صن تزو
صن تزو

بقلم رياض عصمت/

جرت ترجمة كتاب "فن الحرب" الصيني لمؤلفة صن تزو لأول مرة إلى لغة أوروبية حين قام بترجمته إلى الفرنسية في عام 1782 راهب فرنسي من الجزويت يدعى جوزيف أميوت Joseph Amiot، لكن مترجم الكتاب لاحقا إلى اللغة الإنكليزية في عام 1910 ليونيل غايلز Lionel Giles أوضح أن تلك الترجمة لم تكن أمينة للنص الأصلي، إذ أضاف المترجم الفرنسي كثيرا مما لم يكتبه صن تزو على الإطلاق.

أما الترجمة الإنكليزية التي سبقت ترجمة غايلز، فقام بها كابتن يدعى كالثروب في عام 1905، لكن غايلز وجد فيها أيضا كثيرا من العيوب وعدم الدقة. لذلك، تبقى ترجمة ليونيل غايلز هي المعتمدة والأكثر مصداقية ووثوقا.

لا أجد أفضل من تلخيص أبرز وأجمل ما جاء في كتاب "فن الحرب" من مقولات أورد المختارات التالية منها، قمت بترجمتها عن اللغة الإنكليزية، ولعلها تقدم بشكل واضح رؤية صن تزو وبصيرته الثاقبة:

ما يمكن أن نخلص إليه من كتاب صن تزو هو أن الانتصار الحقيقي هو ألا يتم السماح أصلا للقتال أن يقع، وأن فن الحرب هو فن السلام

​​"النصر الأعظم هو ذلك الذي لا يتطلب قتالا". "المقاتل الحكيم هو من يتجنب المعركة". "من يرغب في الانتصار، عليه أن يحسب أولا التكلفة". "تأمل وتدبر قبل إقدامك على أية خطوة". "ذروة فن الحرب هي إخضاع العدو من دون قتال". "لا توجد أية فائدة لأية أمة في إطالة أمد الحرب". "من يود القتال، عليه حساب النتائج". "أن تكسب مئة معركة ليس ذروة المهارة. أن تخضع العدو دون قتال هو ذروة المهارة".

كما يلخص صن تزو وسائل الانتصار في الحرب عبر المقولات التالية: "الحرب تعتمد على الخدعة". "فقط الحاكم المتنور والجنرال الحكيم هما من يستخدم استخبارات الجيش من أجل التجسس. بالتالي، نجدهما يحرزان نتائج عظيمة". "الخبير بالقتال يحرك عدوه، ولا يسمح للعدو أن يحركه". "المحاربون المنتصرون يكسبون في البداية، ثم يذهبون إلى الحرب. أما المحاربون المنهزمون، فيذهبون إلى الحرب في البداية، ثم يسعون إلى الانتصار".

اقرأ للكاتب أيضا: فن الحرب (1)

يتابع صن تزو الشرح والإيضاح حول التكتيك القتالي، والذي لو طبق في مجالات حياتية أخرى لحصد المرء نتائج باهرة، فيقول: "إذا كان عدوك يشعر بالأمان من جميع النواحي، استعد له جيدا. إذا كان في وضع متفوق بالقوة، تفاداه. إذا كان خصمك مزاجيا، حاول أن تستفزه. تظاهر بالضعف بحيث تجعله مغرورا. إذا كان يأخذ الأمور باليسر، لا تعطه فرصة ليستريح. إذا كانت قواته متحدة، افصلها عن بعضها. إذا كان العاهل وأتباعه في انسجام، ازرع الفرقة بينهم. هاجم عدوك حيث هو غير مستعد، واظهر في المكان غير المتوقع". "أظهر الضعف عندما تكون قويا، وأظهر القوة حين تكون ضعيفا". "تحرك بانسياب الريح، وكن بصلابة الخشب. هاجم مثل النار، وكن ثابتا كالجبل".

