مسجد المينا في مصر
مسجد المينا في مصر

استمع إلى المقال

​​

​​​​بقلم د. عماد بوظو/

في 28 كانون الثاني/يناير 2017 احترق المركز الإسلامي في مدينة فيكتوريا بولاية تكساس الأميركية ما أدى لتدميره، فقام تجمع لليهود في المدينة بتسليم مفاتيح كنيسهم لمسؤولي مسجد فيكتوريا للصلاة فيه. قال الدكتور الجراح شهيد هاشمي رئيس المركز الإسلامي وأحد مؤسسيه: "جاء إلى بيتي أعضاء من الجالية اليهودية وعلى رأسهم جاري برانفمان عضو معبد بني إسرائيل في فيكتوريا وأعطوني مفتاحا للكنيس اليهودي حتى نقيم فيه الصلاة إلى أن تتم إعادة بناء المسجد من جديد"، وأضاف أن إدارات ثلاث كنائس مسيحية عرضت أيضا استخدام مبانيها للصلاة، وخلال خمسة أيام فقط جمعت حملة على الإنترنت أكثر من مليون دولار من أجل المساعدة في إعادة بناء المركز الإسلامي.

في العام نفسه، نشرت شبكة سي بي سي في كندا تقريرا عن كنيسة بمدينة ليانغتون بأونتاريو خصصت مكانا لصلاة اللاجئين المسلمين، حيث شهدت هذه القاعة توافد مئات المصلين خصوصا خلال شهر رمضان. كذلك الأمر في مدينة أبردين في بريطانيا حيث فتحت كنيسة سانت جونز قبل بضع سنوات أبوابها لمئات المصلين المسلمين نتيجة عدم اتساع مسجد شاه مصطفى لجموع المصلين الذين كانوا يضطرون للصلاة خارجه وسط الطقس القاسي، فقام كبير قساوسة الكنيسة آيزاك بوبالان بتسليم جزء من مباني الكنيسة إلى إمام المسجد أحمد المغربي. ويمكن سرد عشرات الأمثلة المشابهة التي حصلت في الفترة الأخيرة نتيجة طوفان اللاجئين في دول الغرب من ضحايا الصراعات في الشرق الأوسط وهم في غالبيتهم الساحقة من المسلمين.

نتيجة صلاة المسلمين بالكثير من الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، فقد تحولت مع الزمن إلى مساجد

​​ربما لا يعرف الجيل الجديد من الشباب الذين نشأوا في أجواء التطرف والشحن الطائفي خلال العقود الأربعة الماضية أن بإمكان المؤمنين من كل الأديان الصلاة إلى الله في جميع دور العبادة التابعة لمختلف الأديان والطوائف. إذ طالما أنها بيوت الله فأبوابها يجب أن تبقى مفتوحة لجميع البشر. وربما لا يعرفون أن الكثير من المسلمين في بلاد الشام طوال تاريخهم وحتى اليوم اعتادوا على تقديم نذورهم في الكنائس والأديرة كما يقدم بعض المسيحيين نذورا في المساجد راجين من الله تحقيق أمانيهم.

كما أن زوار مقام السيدة زينب جنوب دمشق كانوا من مختلف الطوائف وأغلبهم كان من السنة الذين يصلون هناك ويطلبون البركة. ويذكر تاريخ دمشق أنه عندما كانت تجتاح الأوبئة المدينة كان المسلمون يخرجون بمصاحفهم والنصارى بأناجيلهم واليهود بتوراتهم، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، يجوبون شوارع مدينتهم وهم يتضرعون إلى الله بكتبه وأنبيائه ليزيح عنهم البلاء.

اقرأ للكاتب أيضا: بوتين وأردوغان وخامنئي مشروع تحالف يصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا

وينظر القرآن بمساواة بين دور العبادة، ويعتبرها جميعا أماكن مقدسة، من صوامع الرهبان إلى بيع النصارى وصلوات اليهود حتى مساجد المسلمين لأن اسم الله الواحد يذكر فيها: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" الحج 40.

وفي تاريخ ابن خلدون هناك القصة الشهيرة عن رفض عمر بن الخطاب الصلاة داخل كنيسة القيامة ليس لأنها بيت للكفر كما قال فيما بعد ابن تيمية ولا لأن فيها تماثيل وصلبانا كما يزعم متطرفو هذه الأيام، بل حتى لا يأخذ المسلمون الكنيسة بعده بحجة أن عمر صلى فيها، فصلى على بابها، بما يدل على أن صلاة المسلمين بالكنائس مقبولة ومألوفة، وكان هذا حال المسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة المسيحية طلبا للحماية والأمان وأقاموا فيها وصلوا في كنائسها.

