إن ما يواجهه السود من عنصرية واقع لا يمكن إنكاره
"إن ما يواجهه السود من عنصرية واقع لا يمكن إنكاره"

بقلم منصور الحاج/

في هذا الجزء، سأقدم بعض المقترحات للتصدي لمشكلة العنصرية المتأصلة في المجتمعات العربية، وسأتطرق إلى أهمية تضافر الجهود من أجل بناء مجتمع واع يوفر الدعم المعنوي والحماية والتقدير للشباب والأطفال عبر إقامة أنشطة اجتماعية وأدبية وثقافية وتنظيم برامج توعوية تسلط الضوء على أوجه العنصرية وآثارها القريبة والبعيدة على السود. كما سأناقش فكرة "العنصرية العكسية" وحجج من يرون أن على السود العمل على الاندماج في المجتمعات والانفتاح عليها بدلا من التركيز على إحياء النزعة العرقية.

إن على السود في المجتمعات العربية الاعتراف أولا بأن العنصرية التي يتعرضون لها هي مشكلة حقيقية يتضرر منها أصحاب البشرة السوداء نفسيا واجتماعيا واقتصاديا، ولذلك ينبغي التصدي لها بطريقة منهجية خاصة بعد فشل الأساليب التقليدية في معالجتها وذلك من أجل تغيير الواقع وتحسين مستقبل الأجيال القادمة.

على السود أيضا، تشجيع المبدعين من الأدباء والكتاب على كتابة القصائد والقصص والروايات التي توثق تجاربهم​

ولا يحتاج الإنسان الأسود إلى التفكير مليا لاستنتاج أنه يتعرض بسبب لون بشرته إلى مضايقات واعتداءات ويكون محل سخرية واستعباد بل ويستباح دمه على أيدي رجال الشرطة أو رجال الهيئة كما في حالة الشاب السعودي سليمان الحريصي أو الجماعات العنصرية بغض النظر عن الزمان والمكان.

فلا يختلف الأمر إن كان الأسود صحابيا كبلال بن رباح الحبشي أو محاربا كعنترة بن شداد أو لاعبا مشهورا كبول بوغبا أو مغنيا كمايكل جاكسون أو رئيسا سابقا كباراك أوباما أو إماما للحرم كالشيخ عادل الكلباني أو شخصا عاديا في تركيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو الهند أو البرازيل أو اليابان.

اقرأ للكاتب أيضا: رسالة إلى المسلمين التقليديين

إن ما يواجهه السود من عنصرية واقع لا يمكن إنكاره وحقيقة لا يستطيع حتى السود أنفسهم إخفاءها لأنها متعلقة بلون البشرة وهو أول ما يراه غير السود في السود. ومن المعروف أن تغيير اللون والملامح يتطلب جهودا مالية ضخمة، على عكس حال أقليات أخرى تتعرض للتمييز والاضطهاد كأتباع الديانات والمذاهب أو المثليين، إذ بإمكان غير المسلم إعلان إسلامه إن خشي على نفسه، وبإمكان المسلم ادعاء أنه ليس كذلك وبإمكان المثليين التظاهر بأنهم مغايرون أما السود فلا مجال لذلك.

بعد الاعتراف بضرورة التصدي للآثار السلبية المترتبة على العنصرية ضد السود على الصعيد الفردي والجماعي، يجب على السود توحيد صفوفهم وإنشاء كيانات خاصة بهم كجمعيات واتحادات وروابط ومجموعات تعنى بكل ما يتعلق بالسود من قضايا وتوفر لهم الدعم المعنوي وتناقش كل ما يطرأ من مستجدات فضلا عن تقديم النصائح وتبادل الخبرات.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعزز ثقة السود بأنفسهم وبهويتهم بدلا من التماهي في هويات أخرى. فهذه الكيانات والمجموعات، وإن كانت مجموعات على تطبيق "واتساب" أو صفحات على "فيسبوك"، فهي بمثابة ملاذ آمن للأعضاء وفيه يستطيعون التنفيس عن أنفسهم والتعبير عن المواقف التي تواجههم وهم يعلمون علم اليقين بأن كل من في المجموعة يفهمونهم ويقدرون مشاعرهم.

