أشواق حجي، سيدة إيزيدة تم سبيها من قبل مقاتلي "داعش"
أشواق حجي، سيدة إيزيدة تم سبيها من قبل مقاتلي "داعش"

بقلم عريب الرنتاوي/

خلال أسبوع واحد فقط، سجل الثلاثة الكبار في عالم الإرهاب حضورا إعلاميا: أيمن الظواهري تحدث من مخبئه غير المعروف في أفغانستان/باكستان، حاثا أنصاره على تصعيد "الجهاد". أبو بكر البغدادي بث تسجيلا صوتيا حديثا تناول فيه معالم مرحلة "ما بعد الدولة" في تجربة "داعش" ساعيا لشد أزر مقاتليه وأنصاره، منتقدا السعودية ومحذرا الأردن. أبو محمد الجولاني، ظهر مع نفر من أنصاره ومقاتليه في "بقعة ما" من ريف اللاذقية، على مبعدة أيام من "أم المعارك" في إدلب المجاورة، في رسالة لا تخفى دلالاتها على أحد.

الظهور المتزامن، غير المنسق للقادة الثلاثة، يتكشف عن حقيقة ويبعث برسالتين: أما الحقيقة الواضحة، فهي أن "الإرهاب العالمي" يواجه تحديات جسيمة، بعد أوسع عمليات المطاردة والتطويق والحرب التي تعرض (ويتعرض) لها، وخسارته أقاليم واسعة دانت لسيطرته ونفوذه حتى وقت قريب، وأنه على اختلاف مدارسه ومسمياته، يكاد يتحول إلى ضرب من العمل السري، "تحت الأرض"، هنا في المشرق العربي وهناك على الجبهة الأفغانية ـ الباكستانية.

أما رسائل هذا الظهور المتزامن للقادة الثلاثة، فيمكن إجمالها باثنتين: واحدة خارجية، وموجهة إلى أصدقاء هذه التنظيمات وأعدائها على حد سواء، مفادها أن هذه الجماعات باقية، وإن كفت عن التمدد، وأنها تدخل غمار مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة ورسم الأولويات وما تقرره من أدوات وتكتيكات "جهادية" جديدة. أما الرسالة الثانية، فداخلية، وتهدف إلى شد أزر المقاتلين المشتتين والمحاصرين والمطاردين في أرجاء المعمورة، وتندرج أساسا في سياق التنافس ببين "القاعدة" (وامتدادا "النصرة") من جهة و"داعش" من جهة أخرى، وتتوج "حرب الأخوة الأعداء" التي أكلت أخضر التنظيمات الجهادية الأبرز الثلاثة ويابسها.

العلاقة بين الظواهري والجولاني، أقل توترا من مثيلتها بين الظواهري والبغدادي

​​الصراع بين "القاعدة" و"داعش"، الظواهري والبغدادي، عمره من عمر "تنظيم الدولة" تقريبا، وربما يعود إلى مرحلة "أبو مصعب الزرقاوي" في العمل "الجهادي" في العراق. أما ساحاته ومساحاته، فيتداخل فيها العقائدي بالميداني مع صراع على النفوذ و"الشرعية"، وتمتد بامتداد "الانتشار الجهادي"، ويتخذ في بعض الأحيان شكل حرب الإلغاء والتصفية. ولم ينجح الفريقان، رغم اشتداد التهديدات الوجودية المشتركة، في العمل سويا ولو على المستوى التكتيكي المحدود في الزمان والمكان لتفادي الوقوع في كمين "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". وفرت سورية مثالا فجا حول مستوى "الكراهية" التي يبديها هؤلاء بعضهم لبعض، إذ آثروا الموت منفردين على أيدي قوات النظام وحلفائه، على أن يمد أحدهم يديه للآخر.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف استقبلت عواصم الإقليم سيناريو "عزل الرئيس"؟

في كلمة البغدادي، دعوة صريحة لشن حرب عصابات متنقلة، ويمكن النظر إليها بوصفها "wake up call" لكافة "الخلايا النائمة" وضغط على "زر التشغيل" لتفعيل الذئاب المتفردة.. لم تعد هناك فروق "شرعية" بين ساحات نصرة وساحات جهاد، جميعها اليوم ساحات جهاد، فلا ينتظرن أحد الإذن و"الرخصة"، ولتمتشق كافة أنواع الأسلحة، بما فيها أكثرها بدائية، وكل هدف سيكون مقبولا و"شرعيا"، بما فيها أكثر العمليات انحطاطا.

