خلال مؤتمر صحافي للإعلان عن نية إسرائيل إطلاق مركبة فضائية إلى القمر نهاية العام الحالي
خلال مؤتمر صحافي للإعلان عن نية إسرائيل إطلاق مركبة فضائية إلى القمر نهاية العام الحالي

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم د. عماد بوظو/

أشار آخر استطلاع نشرته دائرة الإحصاء الإسرائيلية في شهر أيلول/سبتمبر الحالي إلى أن 89 في المئة من السكان راضون عن حياتهم في إسرائيل. وحسب هذا الإحصاء يشكل اليهود 74.4 في المئة من السكان بما يعني أن نسبة كبيرة من غير اليهود راضية أيضا عن حياتها في إسرائيل. وفي الاستطلاع عينه، قال 61 في المئة إنهم راضون عن أوضاع السنة الماضية، بينما قال 71 في المئة إنهم يعتقدون أن السنة القادمة ستكون أفضل أي أن لديهم ثقة وتفاؤل بالمستقبل.

في إحصاء عام 2016 بلغت نسبة العرب الراضين عن حياتهم في إسرائيل 73 في المئة، ومن المفارقات أنه في إحصاء ذلك العام قال 72 في المئة من اليهود إنهم يشعرون بالأمان الشخصي، بينما ارتفعت النسبة عند العرب في إسرائيل إلى 83 في المئة! من المستبعد وجود دولة عربية يشعر ثلاث أرباع سكانها بالرضى عن حياتهم و83 في المئة من سكانها بالأمان، بل ليس من المألوف قيام أي دولة عربية بإجراء إحصاءات أو استطلاعات على أسس علمية ذات مصداقية.

توضح قصة النجاح والتفوق الإسرائيلي الطريق التي من الممكن أن تسير عليها دول الشرق الأوسط إذا أرادت الازدهار الاقتصادي

​​وفي العام 2017 صنفت منظمة الأمم المتحدة إسرائيل بالمرتبة 11 في مؤشر السعادة، متقدمة على دول متطورة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ولا يتفوق عليها سوى الدول الإسكندنافية ودول مشابهة، وفي نفس هذا التصنيف كان الشرق الأوسط الذي تقع فيه إسرائيل أكثر مناطق العالم بؤسا.

تبلغ مساحة إسرائيل 20 ألف كيلومتر مربع، ويعيش عليها 8.9 مليون نسمة، بكثافة سكانية مرتفعة جدا. يعد متوسط دخل الفرد في إسرائيل من أعلى الدخول في العالم، والمصدر الرئيسي لهذا الدخل هو صناعة منتجات التكنولوجيا الفائقة والمعدات الإلكترونية والأجهزة الطبية، حيث أنها علميا في نفس مستوى وادي السيليكون في كاليفورنيا الأميركية.

اقرأ للكاتب أيضا: بوتين وأردوغان وخامنئي مشروع تحالف يصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا

ورغم قلة مصادر المياه والجفاف الذي يعانيه الشرق الأوسط، فإن إسرائيل من الدول المكتفية ذاتيا في المجال الزراعي، بل تصدر الفائض من الخضار والفواكه لأنها تعتبر من الدول الرائدة في إعادة استخدام وتحلية المياه. كما أنها في مقدمة دول العالم في استثمار الطاقة الشمسية التي يتم استخدامها في 90 في المئة من المنازل. ونتيجة لذلك، فإن شركات الطاقة الشمسية الإسرائيلية تعمل على تنفيذ مشاريع في مختلف دول العالم، واعتمادا على استخدام وتطوير مصادر الطاقة المختلفة أصبحت إسرائيل جزيرة كهربائية مقارنة مع محيطها.

