من العرض المسرحي (تصوير مايكل بروسيلو)
من العرض المسرحي (تصوير مايكل بروسيلو)

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم رياض عصمت/

موضوع الهجرة ليس جديدا، بل هو قديم قدم التاريخ. إذ كثيرا ما هاجرت قبائل بأكملها من مكان إلى آخر هربا من قسوة الطبيعة أو ظلم البشر. عرف التاريخ هجرات كبرى بارزة، نذكر بينها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ هجرة موسى وقومه هربا من طغيان فرعون، وهجرة المسلمين واليهود معا من إسبانيا إلى شمال أفريقيا لدى سقوط الأندلس بسبب صراعات وخيانات ملوك الطوائف.

عند انهيار الإمبراطوريات ذات السطوة والنفوذ، وتفككها إلى دويلات صغيرة متناحرة، تصاحب ذلك عادة هجرة سكانية واسعة للنجاة من كوارث إنسانية مريعة. جرت أمثال تلك الهجرات الاضطرارية مرات عديدة في التاريخ، خلال حرب أو غزوة أو احتلال، أو لدى انهيار قوى ذات نفوذ عالمي.

مضمون المسرحية متوازن، ففي أواخرها نجد غوانغ غير المتأقلم مع الأجواء الأميركية يحلم بالعودة إلى حضن الوطن

​​نذكر من الهجرات الشهيرة المعاصرة هجرة الفلسطينيين من بلدهم مكرهين، والهجرة هربا من التجنيد لخوض حروب الإمبراطورية العثمانية إبان حرب "سفر برلك"، وهجرة اليهود من أصقاع عديدة هربا من الاضطهاد العنصري والعرقي بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. كذلك، جرت في العصر الحديث هجرات واسعة نتيجة حرب فييتنام وحرب أفغانستان وحرب العراق، وعقب حروب أهلية ذات طابع ديني أو عنصري كما في راوندا والبوسنة وجنوب السودان. هذه مجرد نماذج معدودة عن هجرات واسعة فر البشر عبرها من أشكال شتى من الأخطار والمعاناة والظلم بحثا عن الأمن والأمان، أو سعيا وراء حلمهم بالعيش في فردوس مفقود.

من المحزن أن كثيرين ممن هاجروا ـ أو اضطروا إلى النزوح رغما عن إرادتهم بعد أن دمرت بيوتهم وخافوا على أسرهم من الفناء ـ غادروا أوطانهم حالمين بحياة أفضل في بلد المهجر، فأصيب كثير منهم بخيبة أمل، بحيث تحولت الأحلام إلى كوابيس.

اقرأ للكاتب أيضا: فن الحرب هو السلام (2)

ليس التأقلم سهلا بين عادات وتقاليد الموطن الذي نشأ فيه المهاجرون أطفالا ثم شبابا وعادات وتقاليد البلد الذي هاجروا إليه مضطرين، فاحتواهم وآواهم، لكنه ظل يشعرهم بالغربة الروحية. تشكل اللغة أيضا عائقا صعبا أمام تكيف المهاجر مع المهجر، مما يجعل كثيرا من كبار السن يميلون لمصادقة أبناء بلدهم فقط، ويحجمون عن الاندماج مع شعوب المجتمعات التي هاجروا إليها. ربما كان المهاجرون من الناضجين سنا بشكل خاص مسيرين لا مخيرين، إذ دفعتهم ظروف قاهرة لأن يخلفوا وراءهم الغالي والرخيص، أن يغلقوا أبواب دورهم على كنوز ذكرياتهم ويرحلوا حاملين مفاتيحها على أمل العودة. في أحيان أخرى، نرى أن بيوت المهاجرين والأبنية التي كانوا يقطنون فيها قد دمرت بفعل حرب أهلية أو معارك طاحنة أو قصف همجي لا تفرقة فيها بين متطرف أو ثائر، بين إرهابي ومواطن مسالم أصبح رغما عنه درعا بشرية أو وقع في تقاطع نيران.