نتيجة صلاة المسلمين بالكثير من الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، فقد تحولت مع الزمن إلى مساجد؛ فالمسجد الأموي في دمشق، وهو من أكبر وأشهر المساجد الإسلامية، كان كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان "النبي يحيى" وهو من أهم شخصيات التاريخ المسيحي وقام بتعميد المسيح ولا يزال قبره هناك. وكذلك جامع حلب الكبير "الأموي" الذي كان كاتدرائية سانت هيلانة، وجامع العطارين في القسم الأثري من مدينة الإسكندرية والذي كان كنيسة القديس أبناسيوس التاريخية التي أقيمت عام 370 ميلادي، ومسجد أيا صوفيا الشهير في اسطنبول والذي كان كنيسة، وعلى هذا النمط هناك آلاف الكنائس التي تم تحويلها إلى مساجد خلال القرون في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ومن هذه الأمثلة المسجد الأقصى، الذي تعزو أغلب الأحاديث النبوية بناءه للنبي داوود وابنه سليمان بما يتماشى مع الرواية اليهودية عن هيكل سليمان الذي قال ابن خلدون إن موقعه كان في بيت المقدس تحت قبة الصخرة. وينقل عن عبد الله بن عمرو عن النبي أنه قال "لما فرغ سليمان بن داوود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا، حكما يصادف حكمه وملكا لا ينبغي لأحد من بعده وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". فيما بعد قام البابليون بإحراقه وسبوا اليهود إلى بابل، ولما عاد اليهود من السبي أعادوا بناء الهيكل الثاني وانتهوا من بنائه عام 516 قبل الميلاد، فيما بعد أطلق عليه اسم معبد حيرود تيمنا بملك اليهود حيرود الكبير الذي قام بتوسيعه في القرن الأول قبل الميلاد، إلى أن هدمه الرومان عام 70 ميلادي، وفي عام 543 للميلاد قام الإمبراطور جوستينيان ببناء كنيسة في نفس المكان الذي تم فيه فيما بعد بناء المسجد الأقصى في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أي حسب الأحاديث النبوية فإن المسجد الأقصى هو نفسه بيت المقدس المعبد اليهودي الأول الذي بناه النبي سليمان.

أما حول دخول المسيحيين واليهود وأتباع الديانات الأخرى أو غير المؤمنين للمساجد، فقد ذهب المذهب الحنفي، أكثر المذاهب الإسلامية انتشارا، إلى أنه يجوز لغير المسلمين وحتى الكفار دخول جميع المساجد بما فيها المسجد الحرام، لأن النبي محمد أنزل وفد ثقيف في مسجده وهم كفار، ولأن الخبث موجود في اعتقادهم وهو ليس أمرا ماديا حتى يلوث المساجد، وحول الآية: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.." التوبة 28، فقد رأى أتباع المذهب الحنفي أن المقصود دخولهم استعلاء واستيلاء، أو طائفين عراة كما كان المشركون يفعلون في الجاهلية. بينما قال الشافعية وبعض الحنابلة إنه يجوز لغير المسلمين والكفار دخول جميع المساجد إلا المسجد الحرام، وقال المالكية بجواز دخولهم للضرورة، وشذ عن جمهور المسلمين بعض أتباع المذهب الحنبلي الذين قالوا بعدم جواز دخول الكفار للمساجد باعتبارهم نجس مثل حالة الجنابة أو المرأة في الحيض والنفاس.

كما اتفق أغلب فقهاء المسلمين على أن صلاة غير المسلمين بالمساجد جائزة؛ فقد قال ابن كثير في تفسيره إن رجال بني الحارث بن كعب دخلوا على رسول الله في مسجده وقاموا وأدوا صلاتهم عندما حان موعدها، وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة إن الرسول أنزل وفد نصارى نجران في مسجده في عام الوفود وصلوا فيه، وبالنتيجة فإن جمهور علماء المسلمين يجيز دخول أتباع الديانات الأخرى للمساجد والصلاة فيها باستثناء بعض شيوخ المذهب الحنبلي الذي يشكل أقل من خمسة في المئة من عموم المسلمين.

الأساس الذي يستند عليه هؤلاء المتطرفون في مواقفهم هذه هو تكفير كل من يختلف معهم

​​من أمثال هؤلاء ومن سار على مذهبهم من السلفيين ارتفعت بعض الأصوات في الفترة الأخيرة رافضة مظاهر التقارب والصلاة المشتركة بين الأديان، فقد قال الداعية السلفي المغربي محمد الفزازي إن القرآن قد حسم موضوع عدم السماح للمسيحيين بالصلاة في مساجد المسلمين بقوله: "وإن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا"، وتابع إذا سمحنا لهم بالدخول فإنهم سيدعون باسم الرب والروح القدس وغيره، والمساجد خاصة بالمسلمين ولا يجوز تحويلها إلى معابد وكوكتيل للعبادات غير الإسلامية.

كما أفتى الشيخ رائد حليحل رئيس هيئة علماء المسلمين في لبنان بحرمة الصلاة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين بعد صلاة رجال دين مسيحيين ومسلمين معا في عيد الشعانين وعيد لبنان الوطني، واستنكر ذلك قائلا: شيوخ داخل كنيسة يمارسون طقوسا مع المسيحيين هذا لا يجوز.

اقرأ للكاتب أيضا: حول الحدود في الإسلام وتنفيذها بحضور الجمهور

الأساس الذي يستند عليه هؤلاء المتطرفون في مواقفهم هذه هو تكفير كل من يختلف معهم وخاصة أتباع الديانات السماوية الأخرى، رغم أن هذا يتناقض مع القرآن نفسه "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" العنكبوت 46.

كما أن أماكن العبادة التي تفتح أبوابها للجميع للدخول والصلاة فيها تصبح جسرا للتعارف واكتشاف الآخر والتواصل معه ونشر المحبة بين أتباع الديانات المختلفة، وهذا لا يناسب دعاة التعصب والكراهية والعنصرية من مختلف الديانات، لذلك فهم يتجاهلون عمدا عشرات القصص التي تتحدث عن التضامن والتعاطف بين أتباع الديانات والطوائف المختلفة ويفتشون عن أي عمل عنيف أو عنصري أو إرهابي قام به شخص مهزوز أو مريض أو متعصب غاضب ليقولوا إن هذا هو الموقف الحقيقي لجميع أتباع هذا الدين أو تلك القومية بما يساعدهم في الترويج لخطاب الكراهية، وفي هذا تتطابق مصالح المتطرف الإسلامي مع العنصري الغربي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