هندي يخرج من أحد الجوامع
هندي يخرج من أحد الجوامع

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم منصور الحاج/

في كل مرة أتحدث فيها عن نشأتي في بيئة سلفية متشددة وتأثري بالتيار الصحوي وبالسلفية الجهادية في فترة المراهقة وبدايات الشباب، يسألني كثيرون عن العوامل التي ساعدتني على التخلص من تلك الأفكار الهدامة واعتناق قيم التنوير وحقوق الإنسان بدلا عنها.

بكل أمانة، أقول إن رحلتي في التخلص من الأفكار المتشددة التي نشأت عليها كانت شاقة جدا ومليئة بالمصاعب والعقبات والحيرة والألم. وكحال أقراني الذين نشأت معهم، لم أكن أشك إطلاقا في صحة المعتقدات التي تشربتها منذ نعومة أظافري والتي ترسخت بفضل التعليم الديني في المدرسة وحلقات تحفيظ القرآن ورجال الدين الذين تتلمذت على أياديهم وتأثرت بهم.

تعلمت من مقال جلبي أن العقل هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الله، وأن التفكير هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك

​​لم يكن من السهل الانقلاب على مفهوم "الغزو الفكري"، الذي تعرفت عليه لأول مرة في أول مخيم صيفي أشارك فيه، عن دعاوى حرص الغرب على القضاء على ديننا من خلال الأفلام السينمائية ونشر الرذيلة والانحلال في المجتمعات الإسلامية.

لم يكن من السهل التخلص من الفكر الجهادي الذي تشربته عبر كتب الجهاديين المليئة بقصص التضحيات والكرامات والانتصارات التي شاركتهم في صنعها الملائكة، كما زعموا، في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك. لم يكن من السهل نسيان الأناشيد التي تتغنى بالفتوحات الإسلامية وتحث النشء على استعادة الأندلس وتتباكى على أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية (4)

لم يكن من السهل إبطال مفعول الخطب والمحاضرات الحماسية لمشايخ الصحوة، التي طالما أشعرتني بالفخر لأنني ولدت في "أطهر البقاع" ونشأت مسلما موحدا على منهج السلف الصالح وأقنعتني بأن مهمة نشر العقيدة السليمة والقضاء على البدع والمحدثات تقع على عاتقي.

بدأت رحلة الانعتاق عندما طرحت على نفسي سؤالا أساسيا عن أسباب تخلف المسلمين وسوء الأوضاع في البلاد الإسلامية. وكانت الخيارات المطروحة أمامي في ذلك الوقت هي: إما لعدم التزامهم بتعاليم الشريعة الإسلامية أو لأن تعاليم الشريعة غير صالحة للتطبيق في هذا الزمان وأن على المسلمين البحث عن أنظمة خارج إطار الشريعة للنهوض والتقدم. وبالطبع لم أكن وقتها أملك الجرأة على اعتبار الخيار الثاني، فصببت كل جهدي على العمل من أجل تغيير الأنظمة التي "تحكم بغير ما أنزل الله" بأخرى تحكم بالشريعة وتطبق الحدود وتستقيم على الطريقة لتنزل على البركات على المجتمعات الإسلامية.

لم أجد صعوبة في حشد الأتباع والمؤيدين في تشاد من أجل التمرد على الحاكم وأنصاره من "أذناب الاستعمار" بترويج شعار "الإسلام هو الحل" في أوساط الجموع البائسة واليائسة والجائعة؛ فلا أسهل من إقناع الشباب المسلم بهذا الشعار الفضفاض واستحضار الوقائع والأحداث من التاريخ الإسلامي وعهود الخلفاء والتابعين لشحذ الهمم وتهيئة الشباب للتضحية من أجل النصر بـ"إعلاء كلمة الله" أو "نيل الشهادة" في سبيل ذلك.

لحسن الحظ، اضطررت إلى العودة إلى السعودية وبدء حياتي العملية بعد تخرجي من الجامعة. هناك، حيث اعتنقت الفكر المتطرف، كانت البداية الفعلية للتحرر منه حين قرأت مقالا للمفكر السوري خالص جلبي طرح فيه فكرة ضرورة مراجعة الأفكار والتفكير خارج الصندوق عملا بمبدأ أن تشذيب الأشجار يساعدها على النمو والاخضرار.