يقول صن تزو أيضا: "عامل رجالك كما تعامل أبناءك الذين تحبهم، وسيتبعونك إلى أعمق الوديان". "اجعل خططك معتمة وغير قابلة للاختراق كما هو الليل، وعندما تتحرك، اضرب كالصاعقة". "إن كنت تعلم قدراتك وقدرات خصمك، فما عليك أن تخشى من نتائج مئة معركة. وإن كنت تعرف نفسك، وتجهل خصمك، فمقابل كل انتصار ستعاني من هزيمة. إذا كنت تجهل نفسك كما تجهل عدوك، فسوف تواجه الهزيمة في كل معركة". "هناك طرق من الواجب تجنب اتباعها، أعداء يجب ألا تجري مهاجمتهم، مدن يجب عدم حصارها، مواقع يجب عدم تحديها، أوامر من العاهل يجب عدم طاعتها". "لا تتحرك إن لم تكن ثمة فائدة من التحرك. لا تستخدم قواتك إلا إذا كان هناك ما تكسبه. لا تقاتل إلا إذا كان موقفك حرجا". "لا تكرر التكتيك الذي أوصلك إلى النصر مرة، وإنما اجعل طرائقك متنوعة بالمطلق حسبما تمليه الظروف". "إذا أرسل التعزيزات إلى كل مكان، سيكون ضعيفا في كل مكان". "من السهل أن تحب صديقك، ولكن أحيانا من أصعب الأشياء أن تحب عدوك". "جاءت الفوضى من النظام، والخوف من الشجاعة، والضعف من القوة". "إن القائد الذي يتقدم دون أن يفكر بنيل مجد شخصي، وينسحب بالرغم من عقوبة معينة، والرجل الذي همه الأول أن يحمي شعبه ويدعم مصالح حاكمه، هو كنز وطني". "الإسراف في المكافآت دلالة على اليأس، والإسراف في العقوبات دلالة على الإنهاك". "يجب معاملة الجنود الأسرى بالحسنى". "أن تقاتل وتنتصر مئة مرة ليس نيلا للكمال، لأن ذروة الفن هي إخضاع العدو دون قتال". كل هذه أمور يجب أن تدرس جيدا في الأكاديميات العسكرية، بل إنها جديرة بأن تعلم في المدارس لما فيها من أثر على السلوك في الحياة العامة، خاصة عند الأجيال الجديدة الناشئة من الشبان والفتيات.

أخيرا، نقتطف من صن تزو في كتابه القيم "فن الحرب" المقاطع التالية التي نعتقد أن كل زعيم أن يضعها نصب عينيه ويستفيد من حكمتها:

"يجب ألا يضع أي حاكم قواته في ساحة المعركة فقط بسبب شعوره الشخصي بالسأم. يجب ألا يخوض أي جنرال معركة انطلاقا من شعوره بالنكد".

"هناك خمسة عيوب خطيرة يمكن أن تؤثر على جنرال:

  1. التهور، الذي يقود إلى الدمار.
  2. الجبن، الذي يقود للوقوع في الأسر.
  3. المزاج المتسرع، الذي يمكن أن يستثار من الإهانات.
  4. قواعد الشرف، التي تجعله حساسا تجاه العار.
  5. شدة الاهتمام برجاله، التي تعرضه للقلق والمتاعب".
عامل رجالك كما تعامل أبناءك الذين تحبهم، وسيتبعونك إلى أعمق الوديان

​​يتضمن كتاب "فن الحرب" أيضا جملا أخرى فيها من العمق الفلسفي القدر الكبير: "ليس هناك أكثر من خمسة ألوان أساسية ـ هي الأزرق، الأصفر، الأحمر، الأبيض والأسود - ومع هذا فإنها بتركيبها مع بعضها تنتج أطيافا أكثر مما يمكن رؤيته". "لا تبتلع طعما قدمه لك العدو. لا تتدخل في جيش عائد إلى الوطن". ويضيف صن تزو: "قال كونفوشيوس: ربما يمتلك الناس أفضل المواهب، لكنهم إذا كانوا مغرورين وبخلاء، فإن صفاتهم لا تستحق الاعتبار". "المحارب الحكيم هو من يتجنب المعركة". "عندما تحاصر عدوك، اترك له فسحة صغيرة للهرب. لا تضغط على عدو يائس كثيرا".

اقرأ للكاتب أيضا: هل يتكرر مصير ابن رشد؟

بالتأكيد، كان صن تزو أكثر من مجرد محارب قدير أو جنرال يفهم استراتيجيات القتال وكسب المعارك. من الواضح أنه كان رجلا ذا بصيرة فلسفية عميقة، وإنسانا حاد الذكاء، عميق التفكير، قادرا على تحويل أفكاره النظرية إلى وسائل عملية على أرض الواقع. وربما كان خير ما نختم به هو مقولة صن تزو: "حيثما تقع حروب متكررة، فإن الشعوب تضعف. عندما يسجلون انتصارات متكررة، فإن الحكام يصبحون متجبرين. اجعل الحكام المتجبرين يأمرون شعوبا مستضعفة، تجد من النادر على أمة كهذه ألا تتعرض للفناء".

بالتأكيد، فإن ما يمكن أن نخلص إليه من كتاب صن تزو هو أن الانتصار الحقيقي هو ألا يتم السماح أصلا للقتال أن يقع، وأن فن الحرب هو فن السلام.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.