الهدف من هذه الكيانات تكوين قاعدة يتعرف من خلالها السود على بعضهم بعضا وعلى القدرات التي يتمتعون بها وحجم التأثير الذي بإمكانهم إحداثه على مستوى العائلة أو الحي أو المدينة أو حتى إقليميا وعالميا.

فبما أن الهم واحد كما يقال، وبما أن أيا منا معرض لأن يكون ضحية حدث عنصري مأساوي، فإن من المنطقي أن نتجاوز الفوارق الدينية أو تلك المتعلقة بدرجة اللون أو الطبقة الاجتماعية أو التحصيل العلمي من أجل التواصل والترابط مع جميع من يشتركون معنا ونشترك معهم في لون البشرة والاستفادة من التجارب المختلفة في التغلب على المصاعب وانتزاع الحقوق.

ومن ضمن ما يمكن لهذه المجموعات القيام به هو حث الأعضاء على توثيق المواقف العنصرية بالصوت والصورة ونشرها على أوسع نطاق حتى تعي المجتمعات التي تقلل من فداحة الظاهرة أن عدم وجود أرقام عن عدد الحوادث العنصرية لا يعني أنها محدودة.

ومن أوضح الأمثلة على أهمية توثيق المواقف العنصرية التي نتعرض لها ما فعلته الناشطة السعودية نوال هوساوي حين قررت عدم الصمت على إهانة سيدة سعودية لها وصفتها بـ"العبدة" وقررت التقدم بشكوى وإطلاق هاشتاغ "العبدة" الأمر الذي أثار حملة إعلامية واسعة حصلت فيها على تضامن العديد من شرائح المجتمع.

كما أحدث مغني الراب التونسي حمزة بن عاشور ضجة كبيرة في العام 2016 حين ارتدى نظارات بها كاميرا خفية وقام بتصوير الاعتداءات اللفظية العنصرية التي يتعرض لها السود يوميا في تونس.

على السود في المجتمعات العربية العمل على تكوين كيانات للتواصل وتبادل الخبرات ونشر الوعي

​​على السود أيضا، ومن خلال هذه الكيانات والمجموعات، تشجيع المبدعين من الأدباء والكتاب على كتابة القصائد والقصص والروايات التي توثق تجاربهم حتى يطلع عليها المعاصرون وتستفيد منها الأجيال القادمة.

أما في ما يتعلق بفكرة "العنصرية المعاكسة" وتوجه من يقولون بأن المصلحة العامة تستوجب العمل خارج إطار المنظومة العرقية وعدم التركيز على الهوية اللونية فأقول إن التصرفات العنصرية لا تنحصر في عرق أو طائفة أو جنس معين وبإمكان أي جماعة أو أفراد مهما كان لون بشرتهم أو خلفيتهم العرقية التصرف بعنصرية تجاه من يختلف معهم. وهذا النوع من العنصرية، وإن كان مقيتا ويجب التصدي، له إلا أنه في غالب الأحوال لا يعدو أن يكون سطحيا شخصيا.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية (3)

في الغالب تكون تلك التصرفات العنصرية من قبل الأقلية المسحوقة ضد الأغلبية ذات النفوذ ردة فعل على عنصرية من يملكون المال والمناصب والمؤسسات ويسيطرون على الأجهزة العليا وبيدهم القرار الأول والأخير في اختيار الموظفين وترقيتهم واستخدام العنف بالقدر المسموح به قانونيا كما يفعل رجال الشرطة في حالات التوقيف والاشتباه. وفي نهاية المطاف فإن التصرفات العنصرية لأولئك الذين يملكون السلطة والثروة والنفوذ هي أكثر ضررا وأبلغ أثرا من تلك التي يقوم بها من لا يملكون السلطة ولا الثروة ولا النفوذ.