في هذا السياق أيضا، يمكن النظر إلى عمليتي "الفحيص" و"السلط" في الأردن، حيث أقدمت خلايا نائمة محسوبة على التنظيم ومتأثرة بفكره التكفيري على استهداف عربة للأمن العام، كان أفرادها يقومون على حماية مهرجان الفحيص السنوي، ثم تحصن عدد منهم في بناية في مدينة السلط، شمال غرب عمان، قبل أن تحاصرهم قوات الأمن الأردنية وتقتل وتعتقل بقية أفراد المجموعة.

"النصرة" تنتظرها "أم المعارك"، ولديها "إقليم" تحت سيطرتها، وتقيم عليه ما يشبه الإمارة الإسلامية غير المعلنة. لكن هذا الوضع لن يطول، فالحشود العسكرية في إدلب وحولها، تكاد تكتمل، والجهود التركية لإقناع "النصرة" بحل نفسها تصطدم بموقف عقائدي "صلب" عبر عنه اثنان من "أيديولوجي" التنظيم: السعودي عبد الله المحيسني والعراقي أبو ماريا القحطاني، اللذان يخوضان غمار حرب "دعوية" لشد عصب التنظيم ومقاتليه، استعدادا لـ"المنازلة الكبرى".

تهديد الإرهاب لم ينته، على أنه انتقل من كونه تهديدا عسكريا ـ استراتيجيا إلى تهديد أمني، مزعج ومقلق بل وخطير، على أنه محدود

​​رهانات "النصرة" ما زالت معقودة على إمكانية إفلاتها من مصير محتوم في إدلب، وهي في هذا السياق تراهن على "الورقة الإنسانية" لتأجيل قرار الحسم والاجتياح العسكري لآخر محافظة تقع تحت سيطرتها، وتعول على مخاوف تركيا وحساباتها، لدفع أنقرة لاتخاذ موقف ضاغط على موسكو وحليفتيها في طهران ودمشق، لوقف قرار استرداد المحافظة، أو تأجيله على أقل تقدير.

 والأرجح أن "النصرة" التي تحتفظ بأكثر من عشرة آلاف مقاتل في إدلب وفقا لأحدث تقرير للأمم المتحدة، وهو أكبر تجمع "جهادي" في التاريخ، واشتهرت بالابتعاد عن تنفيذ عمليات خارج سورية، الأرجح أنها ستلتحق بـ"داعش" و"القاعدة" الأم، بعد انتهاء المعركة الكبرى في إدلب، والتي تبدو مؤكدة ووشيكة، وقد نستمع لشريط مصور أو مسجل بعد عدة أشهر، يدعو فيها الجولاني أو خليفته أو أي من "منظري" التنظيم، أنصاره ومريديه لشن الحرب على اتساعها، من دون قيود على الجغرافيا والأهداف والأدوات، وهو الأمر الذي ما انفك أيمن الظواهري يفعله منذ سنوات على أية حال، من دون كلل أو ملل، وإن من دون جدوى حقيقية. وهو ـ الظواهري ـ الذي أفضى صعود "داعش" و"النصرة" في السنوات السبع العجاف الماضية، إلى سحب البساط من تحت قدميه، وأبقاه "زعيما بلا قاعدة".

اقرأ للكاتب أيضا: ما بعد 'التهدئة'.. حين تلتقي مصالح اليمين الديني الإسرائيلي والفلسطيني

العلاقة بين الظواهري والجولاني، أقل توترا من مثيلتها بين الظواهري والبغدادي، بيد أنها تستبطن خلافات عميقة وصراع محتدم على النفوذ و"الشرعية"، وفي هذا السياق جاء تأسيس تنظيم "حراس الدين" في سورية قبل حوالي السنة، بصلة مباشرة مع الظواهري وتوجيه منه، بوجه إجراء وقائي أو احتياطي، بعد أن أثارت بعض "تكتيكات" الجولاني واتصالاته التركية ـ القطرية، مخاوف لدى "وريث ابن لادن وخليفته"، فأمر بتأسيس هذا التنظيم من "حفنة" من "المجاهدين الأجانب" المجربين والمعروفين بولائهم للقاعدة في "طبعتها الأولى"، ولزعيمها الحالي، المصري أيمن الظواهري.

تهديد الإرهاب لم ينته، على أنه انتقل من كونه تهديدا عسكريا ـ استراتيجيا (وجوديا في بعض الأحيان) إلى تهديد أمني، مزعج ومقلق بل وخطير، على أنه محدود بهذه المعايير، وأي مبالغة في تصوير حجمه وأثره، أو تقليل من شأن خطورته، إنما تندرج في ثنائية "الإفراط والتفريط" النابع إما عن جهل بمنطق هذه الحركات، أو عن مصلحة في تضخيم وجودها أو نفيه.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