ما زالت مشكلة الهجرة بسبب مآسي حرب فيتنام تحيا بين حين وآخر من خلال أعمال مسرحية، من ألمعها الميوزيكال الشهير "فاتنة سايغون"، الذي عرض سنوات عدة في نيويورك ولندن.

مؤخرا، أنتج "مسرح الكتاب" في شمالي شيكاغو مسرحية غريبة الطراز عن فيتنام حملت عنوان VIETGONE، ألفها كوي نغوين وأخرجتها لافينا جادهواني. تناولت المسرحية موضوع هجرة الفيتناميين من وجهة نظر مغايرة للمألوف والسائد لدى كثير من الناس، إذ قاربت موضوعا شائكا وحساسا بشكل جمع بين الرومانسية والفكاهة، وبأسلوب غريب من المسرح الغنائي بعيد عما يعرفه الجمهور، لأن الغناء فيه يشبه "الراب"، ولأن كلمات بعض الأغنيات حافلة بالبذاءة اللفظية، ولأن الرقص والمعارك القتالية فيها صمما بطريقة واضحة الأسلبة وسط مساحة فارغة لم يستخدم فيها إلا ما هو ضروري جدا من قطع الديكور التي تزاح كما أدخلت لتختفي في الكواليس.

جاءت الجمالية الرائعة في الإخراج نتيجة استخدام المخرجة إسقاطات صور بصرية على الجدار في خلفية المسرح نصف الدائري عن أحداث فترة الحرب الأميركية في فيتنام، فأضفت بذلك طابعا تسجيليا وحداثيا على العرض.

تبدأ أحداث المسرحية في عام 1975 في فيتنام، حيث يضطر شاب يعمل طيار هيلوكوبتر مع القوات الأميركية التي تقاتل الفيتكونغ إلى الهجرة مرغما إلى أركنساس مع صديق له، مخلفا وراءه زوجته وأبناءه. كذلك تفعل صبية في الثلاثين تدعى تونغ، تاركة شقيقها الذي يرفض مغادرة الوطن. يصور المؤلف معظم شخصياته تواقة للعودة إلى وطن هجرته بسبب ظروف الحرب، وبالأخص بطل المسرحية الطيار الشاب الذي تدرب في الولايات المتحدة، ثم عمل قائد سرب هيلوكوبتر مع القوات الأميركية في حربها ضد الفييتكونغ.

لم يكن غوانغ، الشاب الفيتنامي المناصر للأميركيين، ينوي الهجرة أصلا لولا أن قبطان حاملة الطائرات التي حط عليها مع زميله أبلغه أن طائرته انزلقت ووقعت في البحر، فيضطر إلى ترك زوجته وأطفاله والسفر بحرا إلى بلاد الغربة. في ولاية أركنساس، لا يجد غوانغ عزاء لوحدته سوى في إقامة علاقة جسدية مع مهاجرة فيتنامية شابة تدعى تونغ، بالرغم من اعتراض أمها الراغبة في تزويجها من أميركي أبيض لتضمن لها الاستقرار والرفاه.

يتفق كل من غوانغ وتونغ على إبقاء علاقتهما جسدية بحتة، لا عاطفة فيها، لكن غوانغ يشعر بالغيرة تدب في قلبه على تونغ من شاب أبيض يهواها ويرغب في الزواج منها.

يصور المؤلف شخصية الأم كامرأة في خريف العمر تناقض نفسها بنفسها بين التصابي بحثا عن عشيق وبين الإصرار على رفض تعلم اللغة الإنكليزية لتصميمها على العودة إلى ابنها في فيتنام الذي رفض مناشدة أخته في أن يهاجر. تنقل المسرحية شخصيات الشابين الفيتناميين المهاجرين إلى ولاية تكساس المجاورة حيث يواجهان مظاهر تصدمهم، من معاشرة الهيبيز المتحررين من التقاليد والأعراف بحيث يمارسون الجنس خارج إطار العلاقات الزوجية ويدخنون الحشيش، إلى الصدام مع نموذج فظ من راكبي الدراجات النارية الضخمة الذين لا يمكن التفاهم معهم إلا بالعنف والقوة.

