الملك الأردني عبدالله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس
الملك الأردني عبدالله ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم عريب الرنتاوي/

هيمنت مسألة "الكونفدرالية" بين الأردن وفلسطين على أحاديث الصالونات والمجالس السياسية الأردنية، وتصدرت قائمة اهتمامات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وأفردت الصحف اليومية والمواقع الإخبارية، مساحات للكتاب والمحللين لتناول هذه المسألة من مختلف جوانبها وأبعادها، فيما بدا أنه انقلاب في أولويات المشهد الأردني، على خلفية التصريحات التي نسبها وفد من حركة السلام الإسرائيلية إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كان التقاه الأسبوع الفائت، وأوردت صحيفة "هآرتس" مقتطفات منها، قال فيها إن الفريق الأميركي للسلام في الشرق الأوسط، قد عرض عليه إقامة علاقة كونفدرالية مع الأردن، وأنه قبل العرض شريطة أن تكون إسرائيل طرفا ثالثا فيه.

وإذ أجمع كل من تناول "الكونفدرالية" على رفضها والتحذير من مراميها، فقد تباينت تقديرات المحللين والمراقبين، بشأن مدى جدة وجدية هذه الأطروحة.. فالبعض رأى أنها فكرة قديمة يجري "نبشها" مرة كل عام أو عامين، فتثير بلبلة في أوساط الأردنيين قبل أن تعود للانقشاع مجددا. والبعض الثاني، رأى أنها ربما تكون أخطر مؤامرة على حقوق الفلسطينيين ومستقبل الأردنيين على حد سواء. فيما جنح فريق ثالث من الأردنيين، للقول إنها "مجرد بالون اختبار" لقياس ردود أفعال الجانبين، وأن شيئا جديا لم يوضع بعد على الطاولة.

يبدي كثيرون ممن تناولوا مسألة الكونفدرالية الأردنية والفلسطينية، ترحيبا بعلاقة وحدوية بين البلدين بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة

​​وكان لافتا أن الحكومة الأردنية، وعلى لسان الناطقة باسمها السيدة جمانة غنيمات، قد سارعت للتعبير عن رفضها لفكرة "الكونفدرالية" بعد ساعات من الكشف عنها، ثنائية كان أم ثلاثية، في ما يشبه الرد على أقوال الرئيس عباس، مؤكدة من جديد على ما أسمته "ثوابت الموقف الأردني" القائم على حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

لم يكتف الأردن الرسمي بما صدر عن حكومته، فالعاهل الأردني حرص لدى استقباله عددا من كبار قدامى المتقاعدين العسكريين على التساؤل بصيغة استنكارية: "كونفدرالية مع من؟" قبل أن يعود ويؤكد أن "الكونفدرالية خط أحمر"، مكررا بذلك، ما دأب على التصريح به في سنوات سابقة، بأن الأردن ليس في وارد الدخول في مشاريع من هذا النوع.

اقرأ للكاتب أيضا: رسائل زعماء الإرهاب الثلاثة في ظهورهم المتزامن

وعلى الرغم من أن التأكيدات الرسمية الأردنية على رفض الكونفدرالية، بأوضح العبارات وأقواها، قد هدأت قليلا من روع الشارع القلق، إلا أنها لم توقف النقاش حول هذه الفكرة، إذ ما زالت تحظى بالاهتمام من قبل الأوساط السياسية والشعبية، حيث يتكشف الحوار بشأنها عن جملة من المعطيات الرائجة في أوساط الأردنيين، أهمها ثلاثة:

الأول؛ تزايد القناعة لدى غالبية الأردنيين العظمى بسقوط "حل الدولتين" وتآكل فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة، يترافق ذلك، مع اتساع دائرة المعتقدين بأن إسرائيل المسؤولة عن تبديد فرص حل الدولتين، لن تسمح أبدا بقيام دولة واحدة ثنائية القومية، ما يبقي المسرح الفلسطيني مهيئا لخيارين اثنين، لا ثالث لهما: البحث عن صيغة من صيغ "الخيار الأردني" أو الفوضى الشاملة.

الثاني؛ إحساس كثرة كاثرة من الأردنيين، بأن الأزمة الاقتصادية التي تعتصر بلادهم، واعتماديتهم الكبيرة على المساعدات الخارجية، وبالأخص المتأتية من الولايات المتحدة، سوف يحد من قدرتها على مقاومة الضغوط الرامية لفرض هذا الخيار غير المرغوب، على الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء.