ولدى إسرائيل صناعة عسكرية ذات تكنولوجيا متطورة، لدرجة أنها تملك عقودا لتطوير وتحديث أسلحة الهند وتركيا لكي تصبح أكثر فعالية، وهي بلد رئيسي في سوق السلاح الدولية تصدر معدات عسكرية وأسلحة إلى 60 دولة بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والصين. وقد تجاوزت الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى الهند، الصادرات الروسية. نتج عن كل ذلك، أن لدى إسرائيل جيشا قويا يحسب حسابه إقليميا.

وتعد إسرائيل من الدول المتطورة في أبحاث الفضاء وتطوير أنظمة الأقمار الاصطناعية، وهي ثامن دولة أطلقت أقمارا صناعية إلى الفضاء حيث تقوم بتشغيلها وبيع خدماتها للاتصال والاستشعار عن بعد، وتخطط لإرسال مركبة فضائية للقمر في نهاية العام الحالي.

بالمحصلة فإن وضع إسرائيل الاقتصادي مقارنة مع مساحتها الصغيرة وكثافة سكانها العالية وقلة مواردها الطبيعية يعتبر ظاهرة تستحق الدرس ومحاولة الاستفادة منها.

شهدت مجتمعات الشرق الأوسط خلال مرحلة ارتفاع أسعار النفط ردة ثقافية واجتماعية وسياسية ارتفع خلالها صوت الفكر المتشدد

​​يعد الاهتمام الكبير بالتعليم من أهم أسباب التطور التكنولوجي في إسرائيل. حيث تدعم الحكومة وتمول أغلب المدارس، وتنفق إسرائيل 10 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على التعليم بينما لا يصل ما تنفقه أغلب الدول العربية على التعليم إلى 5 في المئة. وتعتبر ست جامعات إسرائيلية من بين أفضل 100 جامعة في آسيا، وهناك أربع جامعات إسرائيلية من بين أفضل 150 جامعة في العالم، وتحتل كليات إسرائيلية في تخصصات محددة مكانا بين المئة الأفضل في العالم خصوصا في مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الكومبيوتر. كما تنفق إسرائيل على البحث والتطوير العلمي 4.1 في المئة من ناتجها الوطني، وهي بذلك تحتل المرتبة الأولى عالميا، بينما تنفق أفضل الدول العربية على الأبحاث نسبة 0.5 في المئة فقط، أي أن إسرائيل تنفق على البحث والتطوير أكثر من ضعف ما تنفقه كل الدول العربية مجتمعة.

يعتقد بعض العرب أن سبب تقدم إسرائيل يعود إلى المساعدات الخارجية، ولكن إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي حققت قفزات اقتصادية هائلة رغم مواردها المحلية المحدودة؛ فهناك كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة التي اعتمد ازدهارها على نهضة صناعية كبيرة أنجزتها بجهودها الذاتية وبعد أن كانت هذه البلدان فقيرة ومحطمة في ستينيات القرن الماضي، استطاعت الوصول إلى معدلات نمو مرتفعة خصوصا خلال عقد الثمانينيات. فكوريا الجنوبية، مثلا، أصبحت خلال عقدين فقط من أكبر منتجي السيارات والأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية والسفن والآلات، وهي اليوم خامس منتج في العالم للطاقة النووية، وتقوم ببناء وصيانة مفاعلات نووية في الأرجنتين والإمارات العربية المتحدة وتركيا، كما أنها متطورة في أبحاث الفضاء وفي مقدمة دول العالم في بناء الروبوتات.

قبل عقدين أجرت مراكز أبحاث غربية دراسة بشأن حجم الأموال التي أنفقتها هذه الدول الآسيوية حتى حققت نهضتها الصناعية، وتم مقارنة ذلك مع الأموال التي دخلت في نفس الفترة إلى دول النفط العربية بعد قفزة أسعار النفط الكبيرة في سبعينيات القرن الماضي؛ أظهرت نتائج هذه الدراسة أن ما حصلت عليه دول النفط يفوق بأضعاف الأموال التي استثمرتها "النمور الآسيوية" لتحقيق قفزتها الصناعية المدهشة، ولكن بعض هذه الدول كالعراق وليبيا وإيران أهدرت ثروتها تلك على حروب وصراعات إقليمية افتعلتها، وعلى محاولة بناء زعامات وهمية أو شراء ولاءات سياسية لقيادتها عبر العالم، بينما أهدرت دول الخليج تلك الموارد في مظاهر ترف وتبذير جعلها الإعلام العالمي مادة للتندر، مثل شراء أكبر القصور واليخوت وأغلى التحف الفنية مع مظاهر مبالغ فيها للبذخ.