تعلمت من مقال جلبي أن العقل هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الله، وأن التفكير هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك، وبناء عليه، فليس هناك خطوطا حمراء ولا محظورات ولا حدودا على العقل اعتبارها قبل التفكير في أي شيء، وأن الشك هو طريق الإيمان ودليل على سلامة العقل وليس علامة على ضعف الإيمان.

كانت تلك البداية الفعلية وتأشيرة العبور لعقلي لينطلق في رحلة البحث عن الحقيقة دون خوف أو وجل من طرح التساؤلات وإبداء الشكوك والسعي وراء المعرفة والقراءة والاطلاع على الأفكار من كل حدب وصوب.

لحسن حظي في ذلك الوقت أنني فزت في برنامج الهجرة العشوائية للحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، فاضطررت إلى السفر إلى مصر لإجراء المقابلة الشخصية في السفارة الأميركية بالقاهرة. ولأن إجراءات الحصول على التأشيرة استغرقت وقتا أطول من المعتاد، قررت السفر إلى مدينة الإسكندرية؛ وهناك، قررت الاعتكاف في مكتبتها العامرة حيث قضيت شهورا في القراءة والاطلاع بشكل يومي. أدخل المكتبة في الصباح ولا أغادرها إلا في ساعة الإغلاق.

لم تكن رحلة الانعتاق سهلة أبدا فقد خسرت خلالها أعز الأصدقاء وعانيت فيها من الوحدة والإحباط وكوابيس عذاب القبر والشجاع الأقرع

​​هناك تعرفت على مالك بن نبي وفكرة القابلية للاستعمار، وعلى الصادق النيهوم وأولئك الذين سرقوا الجامع ويوم الجمعة، وعلى فكر جودت سعيد وآيات الله في الآفاق والأنفس، وعلى مبدأ اللاعنف وخيار الشعوب في وضع حد للطغيان سلميا عبر التركيز على نشر الوعي والإيمان بأن العنف لن يولد إلا مزيدا من العنف. فمن يصل إلى السلطة بالعنف لا يملك الحق في إغلاق هذا الباب أمام الآخرين.

هناك تعرفت على أفكار الفلاسفة كأرسطو وسقراط، وقرأت للغزالي وابن رشد، وتعرفت على توجهات المعتزلة وخرافة السنة المطهرة، واقتنعت بأن حد الردة لم يكن سوى حكم سياسي على معارضين وأن الخلفاء لم يكونوا راشدين وأن الصحابة ليسوا "كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا" وأن عقل الإنسان، كما يقول المفكر السعودي إبراهيم البليهي، يحتله الأسبق إليه وأن قليلين هم من يتمردون على الأفكار التي نشأوا عليها. وهناك استفدت من تحليل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي للمجتمع العراقي وعلى طبائع الاستبداد كما شرحها عبد الرحمن الكواكبي وعلى العبودية المختارة كما فصلها اتيين دي لابواسييه.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية (3)

نعم، هكذا كان الانعتاق والتحرر من أفكار الصحويين الذين احتلوا عقلي، ومن مبادئ الجهاديين الذين أقنعوني بأن العنف هو السبيل الوحيد للتخلص من الطغاة، ومن شطحات السلفيين الذين يرون أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

لم تكن رحلة الانعتاق سهلة أبدا فقد خسرت خلالها أعز الأصدقاء وعانيت فيها من الوحدة والإحباط وكوابيس عذاب القبر والشجاع الأقرع، ولولا يقيني بعظمة العقل وأهمية الانفتاح على العالم والأفكار الفلسفية والحضارة الإنسانية وانتقاد التراث وضرورة التمرد على التقاليد والأعراف من أجل التحرر لما استطعت مع كل تلك الضغوط صبرا ولنكصت على عقبيّ وعدت إلى براثن الجاهلية الأولى.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.