عند انهيار الإمبراطوريات ذات السطوة والنفوذ، وتفككها إلى دويلات صغيرة متناحرة، تصاحب ذلك عادة هجرة سكانية واسعة للنجاة من كوارث إنسانية مريعة

​​في أحد المشاهد يناقش جندي أميركي أبيض غوانغ معربا عن الأسى لمصرع أخيه وعن التظاهرات التي خرج فيها عشرات الآلاف من الشباب الأميركي احتجاجا على الحرب، فيرد عليه غوانغ ثائرا ليذكره بأن تلك الحرب التي يتحدث عنها تسببت بمصرع آلاف من أبناء بلده ودمار منازلهم وأرزاقهم، لكنه يضيف بأنه انخرط في القتال إلى جانب القوات الأميركية كي يواجه المذابح التي كان يرتكبها الفيتكونغ في جنوب البلاد. كانت تلك المعلومة مفاجئة لأمثالي، إن لم أقل صادمة، فتلك أمور كان بثها معدوما من الإعلام العربي المسيس إبان حرب فيتنام، والذي لم يكن يذيع سوى خسائر القوات الأميركية وحلفائها من قبل "أبطال المقاومة الوطنية الاشتراكية الشريفة".

لكن مضمون المسرحية متوازن، ففي أواخرها نجد غوانغ غير المتأقلم مع الأجواء الأميركية يحلم بالعودة إلى حضن الوطن مصمما على لم الشمل مع أسرته التي يفتقدها، لكن سرعان ما يرجوه صديقه الحميم أن ينسى حلم العودة لأن ذلك يعني الانتحار، لأنه سبق له أن عمل طيار هيلوكوبتر مع الجيش الأميركي، وذلك سيجعل مصيره المحتوم القتل بمجرد أن يطأ أرض الوطن.

أما الشابة تونغ فترفض الاقتران بالأميركي الأبيض الراغب بالزواج منها في آخر لحظة، وتختار ابن بلدها غوانغ شريكا لحياتها لأن الاثنين لا يجدان عزاء يعوضهما عن معاناة الغربة القاسية إلا في الحب.

اقرأ للكاتب أيضا: فن الحرب (1)

في مشهد الختام، نرى غوانغ كهلا كبير السن يروي لابنه الشاب الأميركي تماما حكاية هجرته الصعبة، والحب الذي أدى لإنجابه ونشأته شابا متأقلما تماما مع المجتمع الأميركي المعاصر.

تألق في التمثيل كل من أورورا آداتشي ـ وينتر (تونغ)، ماثيو سي. يي (غوانغ)، إيان مايكل منه (المؤلف/الكابتن/الهيبي/راكب الموتوسيكل وسواها من شخصيات،) وكذلك الممثلون رامل شان وإيمجوي غافينو. صمم الرقصات تومي رابلي، وقام بتلحين أغاني "الراب" غابرييل رويز.

حكمة المسرحية أن الظروف التي قادت بطلها للقتال مع قوات أجنبية، بغض النظر عن تبريره لمشروعية دوافعه، لم تعد تسمح له بأن يغير مسار حياته الجديد ويعود إلى وطنه الأصلي. بالتأكيد، فإن ما يقدم عليه بعضهم من القتال ضد استبداد ظالميهم على متن دبابة أو طائرة أو بارجة أجنبية ـ كائنا ما كانت جنسيتها ـ سينجم عنه بلا ريب أن يتحملوا عواقب اختيارهم ذاك حتى النهاية ويدفعوا ثمنه سواء راضين أو مكرهين، بحيث يفارقون أحباءهم إلى الأبد للعيش مغتربين في المهجر حتى نهاية العمر.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.