وخلصت تلك الدراسة، إلى أنه إذا نزعنا هذه الطبقة الرقيقة من المباني والشوارع الحديثة التي تغطي دول الخليج فستعود الصحراء العربية كما كانت قبل عصر النفط، لأنه لم يتم استثمار هذه الأموال في بناء أي قاعدة اقتصادية حقيقية، ولم يترتب على هذه الثروة قفزة مجتمعية للأمام بل على العكس حدث تراجع للخلف، وسادت ثقافة الاعتماد على الآخرين والكسل واستقدام كل أشكال العمالة من الخارج، من المدراء والخبراء حتى عمال الخدمة المنزلية. كما تم توظيف قسم من هذه الأموال في بناء مراكز دعوية ومساجد حول العالم تسلل إلى بعضها الفكر المتطرف.

في دولة القانون التي يحاسب فيها قادة البلد إن أخطأوا، يشعر رأس المال الداخلي والخارجي بالأمان ولا يخشى المغامرة بالاستثمار

​​وبالنتيجة شهدت مجتمعات الشرق الأوسط خلال هذه الفترة ردة ثقافية واجتماعية وسياسية ارتفع خلالها صوت الفكر المتشدد وتوقف مشروع اليقظة والتنوير والتجديد في المجتمعات العربية. أطلق البعض على ما حدث تسمية "لعنة النفط".

لم يكن من السهل تحقيق هذا الازدهار الاقتصادي في إسرائيل لولا النظام الديموقراطي والصحافة الحرة والقضاء المستقل. من الأمثلة على ذلك، ما يتعرض له رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو وزوجته اليوم من تحقيقات بشأن اتهامات بالفساد، تشمل قبول هدايا ثمينة من كحول وحلويات ومجوهرات من أصحاب ثروات مقربين منه، مقابل استخدام نفوذه لتسهيل بعض الأمور لهم. قبل نتنياهو، دخل رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت السجن لأنه قبل رشوة في مشروع للإسكان، وكذلك رئيس إسرائيل السابق موشيه كتساف الذي سجن خمس سنوات لإدانته بتحرشات جنسية بحق بعض موظفات مكتبه الرئاسي.

اقرأ للكاتب أيضا: حول الحدود في الإسلام وتنفيذها بحضور الجمهور

في دولة القانون التي يحاسب فيها قادة البلد إن أخطأوا، يشعر رأس المال الداخلي والخارجي بالأمان ولا يخشى المغامرة بالاستثمار، لذلك أقامت شركة مايكروسوفت، أكبر شركة للبرمجيات في العالم، ثلاثة مراكز لها في إسرائيل، ومثلها فعلت شركة إنتل العملاقة المتخصصة برقاقات ومعالجات الكمبيوتر، وكذلك بعض شركات الاتصالات مثل موتورولا وغيرها من الشركات.

توضح قصة النجاح والتفوق الإسرائيلي الطريق التي من الممكن أن تسير عليها دول الشرق الأوسط إذا أرادت الازدهار الاقتصادي، ولا بديل عن ذلك حاليا لأن أيام الوفرة والفائض المالي قد انتهت حتى عند الدول الغنية، وعصر النفط نفسه قد شارف على نهايته، والمدة الزمنية التي يمكن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والقانونية والتعليمية خلالها ليست طويلة، خصوصا أن الأزمات الاقتصادية والسياسية تعصف حاليا بأغلب دول الشرق الأوسط، والبديل عن هذه الإصلاحات لن يكون جيدا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.