صورة تجمع الصحفية ماري كولفين والمصور ريمي أوشليك الذين قتلا نتيجة غارة جوية على حمص عام 2012
صورة تجمع الصحفية ماري كولفين والمصور ريمي أوشليك الذين قتلا نتيجة غارة جوية على حمص عام 2012

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم كوليت بهنا/

منذ أن تم اختراع السينما وانتشارها مطلع القرن العشرين، رافقت الكاميرا الحروب ووثقت العديد منها، وأنتجت لاحقا أفلاما درامية عديدة تستلهم قصصا من كل حرب على حدة، لكنها في النهاية تبدو جميعها متشابهة في فجائعها العامة.

بدورها، بدأت الحرب السورية التي لم تنته بعد، تلهم كتاب هوليوود لخوض غمارها فنيا وتسليط الضوء على واحدة من قصصها المؤثرة التي لا تعد ولا تحصى، حيث نشر موقع قاعدة بيانات الفيلم على الإنترنيت "IMDB" مؤخرا، الفيديو الترويجي الرسمي لفيلم "حرب خاصة" (A Private War)، والذي سيطلق في صالات العرض السينمائي في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

يقدم الترويج بطلته على أنها سافرت إلى أكثر المناطق المشتعلة في العالم مخاطرة بحياتها من أجل الحقيقة

​​"حرب خاصة" فيلم درامي من إخراج Mathew Heineman وبطولة الممثلة البريطانية Rosamund Pike، تجسد فيه روزاموند شخصية المراسلة الحربية "ماري كولفين" ذائعة الصيت، وهي صحافية أميركية عملت لحساب صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية على مدى عقدين وتنقلت بين حروب ضارية كثيرة من بينها العراق وسيريلانكا، وتعتبر واحدة من أشجع المراسلات الحربيات في العالم، إلى أن انتهى بها المطاف في منطقة "بابا عمرو" في مدينة حمص السورية التي كانت بحوزة المعارضة المسلحة السورية آنذاك، بعد أن تسللت إلى البلاد بطرق غير شرعية مع صحافيين غربيين آخرين، وقتلت إثر غارة جوية يوم 22 شباط/فبراير 2012 مع زميلها المصور الفرنسي "ريمي أوشليك".

اقرأ للكاتبة أيضا: التوريث الفني وفن التوريث

في الفيديو الترويجي، تظهر ماري بعدة لقطات في العراق وكيف فقدت عينها في حرب سيريلانكا، وتظهر في ليبيا مع الزعيم الليبي السابق معمر القذافي الذي جسد دوره النجم العراقي العالمي "رعد الراوي" بأداء ملفت، كما تظهر بلقطات عدة في مدينة حمص المدمرة من بينها الأنفاق التي كانت تستخدم للتسلل والاختباء من القصف.

يقدم الترويج بطلته على أنها سافرت إلى أكثر المناطق المشتعلة في العالم مخاطرة بحياتها من أجل الحقيقة. فهل حقا يستطيع المراسل الحربي أو الصحفي أن يحيط بالحقيقة الشاملة خلال تغطيته لحرب ما؟ أم أنه يحيط بجزء من الحقيقة من خلال اختيار موقعه مع أحد طرفي الصراع؟ والذي قد ينقلب عليه أحيانا ويصير رقيبا على تحركاته واتصالاته وتقاريره، وبالتالي يتحول المراسل بنظر هذا الطرف إلى خصم، وقد يستهدف بنيران صديقة قد لا تكون بريئة في بعض الأحيان.

أسئلة تطرحها السينما من حين إلى آخر في الأفلام التي تتناول مواضيع تتعلق بدور مهنة الصحافة في الحروب ورسالتها، وبحثها عن الحقيقة والدفاع عنها، أم مواربتها لها عبر تقديم الصراع برؤى تخدم مصلحة وسياسة وأجندة الجهات الاعلامية ومن خلفها مصالح الدول العليا التي تنتمي لها هذه الجهات الإعلامية. خصوصا عندما تنغمس هذه الدول في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي تسعى توجيه دفة الصراع إعلاميا بما يخدم هذه المصلحة العليا في النهاية.

وفي تفسير عام لاختيار اسم "حرب خاصة" عنوانا لهذا الفيلم، بأنه قد يكون محاولة إضافية تدور في فلك هذه الأسئلة من خلال الحرب الشخصية بين المراسل وذاته التي تحثه على المجازفة وتعريض حياته للخطر إيمانا بجوهر عمله النبيل.

مهنة المراسل الحربي واحدة من أخطر المهن في العالم. يقف على الجبهات الأمامية حاملا روحه على كفه، ويستهدف أحيانا من الجميع. وحين تنخرط أي امرأة في مهنة كهذه، لا شك أنها مخاطرة مضاعفة لسيدة شديدة الجرأة، تركت أطفالها وحياتها العائلية الهادئة من أجل الانغماس في البحث عن حقيقة قد تصل إلى طرف من أطراف خيوطها، وقد لا تصل أبدا.

إنها الحروب التي تهزم الجميع، الكل فيها خاسر في المطلق

​​"إيديت بوفييه" مراسلة صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، التي تسللت بدورها إلى مدينة حمص وأصيبت بجرح خطير في ساقها جراء الغارة ذاتها التي تسببت بمقتل ماري وزميلها، أصدرت بعد عامين على الحادثة كتابا بعنوان "غرفة تطل على الحرب" سجلت فيه ذاكرتها عن الأيام التسعة التي قضتها في حمص وتحدثت في أكثر من مقطع عن لقائها الأول بماري فتصفها: "إنها في كل مكان وزمان، في الأماكن التي لا يتمكن أحد من دخولها، تجد ماري وسيلة للتغلغل". وفي مقطع آخر تتحدث عن اعتداد ماري بنفسها فتقول: "ستكون آخر من يغادر، أيا يكن الثمن".

اقرأ للكاتبة أيضا: شياطين السلاح

لكن ماري كانت أول من غادر المكان والزمان إلى الأبد، تنعيها "إيديت" حال اكتشافها لمقتلها بقولها: "وهذه المراسلة الأسطورية التي كان الناس يعتقدون أنها لا تهزم ماتت... هنا، على بعد بضعة أمتار فقط".

إنها الحروب التي تهزم الجميع، الكل فيها خاسر في المطلق، والحقيقة الوحيدة التي لا لبس فيها هي أن آلاف القتلى الأبرياء الذين أزهقت الحروب أرواحهم، قتلوا دون أن يعرفوا لماذا يقتلون، وأي طرف من أطراف الصراع سلبهم حيواتهم. حقيقة أكدها العام 2017 الذي كان الأقل دموية منذ عقد ونصف في عدد قتلى الصحافيين المحترفين حول العالم بحسب منظمة "مراسلون بلا حدود"، والسبب أن الصحافيين باتوا يعزفون عن العمل في المناطق الأكثر خطورة وعبثية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.