أراد الإمام موسى الصدر للبنانيين الشيعة النهوض، وربط هذا النهوض بتأصيل الانتماء للوطن وتمتينه
أراد الإمام موسى الصدر للبنانيين الشيعة النهوض، وربط هذا النهوض بتأصيل الانتماء للوطن وتمتينه

استمع إلى المقال:

​​​​​​​

​​

​بقلم حسن منيمنة/

خلال لقاء قبل أشهر قليلة مع عدد من الإيرانيين المقيمين في لبنان، وفق ما نقلته إحدى وكالات الأنباء الإيرانية، أورد الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله اعتزازه بأن تاريخ لبنان شاهد على تواجد شيعي في جميع مناطقه. أجواء التشنج الطائفي التي تسود لبنان جعلت من هذه الأقوال مادة للشحن، ولاسيما لتواتر الأخبار عن انتشار أمني لحزب الله في جرود بعيدة عن مناطق نفوذه، ولاستقواء أوساط تابعة له أو مؤيدة له في مناطق محسوبة لطوائف أخرى. فكان على حزب الله إنكار ما نسب إلى نصر الله، وكان على وكالة الأنباء الإيرانية سحب الخبر.

ولكن، في حال شذبت الأبعاد السياسية لأقوال نصر الله هذه، فإن ما جاء به الأمين العام لـ"حزب الله" لا يتعارض مع السجل التاريخي. وفي ذكره، بالإضافة إلى المخاطر التي صاغت ردود الفعل، إيجابيات حول العلاقة بين الحالة الشيعية والفكرة اللبنانية. بالفعل، لا تخلو منطقة من مناطق لبنان المعاصر من رصيد تاريخي شيعي، على مدى أكثر من ألف سنة من التدافع والتداول والتجاور.

لا أحادية في هذا السجل الشيعي، فالتشيع في أكثر من موقع وحقبة كان عنوانا عاما للرفض، ليس بالمعنى اللاصق بمصطلح "الرافضة" والذي يشنع به حشد الفقهاء والإسلاميين السنة، إذ يُحصر بالاعتراض على أوائل الخلفاء، بل بمعنى الامتناع عن الانصياع لجبروت الدول السلطانية، والخروج عن طاعتها. فالالتجاء إلى مسمى "الشيعة"، عقيدة أو شعارا، طرح كمزايدة، ضمنية أو صريحة، في الولاء للحدث المؤسس للإسلام، كدين وكدولة.

أصر الصدر وشمس الدين على أن البعد الديني لا يستوجب تجاوز الهوية الوطنية، بل على النقيض يقتضي التزامها

​​"ألست أولى بكم من أنفسكم"، قالها رسول الإسلام ثلاثا وفق أمهات كتب الحديث لدى أهل السنة والجماعة. "قالوا بلى" وهم الجمع الغفير من الصحابة والأنصار، نواة "الأمة الإسلامية" كما جرى التوافق عليه لاحقا، حين استمهلهم الرسول عند غدير خم. ليأتي الأمر القاطع منه بحق من هو، وفق السيرة المعتمدة، أقرب الناس إليه، نشأ في بيته وتزوج من ابنته: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار". دعاء الرسول بعرف المسلمين، وفق إجماع فقهائهم، مستجاب دوما. في هذا الحديث بالتالي مادة هامة ذات عواقب سياسية واضحة، ارتأت الدول الإسلامية السلطانية المتتالية إهمالها، واستدعت للأمر طاقات الفقهاء وقدراتهم على التخصيص والتعميم، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتفصيل. لا بأس. رغم الجهد المبذول، استقرت الدول السلطانية مع هذا الحديث، ولا حاجة لغيره، في موقع الدفاع. وبقي المجال متاحا لمن أراد الخروج إشهار التشيع.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (1) ما هو مصير الكتاب العربي؟

ليس في هذا التصوير انتقاص من صدق المتشيعين، بل الإشارة وحسب أن التشيع، قبل أن تغلب عليه بدوره بعد قرون طويلة فقاهة الأصوليين والأخباريين، كان بابا للحرية، فتحه ودخل منه كثيرون في مختلف الأصقاع، وكان للبنان، بجباله وتضاريسه ووعورة مسالكه، حصة بارزة.