خلاصة الأمر، إن على السود في المجتمعات العربية العمل على تكوين كيانات للتواصل وتبادل الخبرات ونشر الوعي وتكوين قاعدة اجتماعية صلبة توفر الدعم والتوجيه وتقدم النصائح وتتبادل الخبرات والتجارب مع المجموعات الأقدم تنظيما والأنجح تجربة في انتزاع الحقوق والتغلب على المصاعب.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Anti-government protesters chant slogans as they march during a demonstration in the central Iraqi holy shrine city of Karbala…

في 20 شباط الماضي نشرت مجلة فورن بوليسي مقالا لجون حنا نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، وكان عنوانه "العراق يحتاج لتغيير النظام مجددا". تزامن نشر هذا المقال مع فترة التظاهرات وحراك السيد محمّد توفيق علاوي لتشكيل حكومة جديدة بدلا عن حكومة عادل عبد المهدي، والتي فشل علاوي في نيل الثقة لتلك الحكومة من البرلمان.

ركز المقال على نقطة مهمة جدا، وهي أساس الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي في العراق، والتي وصفها كاتب المقال بـ "انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد عام 2003".

استحضر هذا المقال، بعد مرور سبعة عشر عاما على تغيير النظام الدكتاتوري في العراق، لكنه يعود إلى نقطة البداية، فهو اليوم على مفترق طريق بين الإبقاء على واقع اللادولة وديمومة الفوضى والتفكير بحلول تواجه أزمة الشرعية المتصاعدة رغم وجود انتخابات وعناوين لمؤسسات سياسية.

ما يعانيه العراق اليوم هو البقاء ضمن دائرة الأزمات التي تنتجها متلازمة التغيير والاضمحلال السياسي والتي شخصها صامويل هنتنغتون في الأنظمة التي شهدت تحولا سياسيا، وقتئِذ يصل اليأس من النظام السياسي إلى حالة التمزق، ولا تتمتع المؤسسات السياسية فيه سوى بقدر قليل من السلطة، وبقدر أقل من السيادة، وبانعدام المرونة. 

يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى 

ونتيجة هذه الأزمات يصل النظام إلى أزمة "الانحلال السياسي". ويشخص هنتنغتون المشكلة الرئيسة التي تواجه الأنظمة السياسية التي تعاني من مشكلة عدم الاستقرار على أنها الهبوط في النظام السياسي، والتقويض التدريجي لسلطة الحكومة وفاعليتها وشرعيتها، وهو نتاج إلى حد كبير للتغيّر الاجتماعي السريع لفئات جديدة في مجال السياسة، يقابله تطور بطيء في المؤسسات السياسية.

ويبدو أن عجلة النظام السياسي في العراق متوقفة عند عتبة هذه الأزمات، إذ تتفق الطبقة السياسية جميعها على أن العراق يعيش فعليا أزمات الانسداد السياسي، بيد أنها تبدو عاجزة تماما عن طرح حلول لتجاوز ذلك. 

فالقوى السياسية تريد الإبقاء على منظومة سياسية تدار بمنطق التخادم المصلحي الذي لا يمكنه إلا أن يعيد تدوير ثنائية الفشل والفساد. ومن جانب آخر، لا تفكر بحلول عَمَليّة قادرة على تجاوز حالة الانسداد، وبدلا من ذلك تُسخّر كل ماكيناتها الإعلامية للترويج لنظرية المؤامرة الخارجية التي تسعى للانقلاب على هذا النظام، وبالتأكيد هم يتحدثون هنا عن نظامهم الذي أسسوه، وليس النظام السياسي المُرتبط بإدارة مصالح المجتمع.

والمفارقة، أن هذه الطبقة السياسية تريد من الجمهور أن يرفض أيَّ محاولة لتغيير النظام، وتتجاهل تماما، أن العراقيين باتوا لا يستحضرون أيَّ أمل بالتغيير إلا بالتدخل الخارجي! إذ يبدو أن اليأس الذي كان يُخيّم على مشاعر العراقيين بتغيير نظام صدام الديكتاتوري من الداخل، نفسه يعود مرّة أخرى عند التفكير بتغيير الطبقة السياسية التي تتقاسم الحكم وتصادر الدولة. ومن ثم تكون جميع الاحتمالات للتغيير مُرحَّبٌ بها.

لا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي

الطبقة السياسية الآن تفتقد تماما إلى شرعية المنجَز، وتمثيلها للمجتمعِ ينحسر يوما بعد آخر، حتى يصل إلى مستوى مجموعة من الناخبين يرتبطون بمصالح مع شخوص تلك الطبقة، ويتم تحشيدهم في مواسم الانتخابات. وبالنتيجة، تتآكل الشَّرعية السياسية والدستورية وتنعكس على الأداء السياسي ووظائف الدولة.

إذا، ما هو الحل؟

شخصيا، لا أرى في الانقلاب العسكري حلا للأزمة، بل هو تفكير ماضوي سخيف يريد العودة مرة ثانية إلى حكم العسكر بعد أن غادرته أكثر الدول تخلفا. كذلك الانقلاب الذي يتم بإرادة حزبية أو ميليشياوية وبدعم خارجي سيواجه الأزمة عينها التي تواجهها الانقلابات العسكرية بوجود نخب خاسرة تسعى لاستعادة موقعها في النظام السياسي، ونخب صاعدة تحاول أن تمركز بقاءها بالسلطة، والنتيجة عدم الاستقرار السياسي، ويكون السِلم الأهلي مهددا باللجوء إلى العنف.

هناك مسألتان يجب استحضارها عند مناقشة حلّ أزمة النظام السياسي وشرعية الطبقة السياسية؛ الأولى هي حركة الاحتجاجات التي ساهمت بإعادة الاعتبار للجمهور مرة أخرى، بعد أن كان مجرّد أرقام في حسابات الطبقة السياسية في فترة الانتخابات. والثانية، التفكير بالحلول يجب أن يبقى في حدود الممارسات الديمقراطية والسعي لترسيخها، وليس بالانقلاب عليها بدعوى وجود خلل في تطبيقها.

تبدأ أولى خطوات الحل بتغيير شكل نظام الحكم، فالجميع يعترف بأن النظام البرلماني في العراق لا يمكنه إنتاج طبقة سياسية تفكر خارج إطار العُرف السياسي القائم على أساس المحاصصة والتطبيق المشوَّه لنموذج الديمقراطية التوافقية. وبسبب السلوك السياسي للطبقة السياسية سوف تبقى مؤشرات انعدام الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ولا يمكن إنهاء هذه الفجوة السياسية إلا بتغيير شكل نظام الحكم من البرلماني إلى شبه الرئاسي كما في النموذج الفرنسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم

أهم إشكاليات النظام البرلماني هي مصادر قرار البرلمان كمؤسسة تُعبّر عن إرادة ممثلي الشعب، من قبل الزعامات السياسية التي لا تزال تتمتع بنفوذها السياسي من خلال مظاهر الشرعية التقليدية كالزعامات الدينية أو الكاريزمات التي صنعها عنوان المنصب السياسي. وبذلك تتم مصادرة القرار السياسي للبرلمان وللنواب ممثلين الشعب، وتكون النتيجة تمركز السلطة بيد الزعامات وليس المؤسسات الشرعية.

يخطأ كثيرون عندما يعتقدون أن النظام شبه الرئاسي يعني غياب البرلمان، بل على العكس هو قد يمثّل حلا لإعادة الاعتبار في الفصل بين السلطات، بعد أن أثبتت تجربة الأعوام السبعة عشرة من انحراف النموذج العراقي عن تطبيقات النظم البرلمانية، فالجميع بالسلطة والجميع في المعارضة. 

ومن ثم، التوجه نحو تطبيق النظام شبه الرئاسي سيهم بإعادة التوازن المفقود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكونهما يعيدان الاعتبار للإرادة الشعبية في التمثيل السياسي.

لا يوجد أمام الطبقة السياسية التي فشلت في توثيق علاقتها مع الجمهور، غير إعادة التفكير جديا بشكل نظام الحكم، فهو قد يشكل الفرصة الأخيرة لكسب الوقت، وقد يكون مدخلا لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي. وربما قد يكون مجرّد التفكير بأن التغيير سيتم على يد الطبقة السياسية الحاكمة هو أيضا نوع من الوهم.