في أحد مدارس "الأونروا" في لبنان
في أحد مدارس "الأونروا" في لبنان

بقلم داود كتّاب/

مع تراجع الولايات المتحدة عن دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ارتفعت الدعوات الدولية لقيام الدول العربية بملء الفراغ المالي. وهذا، لو حصل سيكون خطأ.

في ثمانينيات القرن الماضي التزمت الجامعة العربية دعم ما يصل إلى 7.8 في المئة من ميزانية "الأونروا" العامة. رغم أنه لم يتم الالتزام بهذا الاستحقاق لسنوات عدة، فإن دولا مثل السعودية قدمت مساعدات كبيرة لميزانية الوكالة بما في ذلك دعم كبير لمشاريع إعادة بناء المخيمات في غزة وجنين وفي نهر البارد في لبنان.

لا شك أن هناك حاجة لإيجاد حل مستدام للنقص في ميزانية "الأونروا"، لكن في نفس الوقت يجب التركيز على إيجاد حل سياسي

​​قرار واشنطن بوقف الدعم للوكالة هو قرار مفاجئ ويمس أكثر فئات المجتمع ضعفا. وهناك اتهامات بأن القرار جاء ضمن محاولات سياسية لدفع الجانب الفلسطيني لتقديم تنازلات بما في ذلك الدعوة الأميركية/الإسرائيلية لتقليص أعداد من تنطبق عليهم صفة "اللاجئ" بنسبة 90 في المئة، إذ يرغب الجانبان في إلغاء صفة اللاجئ عن أبناء وأحفاد الجيل الأول من اللاجئين.

في عام 1948 حدثت النكبة ونتج عنها طرد 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم ولم يسمح لهم بالعودة منذ ذلك الوقت. تأسست وكالة "الأونروا" في 1 أيار/مايو 1950 بقرار من الهيئة العامة للأمم المتحدة بهدف "توفير الخدمات الإنسانية ولغاية التوصل إلى حل عادل للقضية اللاجئين الفلسطينيين".

اقرأ للكتاب أيضا: الطاقة المتجددة مفتاح الحل

حصلت "الأونروا" على تفويض من الأمم المتحدة وتجري إعادة تأكيد التفويض كل خمس سنوات كان آخرها عام 2015. وينص تفويض "الأونروا" على أن اللاجئين هم "الأشخاص الذي كان مكان سكنهم في فلسطين ما بين 1 حزيران/يونيو 1946 و15 أيار/مايو 1948 والذين فقدوا منازلهم ومصادر معيشتهم بسبب الصراع عام 1948". فاللاجئون الفلسطينيون وأبناؤهم الذكور، بما في ذلك من تم تبنيهم، يعتبرون لاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة.

تقدم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مساعدات إنسانية في مجالات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية لحوالي خمسة ملايين لاجئ في الضفة الغربية وغزة والأردن وسورية ولبنان. في الأردن، وحده، يقطن حوالي مليوني فلسطيني مسجل كلاجئ لدى "الأونروا".

يجب أن لا يتم تمويل العجز في مالية "الأونروا" الذي نتج عن وقف الولايات المتحدة لمساهمتها من قبل الدول العربية لوحدها. المجتمع الدولي، الذي وافق على قرار الأمم المتحدة رقم 194، مسؤول عن تطبيق الاستحقاق الوارد فيه والذي يطالب إسرائيل بالسماح بعودة اللاجئين وتعويضهم وتحمل مسؤولية حل المشكلة التي مر عليها سبعة عقود.

من المفترض أن تعمل الدول العربية مثل باقي المجتمع الدولي على خطين متوازيين. أولا العمل على الضغط على إسرائيل لحل مشكلة اللاجئين، وثانيا تحمل موضوع تمويل ميزانية الوكالة جماعيا.

في مؤتمر القمة العربية في بيروت لعام 2002 أقر القادة العرب مبادرة السلام العربية التي تدعو لإيجاد "حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس قرار الهيئة العامة للأمم المتحدة رقم 194".

وبتقديمها التزاما معتدلا في موضوع حل قضية اللاجئين، فإن الدول العربية غير ملزمة بتحمل مسؤولية أكبر في موضوع الأزمة المالية للوكالة. يجب أن يكون الضغط على إسرائيل لتتجاوب مع الدعوات لإيجاد حل لهذا المشكلة، وهي للأسف ترفض أي تفاوض في هذا المجال بل على العكس نقل الإعلام الإسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقدم قبل أسبوعين بالطلب من واشنطن لوقف المساعدات المالية الأميركية للوكالة.

لا شك أن هناك حاجة لإيجاد حل مستدام للنقص في ميزانية "الأونروا"، لكن في نفس الوقت يجب التركيز على إيجاد حل سياسي لها. حتى الولايات المتحدة مهتمة بهذا الأمر. فقد وصف وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تلرسون في مؤتمر صحفي عقد في 14 شباط/فبراير 2018 موضوع دعم ميزانية الاونروا بـ"الالتزام الدولي" حيث قال برفقة وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي "علينا وضع "الأونروا" في مسار أكثر استدامة حيث أن نموذجها في موضوع الدعم غير مستدام وعلينا البحث عن حلول طويلة الأمد ودعوة متبرعين جدد للمشاركة في تحمل عبء نشاطات "الأونروا" فهناك العديد من الدول نعتقد أنه يجب أن تدعم "الأونروا" وسندعوهم لذلك".

يجب على الدول العربية المساعدة في حل أزمة "الأونروا" المالية ولكن يجب أن يكون دورها جزءا من الاستحقاق الدولي وليس بديلا عنه

​​الدعم الأميركي لضرورة استدامة "الأونروا" تجدد مؤخرا، عندما صرح الناطق باسم السفارة الأميركية في عمان إيريك باربي لموقع "عمان نت" الأردني أن "الفلسطينيين يستحقون أفضل من مجرد نظام يعاني كل من أزمة لتمويل خدماتهم. وأضاف "نحن نقدر للأردن قيادته لهذه القضية إلى جانب عدد قليل من الدول الأخرى. ومع ذلك، فإن الاستجابة من بقية دول العالم لم تكن كافية، نحن بحاجة إلى نموذج ونهج جديدين لأن نموذج "الأونروا" أثبت عدم فاعليته".

ورغم أن تصريحات المسؤول الأميركي في الأردن حمالة أوجه لأن الهدف من وراء قرار واشنطن سياسي وليس الرغبة في استدامة "الأونروا" إلا أن هناك ضرورة للبحث عن نموذج تمويلي جديد لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

اقرأ للكاتب أيضا: من يصنع الأخبار؟ ليس المرأة

أحد تلك الحلول قد يكون في نقل الميزانية العامة لـ"الأونورا" إلى الأمم المتحدة. ففي الوقت الحالي توفر الميزانية العامة للأمم المتحدة فقط رواتب ومصاريف كبار المسؤولين. ولكن لماذا لا يتم توسيع رقعة الدعم من قبل الميزانية العامة للأمم المتحدة وبذلك يكون عبء الوكالة الدولية مسؤولية الدول المنضوية تحت قبعة الهيئة العامة للأمم المتحدة.

يجب على الدول العربية المساعدة في حل أزمة "الأونروا" المالية ولكن يجب أن يكون دور الدول العربية جزءا من الاستحقاق الدولي وليس بديلا عنه.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.