"الضنية" في شمالي لبنان ما زالت تفيد أن أهلها، وهم اليوم من صلب أهل السنة، كانوا من "الشيعة الظنية". بلاد جبيل في عمق جبل لبنان، وبنت جبيل على مسافة كبيرة منها، شاهدتان على تاريخ يتداخل فيه التذكر والتوقع. قرية الحصين المنسية في وسط كسروان، بأهلها الشيعة، قد تكون وريثة من نجا من حملة بطش قاتل للمماليك قبل سبعة قرون، انطلاقا من دمشق، لاقتصاص وإخضاع، بل لإفناء كاد أن يتم، فبقي الحدث برواية الغازي، وضاعت هوية المستهدَفين. هذه نماذج وحسب.

حين تشكل تاريخ لبنان، هذا الوطن المتألق انطلاقا من جبله، قلبه وأساسه، استدعيت كتب أخبار أعيانه، وفيها كان "المتاولة" الشيعة خطرا جاثما في أكثر من مناسبة عند تخومه الشرقية. كُتِب تاريخ لبنان المستقل في زمن كانت كلمة "متاولة" فيه تعييرا، وكان الزعيم الأبرز في هذه الطائفة يعلن كفاية أن ابنه يتعلم، فلا حاجة لباقي أبناء الطائفة أن ينالوا نصيبهم من الدراسة.

لا شك أنه كان في قيام دولة لبنان الكبير، قبل زهاء قرن، انتقاص وتهميش لأطراف الدولة المستحدثة. البعض، كما أعيان المدن الساحلية، سعى إلى الاستفادة من الواقع الجديد، رغم امتعاضه منه ابتداء. "الأقضية الأربعة" وجدت نفسها منقطعة عن عمقها، غير أن صرامة القطع لم تكن قاضية. الخسارة الكبرى في هذا الواقع الجديد كانت لجبل عامل.

نشاط مشهود ودراسات عدة سعت في العقود القليلة الماضية إلى إعادة الاعتبار لجبل عامل، والجهود في هذا الشأن لا تزال في بداياتها. ما هو جلي للتو، هو أن هذا الجبل كان حلقة هامة، بل أساسية وأولية، في شبكة تعبر المشرق باتجاه إيران، من أيام الصفويين وفرضهم التشيع عليها، وصولا إلى مأسسة هذا التشيع، بما يفرغه من طاقته الرافضة، وكبح الظواهر الساعية إلى تجديد هذا الرفض، الشيخية، الكشفية، البابية.

لا شك أنه كان في قيام دولة لبنان الكبير، قبل زهاء قرن، انتقاص وتهميش لأطراف الدولة المستحدثة

​​في ما يتعدى البعد العلمائي، حيث ثابر جبل عامل على تخريج أفواج تقصد العتبات وحواضرها وما بعدها، واجه جبل عامل بأهله من "المتاولة" قسوة عثمانية، من الباب العالي حينا ومن الولاة أحيانا. ويوم أصبح جبل عامل الجزء الجنوبي من لبنان، زالت هذه القسوة المتعمدة، لتحل محلها أخرى، تقترب منها في الناتج وإن اختلف القصد، تبتدئ بالطمس الاعتباطي للهوية والرصيد التاريخي، وتتعمق في العزل الفعلي لهذه النواحي، والتي كان الجليل وعموم بر الشام عمقا طبيعيا لها، فإذ بها محافظة حدودية متاخمة لواقع انتدابي منفصل، ثم لحالة عداء مطلق مع قيام دولة إسرائيل.

"مذكرات بيروتي" كتاب مميز من أربعينيات القرن الماضي، يتصور مؤلفه المسلم، أي السني، مستقبل مدينته ووطنه الجديد. الجدلية التي يراها هذا المؤلف في لبنان هي بين المسلم والمسيحي، بين الهوية العربية والخصوصية اللبنانية المتماهية مع الغرب. كلمة مختصرة بحق المسلمين من المتاولة هنا. هم بحاجة إلى ارتقاء من واجب أشقائهم (السنة) معاضدتهم على تحقيقه. هي الأبوية في الجهار، المصاحبة للمعيارية في السر. الارتقاء هو من هذا العوز الحضاري الذي يطال كل من لا يستوفي مواصفات العروبة الكاملة، بما في ذلك السنية غير المعلنة.

ثم جاء الأمام موسى الصدر. هذا المهدي، بالمعنى المجازي طبعا، والذي حرر الهوية الشيعية اللبنانية، وفطم مؤسساتها من وصاية أشقائها، بيد ممدودة للجميع. هذا الإيراني اللبناني، الأمانة التي أعادتها إيران إلى لبنان بعد قرون من مساهمة أقاربه وأنسبائه بتشكيل الإطار العقائدي والفكري في بلاد الفرس. هذا المعتكف بالمسجد اعتراضا على الاقتتال والاحتراب في ظلام حروب لبنان، هذا الداعي إلى رفع الحرمان عن أهل لبنان، كما عن أهل فلسطين. هذا المغيب، كما يغيب المهديون، بفعل طيش طاغية أو كيد عدو. "لنا الصدر دون العالمين أو القبر"، والتماهي بين معنى الصدر المقام وقيمة الصدر الرجل هنا تكاد أن توحي أن هذا الشطر الشعري هو له من يوم خطه القلم.

