سيدة في أحد مراكز "الأنروا" لتوزيع المساعدات
سيدة في أحد مراكز "الأنروا" لتوزيع المساعدات

بقلم نضال منصور/

لا يحتاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى "صفقة القرن" بعد أن مرر خلال الأشهر الماضية قرارات قد تعصف كليا بعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وهي عمليا تصفي القضية الفلسطينية، هكذا يقول مراقبون سياسيون، وهذا ما يقوله أيضا عامة الناس.

يحق للجميع أن يسأل: ماذا تبقى من مراحل الحل النهائي التي طرحت بأدبيات عملية السلام إذا كان ترامب قد اعترف بأن القدس عاصمة لإسرائيل، وسكت عن قرار الكنيست الإسرائيلي بيهودية الدولة، واليوم يوقف دعمه المالي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وتتداول أوساط المتابعين للملف "الأونروا" وجود رغبة بإلغاء صفة اللاجئ عن عدد كبير من اللاجئين.

يشعر كثير من السياسيين أن الإدارة الأميركية لا تحتاج أن تضع على الأجندة الدولية مشروعا جديدا لما تسميه "السلام"، فهي تعتمد استراتيجية التسلل وفرض وقائع جديدة على الأرض تخدم في المحصلة النتائج التي يريدها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وينفذها ترامب ومن أمامه مستشاره وصهره كوشنير.

يدرك الأردن أن إلغاء الدعم قضية ليست مالية بل سياسية بامتياز لإلغاء حق اللاجئين بالعودة

​​باختصار ترامب ينفذ دون ضجيج ما عجز عنه الزعماء الآخرون..

"الشعرة التي قصمت ظهر البعير"، وأظهرت خطة الرئيس ترامب في تمرير مشروعه خطوة بخطوة كانت قرار وقف الدعم المالي لـ"لأونروا" والمقدر بـ 350 مليون دولار، وما تبعه من كلام عن إلغاء صفة اللاجئ عن الأجيال الفلسطينية التي ولدت بعد تأسيس وكالة "الأونروا" عام 1949.

شعر الأردن بالصدمة بعد قرار ترامب الأخير، وفهم الأمر بشكل واضح جدا، القضية ليست مالية على الإطلاق، وإنما سياسية بامتياز، وهو تمهيد لإلغاء حق اللاجئين بالعودة، وهذا يعني أردنيا عودة هاجس التوطين القسري والوطن البديل، وهي القضية التي تثير المخاوف والحساسيات والقلق في المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: الشائعات في الأردن مبرمجة لتقويض استقرار الدولة.. أم فزاعة لإسكات الأصوات المخالفة؟

ليس سرا ما همس به مسؤول أردني بأن الإدارة الأميركية عرضت على الأردن ودول أخرى مضيفة للاجئين الفلسطينيين أن تأخذ الدعم المالي الذي كانت تدفعه واشنطن للأونروا نقدا، ولصالحها لتنفقه على الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية التي كانت تتكفل بها المنظمة الدولية "الأونروا"، وهو العرض الذي رفض فورا، لأن السلطات الأردنية تدرك المعنى والرمزية لـ"الأونروا"، وتفهم أن إيقافها يعني بوضوح تام إغلاق ملف اللاجئين والى الأبد.

يتحرك وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي منذ أسابيع لحشد التأييد لإدامة "الأونروا"، فالدلالات السياسية مهمة أردنيا، ولكن "الأونروا" كذلك تتحمل أعباء تعليمية وصحية مهمة في الأردن، وتوقف أو تراجع خدماتها ونشاطاتها "كارثة" اقتصادية لا تحتاجها البلاد في مثل هذه الظروف.

يفصح الوزير الصفدي لإعلاميين بأنه يخوض "معركة" "الأونروا" ضد القرار الأميركي، ويجد حلفاء وداعمين لاستمرارها في الاتحاد الأوروبي وأبرزهم السويد، ولكنه يحاذر ويتجنب أن يصور الأمر بأنه معركة ضد الإدارة الأميركية، لأن هذا قد يتسبب في تراجع وحذر دول هم حلفاء ومؤيدون لعمان لأن حساباتهم تختلف، وليس لهم مصلحة في التصادم والخلاف مع الإدارة الأميركية والرئيس ترامب.

في إسرائيل هناك رأي آخر في قضية وقف الدعم عن "الأونروا"، ويرى الكاتب ديفيد هيرست في مقال نشره وترجمه موقع "ميدل إيست آي" أن للقرار تداعيات أمنية خطيرة على إسرائيل، ويتابع قوله "لهذا السبب أمسك بنيامين نتنياهو في بداية الأمر لسانه عندما أعلن ترامب قطع كل التمويل الذي كان يقدمه لـ"الأونروا".

ويشير "كانت الاستخبارات الإسرائيلية أول من قرع جرس الإنذار حول قرار ترامب، وذلك على الرغم من أن "الشين بيت" والوزارة الأمنية الإسرائيلية ليسوا ليبراليين متخفين، ولا يكنون أي شعور بالذنب تجاه معاناة الفلسطينيين".

ويكمل "ومثلهم مثل معظم الإسرائيليين لا يرون التناقض الحاصل في الاعتراض على وجود جيل رابع من اللاجئين الفلسطينيين، بينما في نفس الوقت يمنحون حق المواطنة في أرض إسرائيل لكل من يولد يهوديا وعلى مدى مئات الأجيال المتعاقبة".

