المعارض السوري رياض الترك في صورة تعود للعام 2006
المعارض السوري رياض الترك في صورة تعود للعام 2006

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم دارا عبدالله/

قام الكاتب والمخرج السوري محمد علي الأتاسي، بإجراء مقابلة صحافية مطولة مع المعارض السوري المعروف، رئيس "حزب الشعب" رياض الترك (88 عاما)، نشرت في جريدة "القدس العربي" في عدد 3 أيلول/سبتمبر الجاري. مع كل الاحترام لتاريخ رياض الترك الشخصي، وعناده الأسطوري في مواجهة حافظ الأسد، وسنوات سجنه (18 عاما في سجن المنفردة)، ولكن، مقابلته ورؤيته السياسية تحتوي على العديد من المشاكل، سأحاول أن أختصرها في أربع نقاط أساسية:

أولا؛ يقول رياض الترك، وهو العنصر الرئيسي المفصلي في "حزب الشعب"، بأنه لم يدع إلى حمل السلاح يوما. هذا كلام غير واقعي، هنالك نداء مشهور لجورج صبرا، العضو في "حزب الشعب"، يقول فيه: "نريد سلاحا نريد سلاحا نريد سلاحا". وهذا المنطق في "النقد الذاتي" مع التنصل من المسؤولية التاريخية هو غير مفيد كنقد تاريخي في الأساس.

لا يجب أن يصبح رياض الترك معيارا وحيدا للجذرية السياسية المعارضة. لأن كل الناس لا تمتلك نفس القدرة على عدم المساومة والتضحية

​​كان سيكون أفضل لو اعترف رياض الترك بقناعاته، بأن نظام الأسد لن يسقط سوى بالقوة العسكرية، وبأنه كان داعما للسلاح في تلك اللحظة التاريخية. وبأن آلية التسلح والتدخل الإقليمي والدولي فيه، وغياب التنظيم الدقيق والأيديولوجيا الوطنية، وليس التسلح بحد ذاته، كانت خاطئة.

كما أن "حزب الشعب" تحالف مع تنظيم الإخوان المسلمين الذين كانوا يمتلكون كتائب عسكرية على الأرض، وينسقون مع دول إقليمية خارج منظومات المعارضة. وبالتالي، بالتأكيد ثمة مسؤولية على عاتق "حزب الشعب".

اقرأ للكاتب أيضا: تعميمات ومغالطات في تناول الشأن الكردي السوري (1)

ثانيا؛ يصر رياض الترك على أن بنية النظام السوري الحالية، أي نظام بشار الأسد، لا تزال امتدادا لبنية نظام حافظ الأسد. وهذا أمر غير دقيق أيضا، وله علاقة بنزعة الأبوة الشديدة الموجودة عند الترك.

مشكلة رياض الترك، وجزء كبير من المعارضة التقليدية، ليست فقط مع جيل الأبناء في المعارضة السورية، بل مع جيل الأبناء لدى النظام السوري أيضا. يفضل رياض الترك أن يعارض حافظ الأسد على أن يعارض بشار الأسد. لأنه وقف بوجه الأب الأسد الصنديد، وليس بوجه هذا "الفصعون". هذا نوع من أنواع الاعتداد الأبوي النفسي بالذات. فهو يرى هذا النظام لا يستحق حتى طاقته الاعتراضية، لأنه "نظام أولاد". نظام بشار الأسد مختلف عن نظام حافظ الأسد من عدة نواحي رئيسية، كاقتصاد السوق المفتوح، وتراجع دور حزب البعث، وخصخصة الاقتصاد، وتراجع دور الدولة الاجتماعي، وتضخم المدن وانهيار الأرياف وتضرر الفلاحين، والعلاقة مع إيران والخليج والمحيط العربي. نظام بشار الأسد ليس امتدادا لنظام حافظ الأسد بالمطلق، هو نسخة أكثر عالمية وحديثة منه، وفي بعض المناطق والحالات متناقضة معه.

سعدت بقراءة مقابلة رجل عمره 88 عاما، وما زالت أفكاره قادرة على إثارة النقاش

​​ثالثا؛ مع الاحترام الشديد لشخصية رياض الترك، ولكن، أرى من الخطأ تحويله كنموذج للمناضل السياسي في سورية والعالم العربي. أن يصبح رياض الترك حدا ومثالا ونموذجا للنضال السياسي، يجعل الكثير من الناس، المعارضين أيضا، وسطيين ومعتدلين، وربما مهادنين.

لا يجب أن يصبح رياض الترك معيارا وحيدا للجذرية السياسية المعارضة. لأن كل الناس لا تمتلك نفس القدرة على عدم المساومة والتضحية والعناد والتخلي التام عن العائلة واللذة والحياة وتحمل السجن. الخوف على النفس والجسد هو شعور طبيعي، ومن يأخذ حسابات الخوف بعين الاعتبار ليس عميلا. من الخطير تحويل رياض الترك إلى مثال مطلق في سورية.

اقرأ للكاتب أيضا: تعميمات ومغالطات في تناول الشأن الكردي السوري (2)

رابعا؛ وصف نظام بشار الأسد بأنه تابع بالمطلق للروس والإيرانيين، هذا أيضا رأي غير دقيق باعتقادي. بالتأكيد ثمة هيمنة ووصاية عميقة من قبل الروس والإيرانيين على الأسد. لكن الأسد لا يزال يمتلك فاعلية ذاتية وديناميكية حيوية معطلة ومعرقلة حتى لمصالح الروس والإيرانيين. لديه، على الأقل، جيش شبه منظم ودولة تمتلك دولة بيروقراطية معقولة وقاعدة اجتماعية من ألوان طائفية مختلفة.

أخيرا، سعدت بقراءة مقابلة رجل عمره 88 عاما، وما زالت أفكاره قادرة على إثارة النقاش.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.