقيقة بين الفرد ونظامه السياسي

​​وأكبر مآسينا هي عدم تغيير واقعنا، فكأنما عجلة الزمن متوقفة عن التقدم في العراق. فعندما أنشد الشاعر والسياسي العراقي معرف عبد الغني الرصافي "لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن.. فالقوم في السر غير القوم في العلن"، وكأنما يصف حالنا اليوم ونحن نتابع أخبار مفاوضات تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2018.

فالجميع يلعن التحالفات الطائفية، ويعدّها سبب البلاء والفشل في إدارة الدولة والوجه الآخر للفساد. لكن يعتقدون أن إضافة "الوطني" إلى تسمية تحالفاتهم الطائفية يمكن أن تخدع الجماهير، ولذلك نجد القوى السياسية السنية أعلنت تشكيل تحالف "المحور الوطني"، وكأنما تجربة التحالف الوطني الذي ضم القوى السياسية الشيعي في 2010 و2014 قد حول المحافظات الجنوبية والوسطى إلى مدن تضاهي العمران في دبي.

اقرأ للكاتب أيضا: انتخابات العراق 2018: الفرص والتحديات

مفارقة أخرى تحمل عنوان الوطنية، يطرحها تيار الحكمة في شعار "الأغلبية الوطنية"، ويحاول قياديو هذا التيار التلاعب بالمفاهيم من خلال تأكيدهم على أن هذا الشعار يختلف عن التوافقية، ويختلف عن الأغلبية بمعناها السياسي، في حين أن الواقع السياسي يؤشر إلى توحد الحزبين الكرديين الرئيسيين في التحالف الكردستاني، وتحالف السنة في "المحور الوطني"؛ ومن ثم عن أي أغلبية وطنية نتحدث إذا كانت العناوين الطائفية والقومية متحدة، عدا الشيعة الذين فرقهم الصراع على السلطة والنفوذ.

ختاما يقول علي الوردي: "طيلة مكوثي في أميركا لم أسمع أحدا يتفوه بدعوى حب الوطن أو وجوب التضحية في سبيله، إنهم ينسون الوطن في أقوالهم ويخدمونه في أعمالهم".

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sheikh Tamim bin Hamad al-Thani, Emir of Quatar, deliver remarks before dinner with US President Donald Trump at the Treasury…

سبق أن تناولت موضوع تغلغل اليساريين والشيوعيين في الجامعات الأميركية، في مقال بعنوان: "عن القمع في المجتمع الجامعي الأميركي". ولتوطيد أيديولوجيتهم الفكرية يقومون بدعم الأقليات مثل الإسلاميين الذين يشاطرونهم نفس الأيديولوجية أو يتقاطعون معها. نتيجة لذلك لم تعد الجامعات في أميركا مكانا رحبا لتبادل الأفكار وتقبل الرأي الآخر، بل إن أي شخص يعترض على آرائهم يتهم بأنه عنصري أو متعصب أو كاره للإسلام حتى لو كان مسلما.  

ومن هذا المنطلق يمكن لنا نعتبر أنه بات تحالف اليسار في الولايات المتحدة الأميركية مع دعاة الإسلام السياسي واضحا وجليَّا للعيان، وهذا إما يكون بسبب اتفاق أيديولوجي لمحاربة خصوم اليسار أو لمصالح مادية مشتركة. وقد تجلى ذلك فيما نراه من اختراق وتمويل للجامعات الأميركية.

إن تمويل قطر السخي للجامعات الأميركية، هو أحد أشكال هذا التحالف. ويهدف إلى خلق نفوذ يخدم مصالح قطر، بحيث يمكنها من حشد قاعدة شعبية ورأي عام أميركي يكون مؤيد لها.

في نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي

تفاصيل هذا التمويل كشفها موقع The Washington Free Beacon الذي اعتمد على بيانات مذكرة رسمية تلقتها وزارة الخارجية الأميركية. وحسب ما ذكر في الموقع، أنفقت مؤسسة قطر 1.5 مليار دولار على الأقل منذ عام 2012 لتمويل مجموعة من المبادرات التعليمية في 28 جامعة في مختلف أنحاء أميركا، مما يجعلها واحدة من أكثر الممولين الأجانب في النظام التعليمي الأميركي.

ففي نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي، ودخول قطر كواحدة من أكبر الممولين في هذا المجال أثار الريبة حول نوايا قطر لتحويل المؤسسات الأكاديمية الأميركية إلى وكلاء فعليين لديها ينقلون ويروجون لتوجهاتها السياسية الداعمة للإسلاميين.

من المعروف أن قطر تنفق ما لا يقل عن 405 مليون دولار سنويا لتغطية نفقات ست جامعات أميركية ومقرها الدوحة. هذه الجامعات تشمل نورث وسترن، وتكساس إيه آند إم، وجورجتاون، وفرجينيا كومنولث، وكورنيل، وكارنيجي ميلون.

تنفق قطر أيضا أكثر من 30 مليون دولار على برامج تدريب موجهة نحو الشرق الأوسط للطلاب الأميركيين في مدارس مختلفة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.   وقد ذكرت مجموعة قانونية أن هذا النقد هو جزء من "عملية نفوذ واسعة النطاق في أميركا" التي تمكن الأجندة القطرية بشكل أكبر.

ولا يعد تمويل الدوحة للمدارس والجامعات سوى نقطة في بحر محاولاتها المستمرة للتسلل داخل المجتمع الأميركي فهي تمول أيضا مؤسسات فكرية ومراكز بحثية بارزة مثل معهد بروكينغز.

بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمر جيد يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي

من أهم دوافع قطر لكل هذه التمويلات هو خلق قاعدة شعبية لها وذلك ليس فقط لتحسين صورتها في المجتمع الأميركي بقدر ما هو تشويه لسمعة خصومها وعلى وجه التحديد المجموعة الرباعية المقاطعة لها، أي السعودية ومصر والإمارات والبحرين.

فالقاعدة الشعبية لقطر في الداخل الأميركي لها شقين: الشق الأول، من خلال دعم جماعات الإسلام السياسي المتمثلة تحديدا بالإخوان المسلمين المقيمين في أميركا. أما الشق الآخر من خلال تمويل ودعم الجامعات ومراكز الفكر ذات التوجه اليساري والتي لها اختلافات أيديولوجية مع الدول المقاطعة لقطر بسبب ميول تلك الدول سياسيا للمدرسة المحافظة الغربية.

فكثير من الأكاديميين والباحثين وهيئات التدريس في أميركا لديهم توجهات يسارية معادية بشدة لهذه المدرسة المحافظة وتناهض من يؤيدها. قطر من خلال تمويلها تلعب على هذه النقطة.

إن بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمر جيد يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي، لكن عندما يكون التمويل بهذا الشكل الكبير للجامعات ومراكز البحوث وأيضا يكون هناك استغلال لاختلافات أيديولوجية بين الشعب الأميركي، قد يحول هذه القوة الناعمة من مصدر توطيد علاقات إلى تأجيج صراعات على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية وأيضا الخارجي.