مصدر القلق والتهديد الأمني الإسرائيلي كما يفصله الكاتب بالقول "إن أخفقت مدارس "الأونروا" في فتح أبوابها في الموعد ككل عام، وإذا ما ترك آلاف الفتيان يتسكعون حول المخيمات، ولا شاغل يشغلهم سوى التقاط الحجارة من الأرض فسوف يكون الجنود الإسرائيليون في خط النار".

ويذهب الكاتب للافتراض بأن نتنياهو قد تخلى عن سياسة دعم "الأونروا" في رسالة بعثها شخصيا إلى البيت الأبيض قبل أسبوعين دون إجراء مشاورات مع قادة الجيش وأجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية.

الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ليست حريصة على اللاجئين الفلسطينيين لكنها تتبنى نظرية ينقلها ديفيد هيرست عن دوف فايسغلاس مستشار رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إيهود باراك "الفكرة هي إجبار الفلسطينيين على اتباع نظام تغذية متقشف، لكن دون التسبب في موتهم".

وفي ذات السياق نشر الموقع الإخباري الإسرائيلي "واللا" أن وقف دعم "الأونروا" يخرج الوضع في قطاع غزة عن السيطرة.

ويقول المحلل السياسي أمير بو خفوط "أن تقليص دعم الأونروا يعني زحف مئات الآلاف من الفلسطينيين الجوعى نحو الجدار الفاصل بين إسرائيل وقطاع غزة وهو يعني تهديد الأمن القومي الإسرائيلي".

رغم أن إسرائيل هي المستفيد الأول من قرار تصفية "الأونروا"، كمقدمة لإلغاء صفة اللجوء وحق العودة فإنها تدرس جميع السيناريوهات بما فيها "ثورة الجياع" التي تهدد وجودها، في حين وباستثناء الحراك الأردني الفلسطيني يعم الصمت المطبق في العالم العربي.

أكثر ما يمكن أن يفعله الأردن الدعوة لعقد مؤتمر دولي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر لحشد التمويل المالي لـ"الأونروا"، وتتحرك عمان بهذا الاتجاه بالتعاون مع السويد واليابان والاتحاد الأوروبي وتركيا.

لم يستنجد الأردن بالدول العربية وخاصة الخليجية لسد العجز في موازنة "الأونروا" لإدامة خدماتها الإنسانية للفلسطينيين، فهو يشعر أن ظهره مكشوف عربيا، ولا يحظى بالدعم والمساندة المطلوبة والكافية في قضية القدس، وكذلك "الأونروا".

سفير أردني مطلع حضر عديدا من الاجتماعات العربية سخر من الحال التي وصل لها الواقع العربي بالقول "الدول العربية يجلسون يراقبون حالهم حال أي ضيف، فهم لا يعتبرون القضايا القومية وعلى رأسها قضية فلسطين من الأولويات الآن".

لم يستنجد الأردن بالدول العربية فصمتها مريب ... ولم يدع لقمة عربية طارئة فهو يشعر أن ظهره مكشوفا

​الصمت العربي مريب جدا فحتى هذه اللحظة لم يتداع الزعماء العرب لعقد قمة عربية طارئة تحت شعار "إنقاذ "الأونروا" وحماية اللاجئين وحق العودة للفلسطينيين"، وكأنهم متفرجون ولا يعنيهم الأمر.

نضال العزة الكاتب في موقع عرب 48 يلتقط ما هو أبعد من التصدي للعجز المالي لـ"الأونروا"، فيدعو إلى توسيع الولاية الشخصية لـ"الأونروا"، وتوسيع تعريف اللاجئ ليس بالاستناد إلى الحاجة والمعونة، بل بموجب التعرض للتهجير والاضطهاد حسب القانون الدولي للاجئين.

ويطالب العزة بتوسيع الولاية الجغرافية لـ"الأونروا"، وتوسيع الولاية القانونية لتشمل الحماية القانونية والفيزيائية، وتكليفها بإدارة أملاك اللاجئين والمهجرين، وإجبار إسرائيل على دفع عائدات الانتفاع بأملاك اللاجئين والمهجرين، والتأكيد على عدم قانونية نقل مسؤوليات "الأونروا" للدول المضيفة.

اقرأ للكاتب أيضا: الصراع الطائفي لا ينتهي بالاعتذار.. بل بالإنصاف والمصالحة

كلام مهم لا يذهب للاستجداء المالي، ويعيد المعركة إلى المربع الأول باعتبارها قضية حق، غير أن المشكلة ليست في وجاهة الطرح، وإنما في الظروف الإقليمية والدولية، وتخلي العرب عن التزاماتهم.

النتيجة؛ "لا دخان بدون نار"، هكذا يقول المثل الشعبي العربي للتدليل على وجود شيء خفي، أو شيء يعد من خلف الستار، ولم يكن مفاجئا أن تعود فكرة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية للحضور بعد غياب، فهي أحد السيناريوهات للتوطين وضرب بنيان الدولة الفلسطينية المستقلة.

يكمل ترامب بوقف دعم "الأونروا" برنامجه لدعم إسرائيل، فهل من مفاجآت جديدة، أم أصبحت سياساته كتابا مفتوحا لا يحتاج إلى تنجيم لمعرفته؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.