أما الثالث؛ فيتصل، بتنامي قناعة قطاع متزايد من الأردنيين، بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، قررتا على ما يبدو، تقويض أركان المشروع الوطني الفلسطيني الثلاثة: "العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس"، حيث بدأت عملية التقويض هذه بقرار الإدارة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، لتمر باستهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وإعادة تعريف اللاجئ وحصره بالجيل الأول من اللاجئين فقط.. ولن تنتهي بتبديد حق الفلسطينيين في تقرير المصير وبناء دولة مستقلة وقابلة للحياة، وأن ما يجري على الأرض هو تنفيذ متسارع لمندرجات هذا القرار واستحقاقاته.

وإذ يبدي كثيرون ممن تناولوا مسألة الكونفدرالية الأردنية والفلسطينية، ترحيبا بعلاقة وحدوية بين البلدين بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن أكثر هؤلاء يعتقدون أن "الكونفدرالية" التي عرضها كوشنير ـ غرينبلات على الجانب الفلسطيني، إنما تستهدف تخليص إسرائيل من "فائض الديموغرافيا" الفلسطينية، واستدراج الأردن للاعتناء بـ"بقايا الجغرافية" الفلسطينية بعد أن تكون إسرائيل استكملت استيطان وضم المساحات التي تريدها من الضفة المحتلة عام 1967.

ضعف الثقة بمستويات الشفافية والتعاون بين الجانبين الفلسطيني والأردني لا يبدو أنه تبدد كليا

​​ويعتقد كثرة من الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء، أن طرح مشروع "الاتحاد الكونفدرالي"، في هذا السياق والتوقيت، سيفضي لا محالة إلى تحويل الصراع من كونه صراعا فلسطينيا ـ إسرائيليا، إلى صراع أردني فلسطيني حول مسائل الهوية وتقاسم السلطة والثروة، وهو أمر سيهدد ـ إن حصل ـ أمن الأردن واستقراره وهويته الوطنية.

ولا تخفي شخصيات أردنية من أصول "شرق أردنية" خشيتها من مغبة التحول إلى "أقلية ضئيلة" في بلدها. فالأردنيون من أصول فلسطينية والفلسطينيون المقيمون في الأردن ممن لا يحملون الجنسية الأردنية، يشكلون حاليا أكثر من نصف سكان البلاد، فكيف سيكون الحال بعد انضمام ثلاثة ملايين فلسطيني من سكان الضفة الغربية إلى "الإطار الكونفدرالي الجديد"؟ وماذا إن التحق قطاع غزة (مليونا فلسطيني) إلى هذا الاتحاد، علما بأنه لم يتضح بعد، ما إن كان "العرض الأميركي" يشتمل على قطاع غزة، أم أن واشنطن تبحث في ترتيب مستقل لمستقبل القطاع ومنفصل عن الضفة الغربية، وربما بترتيب مع مصر، كما كان عليه الحال قبل حرب العام 1967؟

اقرأ للكاتب أيضا: كيف استقبلت عواصم الإقليم سيناريو "عزل الرئيس"؟

هنا أيضا، وفي هذا السياق، برز سؤال حول المدى الذي يمكن للأردنيين أن يطمئنوا فيه إلى مواقف الرئيس الفلسطيني والتزام السلطة الموثوق بحل الدولتين وبخيار إقامة دولة فلسطينية، ورفض التساوق مع مشاريع استدراج الأردن ليكون طرفا في ترتيبات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، والحقيقة أن ضعف الثقة بمستويات الشفافية والتعاون بين الجانبين الفلسطيني والأردني، والمتشكل تاريخيا، لا يبدو أنه تبدد كليا، فقد عاد السؤال عن "المفاجآت" التي تحتفظ بها القيادة الفلسطينية للأردن، ليطل برأسه من جديد خلال الأيام القليلة الفائتة.

أجواء القلق والرفض الشعبي التي خيمت على الأردنيين من شتى منابتهم وأصولهم، ربما تكون دفعت المسؤولين الأردنيين إلى الإسراع في إعلان رفض "الكونفدرالية"، وبالتعبير عن هذا الرفض بلغة قطعية لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد في التفسير.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل بددت التصريحات الرسمية بهذا الشأن مخاوف الأردنيين، أم أنها هدأت قليلا من روعهم، بانتظار جولة تالية من حديث الكونفدرالية، جريا على مألوف ما حصل ويحصل طوال السنوات الماضية؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.