موسى الصدر، الإمام، يوم لم يكن اللقب من نصيب أحد من علماء الشيعة، أراد للبنانيين الشيعة النهوض، وربط هذا النهوض بتأصيل الانتماء للوطن وتمتينه، وسار في خطه خلفه الإمام محمد مهدي شمس الدين. هذا وذاك أصرا على أن البعد الديني لا يستوجب تجاوز الهوية الوطنية، بل على النقيض يقتضي التزامها. الإيراني موسى الصدر طالب اللبناني الشيعي أن يكون لبنانيا بهويته وولائه، شيعيا بإيمانه وأخلاقه.

عقود الحرمان في لبنان منذ استقلاله، والتي عاشها أهل أطرافه، ولا سيما جبل عامل، إذ فرض عليه أن يكون ساحة المواجهة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، طوقت جبل لبنان بحزام بؤس كبير. والنزوح من هذه الأطراف المنهكة إلى العاصمة بيروت كرر الحالة بأن طوقها بحزام بؤس صغير.

تصحيح آخر لا بد منه، وهو الانتهاء من حالة التبعية، والتي تريد اللبنانيين الشيعة على نقيض الصيغة التي نادى بها موسى الصدر، أدوات لطرف خارجي

​​بعد جحيم الحروب، كان لا بد من السعي إلى إنماء متوازن. لم يحصل ذلك، بفعل طبيعة النظام السياسي اللبناني المحكوم باعتبارات المحاصصة بين زعماء الطوائف والتوافق بين الجهات الخارجية المديرة للواقع السياسي فيه. بدلا من الانماء المتوازن، حصل لبنان على الإنماء المتوازي. نظام رأسمالي زبائني لمعظم اللبنانيين تتناطح ضمنه مقومات الدولة الحديثة والاستقطاع النفعي من جهة، ونظام شمولي "مقاوم" لجمهور حزب الله، يجسد أقصى طموحات الثورة الإسلامية في إيران في إمساكه بحياة رعاياه من مختلف الأوجه ومن المهد إلى اللحد وما يتعداه.

هي دولة حزب الله، والتي يريدها المرشد الأعلى في طهران نموذجا وقدوة لحالات تتكرر في دول الجوار، ويكون معها أهل البلاد من الشيعة جنودا في جيش الولي الفقيه، لا مواطنين في أوطانهم. ولكن الحالة الشيعية في لبنان تتجاوز التبعية التي يعلنها حزب الله دون حرج.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (2) ضياع المرجعية العالمية السياسية

الخطأ التاريخي، والذي دفع جبل عامل وعموم الأطراف إلى التراجع والانكسار، صححه أهل هذا الجبل، وسائر المناطق، في هوية لبنانية هم في صلبها. لا المسعى الشمولي لحزب الله ولا الاحتلال الإسرائيلي المنهك على مدى أكثر من عقدين، ولا رداءة العناية التي توفرها الدولة اللبنانية قد اعترضت واقع أن الانتاج الثقافي والعلمي والعملي لدى هذه الأوساط قد تصاعد إلى حد انتفت معه مقولة "الحرمان"، بل إن أداء الأوساط المنتجة ذات الأبعاد الشيعية، داخل الوطن وخارجه، متواصل بزخمه إلى ما يفوق ما يقابلها على المستوى الوطني العام، وذلك رغم التبعية التي يفرضها حزب الله على أجزاء واسعة من هذه الأوساط.

تصحيح آخر لا بد منه بالتالي، وهو الانتهاء من حالة التبعية، والتي تريد اللبنانيين الشيعة على نقيض الصيغة التي نادى بها موسى الصدر، أدوات لطرف خارجي. لا يبدو الأمر سائرا باتجاه التحقق الفوري، ولكن، إذا كان الماضي دليلا على احتمالات سير المستقبل، فإن هذه القبضة الطائفية الممسكة بمصير جمع من اللبنانيين، لن تكون قادرة على تقييدهم خارج مصلحتهم الطبيعية، وإن تطلب الأمر ظهورا لمن يحاكي موسى الصدر في دعوته الوطنية، أي لمهدي جديد. بالمعنى المجازي طبعا.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة